طريقة بسيطة إلى  الصلاة

 

 

 

                                            

 

 

 

للمصلح مارتن لوثر

 

 

 

 

                                               

 

 

ترجمة الأستاذ فهد أبو غزالة

 

 

                                     

 

                                     

 

 

 

 

تقديم

 

يسرّ كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية أن تنشر الترجمة العربية الأولى لكتاب المصلح الكبير مارتن لوثر والذي يعالج فيه موضوع الصلاة. وإذ تنشر كنيسة الميلاد هذه الترجمة، إنما تفعل ذلك إيماناً منها بأن كتابات المصلح مارتن لوثر لغنيّة وعميقة وغزيرة، وأنها مازالت قادرة على مخاطبة إنسان القرن الحادي والعشرين فتجيب على تساؤلاته الروحية وتطفئ ظمأ نفسه وتغذّيه فينمو في محبة الله ومخافته.

 

ويشكل هذا الكتاب الحلقة الثانية في سلسلة ترجمات لكتابات المصلح مارتن لوثر، تأمل كنيسة الميلاد أن تغني بها المكتبة المسيحية العربية.

 

ولا يسعني إلاّ أن أتقدّم بجزيل الشكر والعرفان إلى الأستاذ فهد أبو غزاله الذي كرّس جلّ وقته لترجمة هذا الكتاب من الألمانية والإنكليزية إلى العربية إيماناً منه بأهميّة هذا العمل للكنيسة المحلية.

 

وكما أتقدّم بالشكر إلى كنيسة الفادي الناطقة باللغة الألمانية في القدس والتي تبرّعت مشكورة بتكاليف طباعة هذا الكتاب.

 

وصلاتي إلى الله أن يستخدم هذا الكتاب كي يصل من خلاله إلى قلوب وعقول الكثيرين فيجدوا فيه زاداً لحياتهم الروحية ومعيناً لا ينضب ينعشهم في مسيرتهم مع الله في هذا العالم.

 

القس الدكتور متري الراهب  

راعي كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية

 

 

 

 

 

 

 

 

مارتن لوثر

 

طريقة بسيطة إلى الصلاة

 

مقدّمة المترجم

 

هذه ترجمة كتاب ثانٍ من كتب المصلح مارتن لوثر وعنوانه "طريقة بسيطة إلى الصلاة". وهو كالكتاب الأول "تعظّم" بمثابة رسالة أو إجابة على سؤال وجهها إلى صديقه الحلاق، الذي كان قد طلب منه أن يرشده  إلى أسلوب للصلاة. ويقترح لوثر هذا الأسلوب البسيط، ولكنه يدعو المؤمنين إلى اتّباع أي  أسلوب آخر يفضّلونه على هذا الأسلوب. ويحذّر في مستهلّ كتابه من أن يترك المؤمن عادة الصلاة الصادقة اعتقاداً منه أن هناك أموراً هامة تجعله يؤجّل الصلاة أو يستغني عنها. كنت قد اطّلعت على هذا الكتاب عندما كنت بعد طالب مدرسة، وقد أعجبت به لأنه ينبع من قلب مفعم بالإيمان الصادق والاعتماد على نعمة الله ورحمته اعتماداً كلّياً. ونصيحة المصلح في "الطريقة البسيطة" أن تقام الصلاة  على ضوء الصلاة الربانية والوصايا العشر والأقسام الأخرى المذكورة في كتابه الكاتيخسموس الصغير، أي التعليم المسيحي على طريقة السؤال والجواب. آمل أن يجد هذا العمل

قبولاً لدى القرّاء فيضاف إلى مكتبة البيت المسيحي.

 

يسعدني أن أقدّم شكري للذين أسهموا في طباعة هذا الكتاب والذين قدموا لي العون المادي والمعنوي على متابعة عمل الترجمة، وأخص بالذكر حضرة الدكتور متري  الراهب راعي الكنيسة  الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم.

 

7/5/1999

فهد أبو غزالة

المترجم  

 

 

 

 

 

ترجمة عن مارتن لوتّر

 

طريقة بسيطة إلى الصلاة

 

إهداء لصديق حميم (1535)

 

المقدّمة:

 

كان المعلم بيتر بيسكين دورف حلاقاً، وتعاطى شيئاً من مهنة الطب، كما اعتاد حلاقو ذلك الزمان، وكان أحد أصدقاء لوثر القدامى المقرّبين، وكان يطيب له أن يتحدّث مع لوثر في مواضيع لاهوتية ودينية. والرأي الراجح أنه طلب منه الهداية إلى طريق للصلاة، فأجابه لوثر إلى سؤاله بهذا التفسير "طريقة بسيطة إلى الصلاة". صدر الكتاب في أوائل عام 1535 في مدينة فيتنبرغ، وكان ذلك العام عام شؤم على الحلاق إذ طعن نسيبه في حالة سكر في عيد الفصح فقضى عليه، وتدخّل لوثر في أمره، لكن القضاء حكم عليه أخيراً بالنفي بعد أن جرّد من كل ممتلكاته، فأمضى بقية حياته في مدينة داساو ذليلاً معدماً. أما "الطريقة البسيطة" فترتكز في مبناها وفحواها على الكاتيخسموس الصغير الذي كان يعتبره لوثر أحد مؤلفاته الرئيسية، وهو كتاب موجز في تعليم العقائد الدينية على طريقة السؤال والجواب.

