مارتن لوثر... لم ترفع عنه فتوى التكفير التي أطلقها البابا ضده حتى الآن

 

 

عندما ينتصر الإنسان على نفسه يستطيع الانتصار على الآخرين

 

 

 

هشام صالح

كاتب سوري مقيم في باريس

 

صحيفة القدس

19 الأحد 31/1/1999

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

          قد يتساءل المرء كيف أمكن لشخص معقد مريض تنهشه الأوجاع الداخلية ان يصبح اكبر شخصية في عصره؟ كيف أمكن لشخص مثل مارتن لوثر، دفعته تأزماته المتفاقمة أكثر من مرة إلى حافة الهاوية  ان يصبح البطل المنقذ للتاريخ؟ كيف أمكن له. بقدرة قادر، ان يقلب الأمور عاليها سافلها فيحول الأسود إلى ابيض؟

        هذه الأسئلة طالما شغلت مفكري أوروبا ومؤرخيها، ومحلليها النفسيين طيلة القرون الأربعة الماضية. وهذه النقطة هي التي تشكل جاذبية شخصية لوثر أو حداثتها، إذا اجتاز التعبير، لكان تجاعيد التاريخ عجزت عن ان تشيخ هذه الشخصية الفذة فبقيت صامدة تتحدى الزمن وتشرف من على التاريخ كنا نتخيل ان الشخصية العظيمة هي تلك التي تولد قوية وتظل قوية على طول الخط. كنا نتخيل انه لا يمكن ان يصيبها الوهن أو الضعف في أي لحظة من اللحظات فإذا بنا نفاجأ بالعكس تماما. إذا بنا نفاجأ بشخصية هشة، قلقلة تئن تحت وطأة أمراضها الداخلية المزمنة. ولكن الا تكمن هنا بالضبط عظمة لوثر؟ فلو كان لوثر من البداية قويا، صحيحا، ناجحا، لما كان له فضل كبير في نجاحه اللاحق، لأن عظمته تكمن في انه انتقل من النقيض إلى النقيض، عظمته تكمن في انه خاض المعركة الداخلية مع نفسه "على المكشوف" دون أي مواربة أو مداورة.

        وعلى الرغم من ان خصومه استغلوا هذه النقطة ضده في حياته، بل وبعد مماته، الا انه رفض ان ينكرها أو يخفيها. حتى هذه اللحظة لا يزال عتاة اليمين الكاثوليكي يستخدمونها للنيل منه فيقولون انه كان مريضان،  أو مأزوما، أو مهووسا أو عصبيا....

        لكن شخصا في حجم لوثر يتنطح لقيادة التاريخ ويعرض نفسه للخطر الأعظم يمكنه ان يكون شخصا طبيعيا! لكنه لم يخجل منها، بل وراح يعترف بها على رؤوس الأشهاد ويعتبرها مفخرته. ان مفخرته تكمن في ذلك الثمن الباهظ الذي دفعه لكي يتوصل إلى حقيقة. فلوثر انتصر في نهاية المطاف على نفسه وأصبح اكبر قوة في ألمانيا: قوة لا تناقش ولا ترد. ذلك ان من ينتصر على نفسه بعد صراع ضار يستطيع ان ينتصر على الآخرين.ومعركة الخارج لا يمكن ان تحسم الا بعد حسم معركة الداخل.