 

وكشف لوثر في "الطريقة البسيطة" عن أسلوبه الشخصي الذي كان يتّبعه في الصلاة وأوصى كل إنسان بأن يتّخذ هذا الأسلوب مثالاً يُحتذى كما أشار بذلك على بيتر الحلاّق في فاتحة الكتاب. لاقى الكتاب رواجاً كبيراً عند ظهوره فصدرت منه أربع طبعات في تلك السنة.

 

 

 

 

 

 

 

 

كيف ينبغي للمرء أن يصلّي؟

 

إلى بيتر الحلاّق البارع

 

عزيزي المعلّم بيتر، أعرض عليكم أحسن ما أستطيع فعله، وأطالعكم بما أعمله أنا بنفسي عندما أصلّي. ليت ربنا يطلعكم ويطلع كل إنسان على طريقة أفضل من طريقتي.  آمين.

 

في بادئ الأمر، عندما أشعر بأني كئيب وفاتر عن الصلاة بسبب أعمال وأفكار أخرى تعرض  لي، ولأن الجسد والشيطان يداومان على اعتراض السبيل إلى الصلاة وعلى الإعاقة عنها، آخذ كتابي الصغير للصلاة وأسرع إلى مخدعي أو أدخل الكنيسة حيث الطائفة مجتمعة في ميعاد اليوم والساعة، ثم آخذ في تلاوة الوصايا العشر وقانون الإيمان بهدوء، وأتلفّظ الكلمة تلو الأخرى، وإذا سمح به وقتي أقول أيضاً بعض كلمات المسيح أو بولس أو بضع آيات من المزامير، تماماً كما يفعل الأطفال.

 

لذلك جيّد أن يخلو المرء للصلاة ويجعلها أول عمل يؤدّيه في الصباح وآخر عمل في المساء. واحذر تلك الأفكار الكاذبة المضللة التي تقول لك: "انتظر برهة قصيرة سأقيم  الصلاة بعد ساعة، لأنه علي أن أنجز هذه الحاجة أو تلك أولاً". إن أفكاراً كهذه تبعد المرء عن الصلاة وتشغله عنها بشؤون أخرى فتستحوذ على اهتمامه وينهمك فيها وهكذا لا تأتي الصلاة بأيّة نتيجة في ذلك اليوم.

 

من الجائز جداً أن تكون هناك بعض الأعمال الجيّدة كالصلاة أو الأفضل منها، وخاصة إذا دعت إليها حاجة ملحّة. هناك قول ينسب إلى القديس هيرونيموس (جيروم) أن كل أعمال المؤمنين هي صلاة، وهناك أيضاً مثل يقول "من يعمل بإخلاص يصلّي مرتين". وإنه لجائز لنا أن نقول هذا القول لأن المؤمن يخاف ا لله في عمله ويحترمه ويحفظ وصيته في ذهنه فلا يعتدي على أحد ولا يحاول سرقته أو يسلبه ماله بالاحتيال أو يغشّه. فلا شك في أن أفكاراً كهذه الأفكار وايماناً كهذا الإيمان أقرب إلى الصلاة وإلى قربان حمد يتقرّب بهما المرء إلى الله. وكذلك إذا توجّهنا إلى الناحية الأخرى، فإن عمل غير المؤمن لعنة برمّته بلا شك، ومن يعمل دون إخلاص يُلعن مرتين. لأنه في مزاولة عمله تنهمك أفكار قلبه في الاستهانة بالله وفي انتهاك ناموسه فلا ينصرف عن الاعتداء على قريبه ومحاولة سرقته وسلبه ماله بالاحتيال. وماذا تكون أمثال هذه الأفكار إلاّ التجديف على الله واللعن للناس، مما تجعل عمله ومسعاه لعنة مزدوجة عليه، وينتهي الأمر بمثل هؤلاء الناس إلى أن يبقوا شحاذين وحمقى في أعمالهم. أما عن الصلاة الدائمة في كل حين فيقول المسيح في (لوقا 11: 8 – 13) وانظر أيضاً (1 تس5: 17)، أن صلّوا بلا انقطاع، لأن  على المرء أن يكون متيقّظاً باستمرار لكل خطيّة قد يفاجأ بها أو إساءة قد يسببها للآخرين، وقد لا يستطيع ذلك إلاّ إذا وضع مخافة الله نصب عينه وحفظ وصيّته في ذاكرته، كما يقول المزمور (1: 1و 2): "طوبى للذي مسرّته في ناموس الرب، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً".

 

ومع ذلك علينا أن نحترس من أن نترك عادة الصلاة الصادقة فنعتقد ضرورة الأعمال الأخرى، التي هي في الحقيقة لا تدعو إليها الحاجة ولا هي مدعاة ملحّة للتأجيل، فينتهي بنا الأمر إلى الاسترخاء والكسل ونتوانى في الصلاة ونفتر عنها. لأن ابليس المحيق بنا ليس بالكسول أو المهمل، ولأن جسدنا أيضاً مستعدّ وتوّاق جداً إلى الخطية وينفر من روح الصلاة.

 

عندما تشعر بحرارة القلب (بعد تلاوة الوصايا العشر وآيات المسيح وغيرها) وتتوطّن نفسك على الصلاة، فاركع أو قف مكتّف اليدين على الصدر ورافعاً عينيك نحو السماء، وقل أو فكّر في قلبك مقتصراً  الكلام  قدر استطاعتك:

 

أيها الآب السماوي، الإله الودود، إنني خاطئ فقير صغير القدر، ولست مستحقاً أن أرفع عيني أو يدي نحوك أو أن أصلّي إليك. ولكن بما أنك أمرتنا جميعنا بالصلاة ووعدت بالاستجابة، وزيادة على  ذلك بما أنك قد علمتنا بواسطة ابنك الحبيب ربنا يسوع المسيح كلا الأمرين كيف نصلي وماذا نصلّي، فإني آتي إليك طائعاً لأمرك ومتّكلاً على كريم وعدك، وباسم ربي يسوع المسيح أصلّي مع جميع المسيحيين القديسين على الأرض كما علمني هو : "أبانا الذي…الخ" حتى النهاية كلمة كلمة. ثم أعد جزءاً واحداً أو قدر ما تريد، أي على هذا النحو:

 

 الطلبة الأولى: ليتقدس اسمك.

وقل: نعم أيها الرب الإله، الأب الحبيب، اجعل اسمك مقدّساً لدينا نحن ولدى جميع العالم أيضاً. خرّب واستأصل قبح فعال الكفرة (*1) وجميع المعلمين الكذبة والعتاة المتعصّبين، ووثنيّتهم وبدعهم، الذين ينطقون باسمك باطلاً ويجدّفون عليه ويسيئون استعماله إلى حدّ رهيب. إنهم يقولون مفاخرين بأنهم يعلّمون كلمتك والشرائع الكنسية، أما حقيقة أمرهم فهي خداع الشيطان وتضليله، ويغوون بهما ويظلمون النفوس الفقيرة  الكثيرة في العالم أجمع، منتحلين  اسمك في هذه الأمور، بل انهم أيضاً يقتلون ويسفكون الدماء البريئة، معتقدين أنهم بذلك يؤدّون لك خدمة مقدسة. فيا أيها الرب الإله الحبيب، هلمّ قم ردّهم واكبحهم. ردّ إلى الصواب الذين لم يتوبوا بعد، كي نقدّس اسمك ونمجّده نحن وهم معاً، وعلى حدّ سواء في كلا الأمرين،  في التعليم الصحيح النقيّ وفي الحياة الطاهرة المقدّسة لك. واكبح عن الغيّ الذين لا يريدون أن يتوبوا حتى يلزموا بالإقلاع عن اتخاذ اسمك القدوس بالباطل وعن تدنيسه وإهانته، وتضليل الناس الفقراء. آمين.

 

الطلبة الثانية: ليأتِ ملكوتك.

وقل: أيها الإله والأب الودود، إنك ترى كيف أن العالم بحكمته وإدراكه العقلي لا يقتصر فقط على تدنيس اسمك وعلى تأدية واحب الإكرام والاحترام الجدير بك للأكاذيب والشيطان، بل إنه عوضاً عن أن يتخذ القوة والقدرة والغنى والمجد التي أعطيتها على الأرض لتولي الحكم الدنيوي ولخدمتك، صار يستعملها لمطامعه الخاصة ولمقامومة ملكوتك. إن أبناء العالم زادوا عظمة وقدرة وعدداً وسمانةً وشبعاً، يعيقون قطيع ملكوتك الصغير وينزلون به الكوارث، أما هو فلا حول له وإنه المحتقر والمقلّ عدداً. إنهم لا يرأفون بقطيعك على الأرض بل يظلمونه، ظانين أنهم بذلك يؤدّون لك خدمة مقدّسة وعظيمة. قم يا رب إلهنا وأبانا الحبيب، ردّهم واكبحهم، ردّ إلى الصواب الذين هم في طريق الانضمام إلى أبناء ملكوتك وأعضائه، كي نخدمك نحن وهم معاً بإيمان صادق ومحبة بلا رياء، فننتقل من ملكوتك هذا الذي أنشئ في بداءته وندخل الملكوت الأبدي. صدّ الذين لا يريدون أن يصرفوا سلطتهم وقوّتهم عن نقض ملكوتك، حتى إذا أسقطوا عن عروشهم وصاروا أذلاّء ألزموا بأن يكفّوا عن مسعاهم. آمين.

 

الطلبة الثالثة: لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض.