        تعجبني تلك الصفات الني كتبها الاب ايف كونغار عن "قلق لوثر" فهي مليئة بالتفهم والتعاطف على الرغم من ان كونغار كاثوليكي وليس بروتستانتيا. لقد استطاع عن يحلق عاليا، وان يرتفع فوق العصبيات الطائفية، أو الحزازات المذهبية. نقول ذلك ونحن نعلم ان الكاثوليك ظلوا يلعنون لوثر طيلة عدة قرون. بل وحتى الآن لم ترفع عنه فتوى التكفير التي أطلقها البابا ضده في الثلث الأول من القرن السادس عشر . يقول هذا اللاهوتي المجدد بأن الاكتشاف الكبير الذي توصل إليه لوثر كان مرتبطا بتجربته الشخصية أو ازمته الداخلية. ولكن هذا لا يعني اننا نختزل عقيدته إلى مجرد أزمة مرضية. لا ريب في انه كان مصابا بعصاب ثقيل في شبابه الأول. بل واستمر حتى نهاية حياته يشهد فترات متقطعة من الاكتئاب النفسي والقلق الأسود الغامض. هذا يعني انه حتى ان جاءه النبوغ وانفراجات أسارير نفسيته ظل يشهد بعض هذه الأزمات التي قد تطول أو تقصر. ولكن هذا لم يمنعه من ان يقوم بواجبه، ان من يؤدي مهمته، والرسالة التي بعث من اجلها.

        عرف انه مدعوا لقيادة معركة سوف تهتز لها أوصال المسيحية الأوروبية من اقصاها إلى اقصاها. وبقدر ما كانت معركته الداخلية مع نفسه عنيفة ومدمرة، راحت معركته الخارجية مع أعداء التغيير والحقيقة تتخذ أبعادا شرسة وضارية وهكذا انتقلنا من معركة الداخل إلى معركة الخارج، من الخاص إلى العام، لقد استطاع لوثر ان يكتشف نقطة الفصل بين الخاص والعام: أي تلك الحلقة الضائعة أو المفقودة التي يبحث عنها الجميع دون ان يجدونها.

        وبدءا من تلك اللحظة أصبح مسئولا عن تشخيص مرض العصر وعن ايجاد علاج له.

        لكن من يعرف ماذا كان يحصل في داخليته عندما كان يختلي بنفسه، أي في مطبخه الداخلي فيتقلب ذات اليمين وذات الشمال، ويقوم ويقعد ويرغي ويزبد ثم ينطرح أرضا حتى لكأن به مس من جنون؟ وعندما كان يغوص في أعماق أعماقه، أو ينزل إلى الطبقات السفلية الجيولوجية للذات الباطنية هل كان مضمونا ان يخرج سالما معافى إلى السطح؟ من يعرف حجم الثمن الذي دفعه هذا الرجل قبل ان ينفجر بالحقيقة: أي بالحل المرتقب منذ عشرات السنين؟

        بما ان أزمة لوثر كانت عميقة، فقد كان يلزمه حل جذري لا يقل عمقا عن ازمته. وهذا الحل يتلخص بكلمتين اثنتين: الإيمان أولا أو الإيمان وحده. وقد يستغرب المرء: كيف يمكن لأزمة بمثل هذه الحدود الحدة والخطورة ان تحل بكلمة واحدة، أو بكلمتين اثنتين! اما كان من الأسهل عليه ان يؤمن منذ البداية ويريحنا من هذه المشكلة فلا يمر بكل هذه المخاضات والآلام؟ والواقع ان الامر ليس بهذه البساطة.

        كيف توصل لوثر إلى هذا الإيمان  الجديد، اقصد الإيمان الشخصي أو الذاتي الذي يختلف عن إيمان العصور الوسطى؟ وكيف. اذ توصل اليه، حل ليس فقط مشكلته الشخصية وانما أيضا مشكلة المسيحية الأوروبية بأسرها؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي ان نتوقف عنده الآن لكي نفهم جوهر الثورة اللوثرية.

        قلنا سابقا بأن مشكلة لوثر كانت تتمثل بكلمة واحدة: التبرير بالذات، فالإحساس بالذنب كان يلاحقه باستمرار والخوف من عقاب الله في الدار الآخرة كان ينغص عليه عيشته وكان يعتقد انه هالك لا محالة، وان روحه لن تنجو من عذاب النار مهما حاول، ومهما فعل. انه مدان سلفا، وبالتالي فلم يكن يهدأ له بال، ولم يكن يستقر على حال، وكان القلق ينهشه ويقض مضجعه. وعندما توصل إلى الحل بعد ان أوشك على اليأس المطبق لم يكن يصدق عينيه، لم يكن يصدق انه يوجد حل لمشكلة في حجم مشكلته، في شراسة وعمق مشكلته. لقد انحلت عقدة لوثر، وبأنجلائها انحلت عقدة التاريخ. من يستطيع ان يتصور فرحة لوثر عندها؟ من يستطيع ان يصف أحاديثه ومشاعره في تلك اللحظة بالذات: لحظة التحرر الداخلي؟ في الحياة هناك لحظات جميلة بدون شك: لحظة الحب مثلا، خصوصا إذا ما امتزج فيه الجسدي بالروحي، او لحظة النجاح في الامتحانات ونيل الشهادات العليا والارتقاء في المناصب او لحظة النجاح في الحياة وتحصيل الأموال..الخ، ولكن هناك لحظة واحدة من جنس آخر، لحظة تغير مجرى التاريخ. من هذه اللحظات النادرة التي لا يجود بها الزمان الا قليلا،  تلك اللحظة التي عاشها مارتن لوثر في برج كنيسة ويتنبرغ، ولم ينسها طيلة حياته كلها. انها لحظة الولادة الثانية التي لا تقل أهمية عن الولادة الأولى، ان لم تزد. الناس جميعا يولدون مرة واحدة في حياتهم. وحده العبقري يولد مرتين:المرة الأولى عندما يخرج من بطن أمه، والمرة الثانية عندما تنكشف له حقيقته. لكن متى حصلت تلك اللحظة. لا احد يعرف بالضبط. انها تتموضع ما بين عامي 1513-1514. لوثر كان يختلي كثيرا في تلك الفترة في غرفة صغيرة واقعة في الجانب الشرقي من برج كنيسة وتنبرغ. ومن المعلوم انه كان أستاذا لمادة اللاهوت وتأويل الكتاب المقدس في جامعة هذه المدينة. وكان يلف ويدور مرارا وتكرارا حول تفسير كلام بولس في رسالته إلى أهل رومية. وتسمر بصره بالتحديد على المقطع التالي: "في الإنجيل تتجلى عدالة الله. والإنسان البار بالإيمان يحيا". ثم على المقطع التالي من المزامير "بعدالتك خلصني، بعدالتك حررني". وكان يرتجف رعبا عندما يقرأ هذه المقاطع، وقد قرأها الآف المرات دون ان يتوصل إلى معناها الحقيقي، او قل ان معناها الشائع كان يرعبه. كان يعتقد ان عدالة الله التي يتحدث عنها بولس الرسول هي قصاصه وعقابه يوم الحساب. وبالتالي فلا مفر منها ولا نجاة. ذلك أنه مهما فعل، ومهما تهجد وصلى وصام فانه سيظل مقصورا أو مذنبا ولن ينال مرضاة الله. وكان يعتقد ان عدالة الله تشبه عدالة البشر على هذه الأرض. أي لها ميزان، كفة للحسنات، وكفة للسيئات. وكيف يمكن ان تتغلب الكفة الأولى على الكفة الثانية والإنسان مذنب بطبعه، وميال إلى الشهوات بطبعه، وناقص بطبعه. لا،لا يمكن ان ينجو بروحه في ظل هذه المحاسبة الصارمة حتى لو كان اتقى الأتقياء ، نقول ذلك وبخاصة ان صورة الله في العصور الوسطى كانت كالحة، مرعبة، متجهمة. ويقال ان لوثر كان يرتجف رعبا عندما يرى صورة المسيح معلقة في مكان ما، فقد كان يرى فيه قاضيا صارما لا يرحم. وكان يعتقد انه لن يحظى برضاه مهما. وفجأة لمحة في ذهنه الفكرة التالية: وما الذي يحصل إذا كانت عدالة الله التي يتحدث عنها الإنجيل ليست هي عدالة البشر؟ فربما كانت من جنس آخر مختلف تماما. فالله غني عن صلواتي وصيامي، وركوعي وسجودي وإذا شاء فانه يستطيع ان يمنحني العفو والمغفرة بشكل مجاني ودون أي مقابل. من انا حتى أساوم الله على خلاصي ونجاتي؟ لا، انه غفور رحيم لا يريد بي الا الخير، وسوف يغفر لي ما  تقدم من ذنبي وما تأخر بمجرد ان أومن به وأضع نفسي بين يديه، وإذن فالإيمان هو الأساس، وذاك ان يعمر القلب، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون....