وقل: آه أيها السيد إلهنا وأبانا المحب، أنت تعرف حال العالم وحوادثه، إنه وإن كان غير قادر على إخراب اسمك وتدميره واستئصال ملكوتك بكليته فإنه ينهمك نهاراً وليلاً في الخداع وتدبير المكايد، ويتآمر ويتشاور متمادياً في غيّه، ويعدّ الحشد والخطط السّرّيّة، ويدعم حلفاء السوء ويجدّ ويلجّ، ويهدّد ليهمّ باسمك وكلمتك وملكوتك وأولادك. لذلك، أيها الرب المحب، إلهنا وأبانا، ردّهم وصدّهم عن طرقهم. ردّ الذين تقتضيهم الضرورة بعد أن يقبلوا إلى معرفة مشيئتك الصالحة حتى نشترك هم ونحن معاً في إطاعة مشيئتك، وحتى نحتمل كرامة لك كل ظلم وصليب ومحنة بفرح وصبر، ونتعرّف بذلك مشيئتك الكريمة التامة نجرّبها ونختبرها. لكن صدّ عنا أولئك الذين هم في ثورتهم ونقمهم وكراهتهم ووعيدهم لا يكفّون عن عزمهم على إيذائنا حتى يسقطوا في الهوّة التي حفروها، كما يترنّم المزمور (7: 13 – 17). آمين. 

 

الطلبة الرابعة: خبزنا كفافنا أعطنا اليوم.

وقل: أيها الرب الإله والأب الودود، هبنا بركتك أيضاً في هذه الحياة  الزمنية الجسديّة. جُد علينا بنعمة السلام. واحمنا من الحرب والفوضويّة. آتِ حكومتنا (*2) اليمن والظفر على الأعداء. آتها الحكمة والفهم حتى تتولّى الحكم الأرضي في سلام وسعادة ونجاح. أعطِ جميع الملوك والحكّام المشورة الصالحة والرغبة الصادقة في أن يحفظوا بلادهم ورعاياهم ويسوسوهم بالسلام والعدالة، ولا سيما أعن أميرنا المحبوب ن. وأرشده، فإنك تحافظ علينا في كنفه وحماه، كي يكون مستعصماً من كل شرّ ومصوناً من ألسنة السوء وخونة الأمانة، فينعم بحكم سعيد مبارك، أسبغ النعمة على كل رعاياه كي يخدموه مخلصين طائعين. هب لكل طبقة اجتماعية، لأهل المدن والفلاحين، أن يكونوا صادقين ومحبين للخير ومخلصي المودّة تجاه بعضهم البعض. منّ علينا بالطقس الحسن وغلال الأرض، وانني أودعك بيتي وممتلكاتي وامرأتي وأولادي وأعنّي على أن أكفلهم وأقوم بمعاشهم وأربيهم في توجّه مسيحي. دافع عنا المدمّر وجميع ملائكته الأشرار، الذين يوقعون بنا الأذى والدواهي في هذه الحياة. آمين.

 

الطلبة الخامسة: واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا.

وقل: أيها الرب، الإله والأب الحبيب، لا تدخل في المحاكمة معنا، فإنه لا يتبرّر أمامك أحد من الأحياء. لا تحسب ذلك لنا خطية أننا وبكل أسف جاحدون كل الجحود بخيراتك وألطافك الروحية والجسدية التي تفوق الوصف، وإننا يومياً كثيراً ما نضلّ في الخطأ أكثر مما نقدر أن نعرف أو نشعر (مز19: 13). لا تنظر إلى أعمال تبررنا ولا إلى الشرّ الذي يأتي منا، لكن إلى مجرّد رحمتك التي لا يُسبر غورها والتي أنعمتها علينا بالمسيح ابنك الحبيب. واغفر أيضاً لجميع أعدائنا وجميع الذين يؤذوننا أو يسيئون إلينا، كما نغفر نحن لهم من قلوبنا. فإنهم بمقاومتهم إيانا يوقعون بأنفسهم أشدّ الأذى إذ هم يحملونك على الغضب، فإن خرابهم لا ينفعنا بأي شيء ننتفع به، إنما نفضّل على ذلك جداّ أن يفوزوا بالخلاص معنا. آمين.  (إن كان أحد يشعر بعدم مقدرته على أن يغفر المغفرة الصادقة، فليسأل الله النعمة حتى يقدر على ذلك. لكن هذا الموضوع خاص بالعظة).

 

الطلبة السادسة: ولا تدخلنا في تجربة.

وقل: أيها الرب، الأب والإله المحب، إجعلنا أن نظلّ مستعدّين ويقظين وذوي نشاط واجتهاد في كلمتك وخدمتك حتى لا يستولي علينا الرضا الذاتي والتباطؤ والتكاسل كما لو كنا قد حصلنا على كل شيء. فلا يخادعنا ابليس المخوف ويهجم علينا ويسلبنا كلمتك التي نعزّها أو يثير فينا الفتنة ويفرّق جمعنا، أو إنه يحملنا على ارتكاب إحدى المعاصي أو يوقعنا في مخزاة أخرى روحية وجسدية معاً، بل هبنا حكمة وقوّة بواسطة روحك حتى نقاومه ببسالة ونفوز بالنصر. آمين.