 

        هنا يكمن الاكتشاف اللاهوتي الكبير لمارتن لوثر. وسوف تكون له انعكاسات هائلة ليس فقط بالنسبة له شخصيا، وإنما بالنسبة للمسيحية الأوروبية ككل. هذا هو الانقلاب اللاهوتي الكبير الذي أحدثه مارتن لوثر والذي ترتبت عليه كل الانقلابات اللاحقة: من أخلاقية، وروحية، واجتماعية، وسياسية، بل وحتى الاقتصادية. فالانخراط في العالم أصبح حلالا مباحا، وتحقيق الإنسان لذاته على هذه الأرض، أصبح مبررا. ولم يعد الإنسان خائفا مرعوبا ، يمشي والذنب يثقل كاهله، وكان يخشى حتى من ظله. هذه هي الهدية التي قدمها لوثر للمسيحيين في عصره. وكانوا أيضا قلقين مثله، وخائفين على أرواحهم. ينبغي ان لا ننسى : نحن نعيش في العصور الوسطى حيث كان العالم الاخر أكثر أهمية- بل وواقعية –من هذا العالم، ولولا ان اكتشاف لوثر كان يلبي مطالبهم العميقة، لما انتشر الإصلاح الديني ، انتشار النار في الهشيم. هنا يتقاطع الخاص بالعام كما ذكرت أكثر من مرة، وهنا يتلاقى خلاص لوثر مع خلاص شعبه والبشرية الأوروبية بأسرها. هكذا راح لوثر ينهض لكي يقوم اعوجاج المسيحية، وينفخ الروح في الأمة الألمانية.

 

 

 

 

 

هوامش البحث

1-   كتاب الأب ايف كونغار المشار إليه هو التالي:

مارتن لوثر، إيمانه، وإصلاحه، باريس، 1983: للأسف فان موقف الأب كونغار ليس هو موقف جميع الكاثوليك من لوثر. فالجناح المتعصب والمتزمت من الكاثوليك ما يزال يلعنه حتى هذه الساعة، ويعتبره زنديقا شهيرا. بل يرى فيه المسئول الأول عن انقسام الكنيسة المسيحية في الغرب الأوروبي. وبالتالي فلم يغفر له فعلته تلك حتى الآن. ولكن هؤلاء "الأخوان المسيحيين" المتشددين ينسون انه هو الذي أنقذ المسيحية بعد ان تدهورت إلى أدنى مستوى روحيا وأخلاقيا واجتماعيا.

2-    ولكن هل حصلت تلك اللحظة ضربة واحدة أم بالتدريج. بمعنى آخر: هل جاء  الكشف كالضربة الصاعقة، أم على مراحل؟ يختلف المؤرخون حول هذه النقطة. وان كنت أميل شخصيا. إلى ان الكشف جاء تدريجيا، لأنه لو حصل دفع واحدة لربما قتله في أرضه! ذلك انه من الصعب جدا ان تتحمل انكشاف حقيقتك لك دفعة واحدة، وبخاصة إذا ما كانت مطموسة منذ سنوات طويلة. ما أصعب مواجهة الذات، وما أصعب مواجهة الحقيقة الداخلية التي نشيح عنها الوجه بكل سبيل وسبيل!.