 

الطلبة السابعة: لكن نجنا من الشرير.

وقل: أيها الرب أبانا وإلهنا الحبيب، آهِ من حياة التعس هذه، فإنها مشحونة بؤساً وشقاءً، ويحيط بها من كل جهة الخطر وعدم الأمان، وقد أغرقت أعمالها بالغدر والغش كما يقول القديس بولس: "إن الأيام شريرة" (أف5: 16). مما يجعلنا تعبين منها بحقّ ومما يحملنا على اشتهاء الموت. أما أنت أيها الأب الودود، فإنك تعرف ضعفنا، لذا أعنّا لنتجاوز هذه المهانات والشرور المختلفة ونتخطّاها بأمان، ومتى تجيء ساعتنا الأخيرة امنحنا نهاية سعيدة وانقلنا بنعمتك من وادي الدموع هذا، فلا نخاف الموت والقنوط، إنما نستودع نفوسنا في يديك راسخين في  الإيمان. آمين.

 

وأخيراً  ينبغي لك أن لا تنسى أن تقول "آمين" دائماً بثقة، وأن لا تشكّ في أن الله قد ترأف بك وسمع إليك وإنه من غير ريب قد قال "نعم" لصلواتك. ولا تفكّر أبداً في أنك راكع أو واقف منفرداً وحدك، بل هناك المسيحية عامةً وجميع المسيحيين الأبرار يقفون إلى جنبك وأنت إلى جنبهم مشتركين بنفس واحدة في اتحاد الصلاة والتي لا يطيق الله ان يزدريها. لا تترك الصلاة من دون أن تقول وتفكّر: "حسن جداً، فقد سمع الله لي صلاتي، وإني على يقين من ذلك وعالم بذلك حق العلم". هذا هو معنى "آمين".

 

مما يجب أن تعرفه أيضاً انني لا أريد أن تسرد بسرعة كل هذا الكلام في صلاتك لأن نتيجة ذلك لن تكون إلاّ ثرثرة وتخليطاً. فعند قراءة الكتاب تتلاحق كلماته بسرعة ودون تروّي، كما يتلو (*3) بعض الناس المسبحة أو كتاب الصلوات اليومية بدون تروّي. إنما أريد أن يتنشّط قلبك ويهتدي إلى الأفكار التي يتعيّن عليه فهمها في الصلاة الربانية. وإذا كان القلب مستدفئاً حقاً واستمال إلى الصلاة ورغب فيها، فيمكن التعبير عن هذه الأفكار بطرق شتّى وبكلمات أكثر أو أقلّ من غير أدنى شك. فأنا نفسي لا أرتبط بهذه الكلمات أو الألفاظ ولا أواظب عليها، بل أتبع اليوم هذا النمط من الصلاة ونمطاً آخر في الغد، على حسب شعوري بالدفء والرغبة، ولكني على كل وجه أداوم عموماً على ذات الأفكار وذات المعنى قدر استطاعتي. وقد يحدث أحياناً أنني أنهمك في ما يخطر لي في إحدى الطلبات من الأفكار الغزيرة فأتعمّق فيها وأترك السّت الأخرى وأغفل عنها، فإذا جاءتنا هذه الوفرة من الأفكار الجيدة علينا أن نتغاضى عن الطلبات الأخرى ونفسح المكان لهذه الأفكار ونصغي إليها بهدوء وسكون، وأن لا نعوقها أو نعترض سبيلها البتّة. لأن الروح القدس هو الذي يعظ هنا وأن كلمة واحدة من كلام وعظه خير من ألف كلمة من كلمات صلواتنا. كم من مرّة كان قدر ما تعلّمته من صلاة واحدة يفوق ما يمكنني أن أتعلّمه من مطالعة الكتب الكثيرة ومن  التأمّلات العديدة.

 

ومن مهامّ الأمور أن يتهيّأ قلبك وأن يميل إلى  الصلاة، كما يقول يشوع بن سيراخ: (18: 23): "قبل الصلاة أهّب نفسك ولا تكن كإنسان يجرّب الربّ". وهل تكون ثرثرة الفم وتخليطه في الكلام وسيحان العقل في أفكار شتّى غير تجربة الرب؟ (*4). ومما يبدو لي أن المرء لو أمكنه أن يرى الأفكار التي تصدر عن القلب البارد العديم الورع في الصلاة لثبت له أنه ليس هناك تهريج مما يحمل المرء على الضحك  مثل هذه الأفكار.

 

وللأسف كنت في السابق أصلّي ساعات صلاة كثيرة على هذا النحو، فكان المزمور أو  الوقت المخصص ينتهيان قبل إدراكي أإذا كنت في البداءة أو في الوسط. أما الآن فإني على يقين والحمد لله من أن صلاة ينسى المرء ما تكلّم فيها ليست هي بصلاة صائبة. لأن الصلاة القيّمة هي التي يذكر فيها جيّداً كل كلمة تكلم بها وكل فكر وقع في خاطره من الابتداء بها حتى النهاية.

 

ومثالاً على ذلك الحلاّق الماهر الحاذق، إذ عليه أن يوجّه كل اهتمامه وأفكاره وأن لا يغفل النظر الى الموسى والشعر وأن لا ينسى إلى أين توصّل في عمله أإلى حلاقة الذقن أو قصّ الشعر. ولكن إن التهى عن عمله فانهمك في شتّى الحديث وزاغ عنه بصره وجال بفكره من مكان إلى آخر، فلا عجب في أن يقطع فم الزبون أو أنفه وحتى حنجرته. وينطبق هذا الأمر أيضاً على أي عمل آخر، فإن أراد أحد أن يتقن صنعه، يستوجب الاهتمام الكلي وتكريس النفس عليه بكل الحواس والأعضاء كما يقول المثل الذي ورد فيه باللغة اللاتينية ما معناه: "المكثار كحاطب الليل". أو "تكثر الحزّ وتخطئ المفصل"، و"من أكثر أهجر"، أي الذي يفكّر بأمور كثيرة لا يفكر بشيء ولا يحسن عمل شيء، بل إنه يتعدّى في كلامه حدود التروّي. وكم هي الصلاة أولى بوقف قوى النفس وتكريسها كلها للصلاة إن كانت هناك الرغبة في صلاة جيدة.

 

كان هذا إيجازاً في الكلام عن الصلاة بوجه عام وعن الصلاة الربانية بوجه خاص، وعن الطريقة التي تعوّدتها أنا شخصياً عندما أصلّي، وإني حتى هذا اليوم أرضع الصلاة الربانية كالطفل، وأتناول منها الطعام والشراب كالبالغ في السنّ، وإني لا أشبع ولا أرتوي قط. إنها الصلاة الفضلى بل أفضّلها على كتاب المزامير الذي  أعتزّ به كلّ الاعتزاز. إن الصلاة الربانية، وحق اليقين، قد وضعها وعلّمها معلّم بارع بكل ما في الكلمة من معنى. ومما يحمل على الحسرة والأسف الشديدين أن هذه الصلاة الفائقة التي وضعها هذا المعلّم العظيم تتردد بثرثرة وهذر بغير احترام ولا وقار في العالم كله. هناك الكثيرون يصلّون الصلاة الربانية بضعة آلاف مرّة في أثناء السنة، وهم لو استمرّوا على هذه الطريقة مدة ألف سنة، لما صلّوا ولا ذاقوا حرفاً واحداً أو مثقال ذرّة من هذه الصلاة. وبالاختصار: الصلاة الربانية أعظم شهيد على الأرض (كذلك أيضاً اسم الله وكلمته)، كل الناس يعذّبونها ويسيئون استعمالها، وقليلون هم الذين يستمدّون العزاء والفرح عن طريق استعمالها على الوجه الصحيح.

 

أما  إذا تيسّر لي الوقت والفرصة المناسبة بعد الانتهاء من الصلاة الربانية، فإني أنتقل إلى الوصايا العشر وأتصرّف فيها على النحو ذاته، فأتناولها قسماً قسماً حتى أتحرر من كل ما يلهيني أو يصرفني عن الصلاة. إني أجزّئ كل وصية إلى أربعة أقسام أو أجدّل منها إكليلاً من أربع ضفائر، وأتخذ كل خصلة مما ضفر على حدتها هكذا: أولاً: أفكّر في الوصية كوصيّة أو تعليمات كما يوحي الاسم (الوصية) في الواقع. وأتأمّل مليّاً وبكل جدّ في ما يطلبه مني الرب، وثانياً أتناول ضفيرة الشكر، وثالثاُ الاعتراف، ورابعاً الصلاة. وإني أفعل ذلك بالفكر والقول كالآتي:

 

1)    الوصية الأولى: "أنا الرب إلهك ( الخ)  لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" الخ. إني أرى هنا أولاً بجدّ ورويّة أن الله يتوقّع مني ويعلمني أن أثق به ثقة قلبية في كل شيء، ويريد أن يكون إلهي مؤكّداً ذلك إلى أبعد حدّ، وأن أعتبره إلهاً لي وأتمسّك به فلا يثنيني عن ذلك شيء حتى وإن أضحت السعادة الأبدية عرضة للضياع، وأيضاً أن لا يبني قلبي ثقته على أساس آخر ولا يضع اتكاله على أي شيء سواه، لا على المال أو الاعتبار أو الحكمة أو القوّة أو التقوى أو أي خلق آخر.

 

وثانياً:  أشكر رحمته التي لا تسبر إذ جاءني أنا الإنسان الضال بهذه الصورة الأبوية ومن تلقاء نفسه بلا طلب مني وبلا أهليّة فيّ، فأبدى استعداده لأن يكون إلهي يرعاني ويكفلني ويكون عزائي وحاميّ وعوني وقوتي في كل أوقات الضيق. يا لنا من بشر أشقياء عميان، كنا نسعى وراء آلهة متعدّدة وكان يستوجب علينا أن نستمر على التفتيش عنها لولم يمكّنا هو من سماعه بكل جلاء ويكلمنا بلغتنا الخاصة بأنه يريد أن يكون إلهنا. ترى هل هناك من يستطيع أن يشكره شكراً وافياً تاماً أبداً ودائماً؟

 

ثالثاً: أقرّ على نفسي وأعترف بخطيّتي العظيمة وجحودي الهائل بالفضل، فقد استهنت إلى حدّ يبعث على الخزي بهذه التعاليم السامية وهذه الهبة الثمينة طوال حياتي، وقد أهجت غضبه بشكل رهيب بتديّني المتعدد بعبادة الأوثان. وإني آسف على ذلك وأطلب الرحمة.

 

رابعاً: أطلب وأقول: "يا إلهي وربي! هب لي بنعمتك أن أتعلّم وصيّتك هذه وأفهمها بمزيد مستمر كل يوم، وأن أسلك بموجبها بثقة صادقة. احفظ قلبي من العودة إلى النسيان والجحود بالجميل، كي لا أيسعى وراء آلهة أخرى ولا إلى عزاء أخر، لا على الأرض ولا في خليقة أخرى، بل أبقى معك وحدك في ثبات دائم، أنت إلهي الوحيد، آمين. أيها الرب الإله والأب الحبيب، آمين."

 

2)    الوصية الثانية: "لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً" الخ. وبعدئذٍ، إذا كانت الرغبة حاضرة والوقت مناسباً، أكرر الفعل نفسه مع الوصية الثانية فتصبح مضفورة من أربعة أطواق أي كالتالي:

 

أولاً: إنني أتعلّم أن احفظ اسم الله في كمال التكريم والقداسة والبهاء، وأن لا أنطق به في الحلف واللعن والكذب، ولا أستكبر ولا أطلب الرفعة والشهرة لذاتي، بل أخشع لاسمه في التوسّل والصلاة والحمد والتمجيد، وأجعل مصدر شرفي واعتزازي الوحيد أنه هو إلهي وأنا مخلوقه الوضيع وعبده الغير مستحق.

 

ثانياً: أشكر له هباته النفيسة: بأنه أعلنني باسمه ووضعه علي، وأمكنني من الفخر به والتسمّي بعبد الله ومخلوقه الخ، وبأن اسمه هو معتصمي كما يقول سليمان "اسم الرب برج عزّة فيه يلتجئ الصدّيق ويتحصّن" (أم 18: 13). (الترجمة الأخرى: اسم الرب برج حصين، يركض إليه الصدّيق ويتمنّع).

 

ثالثاً : أقرّ على نفسي وأعترف بأنني تعدّيت على هذه الوصية كل أيام حياتي، مما  يحملني على الخزي ويجعل الخجل يعلو وجهي. فإني قد أهملت التضرّع إلى اسمه المقدس وتمجيده وإجلاله وليس هذا فحسب، بل كنت جاحداً لهذه الهبة العظيمة وأسأت استعمالها في مسالك العار والخطية المختلفة، وذلك بالحلف والكذب والغش وغيرها. وإني نادم على ما فعلت وأطلب الرحمة والغفران. الخ.

 

رابعاً: أطلب العون والقوة كي أكون من الآن فصاعداً مطيعاً لهذه الوصية، كي يحفظني من إنكار الفضل وسوء استعمال اسمه والخطأ إليه، وكي أوجد مخلصاً له الشكر وموقّراً ومكرّماً اسمه بالصواب.

 

أعود هنا مرة أخرى وأحثّ على ما سبقت وقلته في الكلام عن الصلاة الربانية أنه إذا جاء الروح القدس في أثناء هذه الأفكار والخواطر وأخذ يعظ في قلبك بالأفكار المنوّرة الزاخرة، فأحسن إكرامه والحفاوة به بأن تكفّ عن هذه الأفكار التي سبقت وصغتها وكتبتها، وعليك أن تلزم السكون وتميل بسمعك إليه، فإنه أفضل منك فعلاً في هذا المضمار. إجعل ما يقوله منك على ذكر واكتبه "فترى عجائب من شريعة الله" كما يقول داود (مز 119: 18).

 

3)     الوصية الثالثة: "أذكر يوم السبت لتقدّسه".

أتعلّم من هذا أولاً أن يوم السبت ما كان سنّة شريعة لينفق بالتراخي والكسل أو بالانقياد للأهواء والرغبات الجسدية، بل من أجل أن نقدّسه. ولكنه لا يتقدّس بأعمالنا ومساعينا، لأن أعمالنا ليست مقدّسة ، إنما يتقدّس بكلمة الله التي هي وحدها تامّة الطهارة والقداسة، وتجعل كل شيء مقدّساً مما يتصل بها، أكان ذلك الشيء أحد الأوقات أو الأمكنة، أو الأشخاص أو كان عملاً أو راحة الخ. ووفقاً لما يقوله القديس بولس (1 تيمو4: 5): "إن كل خليقة الله تقدّس بكلمة الله والصلاة". فإن أعمالنا أيضاً تقدّس بالكلمة. فإني لواثق إذن بأنه يستوجب علي في يوم الراحة وفي الدرجة الأولى أن اسمع كلمة الله وأتأملها، وبعد ذلك أن أعبّر بكلماتي الخاصة عما في نفسي من عبارات الشكر، وأسبّح الله من أجل كل حسناته، وأصلّي لأجل نفسي ولأجل كل العالم. من سلك هذه الطريق فإنه يقدّس اسمه، أما من سار في طريق أخرى فإن فعله كان أسوأ من الذين يشتغلون يوم الراحة.

 

ثانياً: في هذه الوصية أشكر لله هذه الحسنة العظيمة والنعمة الوافرة، إنه حبانا بكلمته وعظته وأوصانا بأن نفيد من هذه الكلمة خصوصاً في يوم الراحة، إنها كنز ليس في وسع القلب البشري أن يستنفده في تأمّلاته. لأن كلمته هي النور الوحيد في ظلمة هذه الحياة، وهي كلمة الحياة والعزاء والسعادة الفائقة الوصف. أما حيث عدمت هذه الكلمة العزيزة المخلّصة، فلا يبقى هناك إلاّ الظلمة الرهيبة المفزعة والضلال والشقاق والموت وكل مصيبة، بل وطغيان الشيطان نفسه، مما نراه أمام أعيننا كل يوم.

 

ثالثاُ: أقرّ بمعصيتي العظيمة وجحودي المقيت بالنعمة لأن سلوكي في أيام الراحة كان سلوكاً مخزياً كل حياتي، وقد ازدريت كلمته الغالية العزيزة ازدراء معيباً، وكنت كسولاً متوانياً وغير مهتمّ بسماعها، هذا إذا تجاوزت عن ذكر عدم التشوّق إليها مخلصاً أو إني لم أشكر من أجلها قط. وجعلت إلهي المحب يعلن لي كلمته عبثاً واعترضت للكنز ذي الدرجة الرفيعة في الفضل ودسته برجلي. أما هو فاحتمل ما كان مني برحمته الإلهية الفائقة ولم يكفّ عن إسداء كلام الوعظ إليّ والدعوة إلى خلاص نفسي في محبة أبويّة إلهيّة وإخلاص صاف. وإني آسف على هذا وأطلب الرحمة والغفران.

 

رابعاً أصلّي من أجلي أنا ومن أجل جميع العالم لكي يحفظنا الآب الرؤوف في كلمته المقدسة ولا يمنعنا منها بسبب خطيتنا وجحودنا وتوانينا. وليحمينا من مثيري الشقاق والمعلمين الكذبة بل الأحرى أن يرسل عملة أمناء حقيقيين (متى 9: 38)، أي رعاة ووعاظاً أمناء أتقياء. ولينعم علينا جميعاً بأن نسمع كلامهم ونقبله ونحترمه بتواضع، حاسبينه كلامه هو، وأيضاً بأن نشكر له ونحمده من قلوبنا.

 

4)     الوصية الرابعة: "أكرم أباك وأمّك".

أولاً: إنني أتعلّم أن أعرف الله بارئي معرفة ثقة بأنه خلقني على نحو جاوز حدّ العجب جسداً ونفساً، وبأنه أعطاني الحياة بواسطة أبويّ، وعطف قلبيهما حتى يهتمّا بي اهتماماً فائقاً، ويبذلا الحهد في الاعتناء بي بما أني ثمرة جسديهما، ويكفلاني ويقوما بمعاشي وتربيتي بعزم قوي وتعب وكدّ وفي مقاساة الهمّ والأخطار، وباعتباري مخلوقه فإنه لا يزال حتى هذه الساعة حافظي جسداً ونفساً من أخطار وضيقات لا تحصى، كما أنه خلّصني مراراً وتكراراً من المضايق كما لو كان يخلقني كل ساعة من جديد. لأن الشيطان لا تهون عليه حياتنا ولا لحظة واحدة.

 

ثانياً: أشكر للخالق الغني الكريم عن نفسي وعن العالم أجمع أنه قد وضع بهذه الوصية ضماناً يتكاثر بموجبه الجنس البشري ويبقى في حفظه، وسنّ بها نظام الحياة الاجتماعية العامة الذي يقوم على نظام العائلة والدولة. لأنه بدون هاتين المؤسستين أو نظامي السلوك لا يستطيع العالم أن يبقى وجوده عاماً واحداً، لأنه حيث لا حكومة لا يمكن للسلام أن يكون موجوداً، وحيث لا سلام لا يمكن للعائلة أن تكون موجودة، وحيث لا عائلة فلا يمكن إنجاب الأطفال ولا تربيتهم، وهناك ينعدم دور الأب والأم. ومن هنا جاءت أهمية هذه الوصية وفائدتها وغايتها، إنها تقصد حماية العائلة والحكومة والمحافظة على كليهما، فتأمر الأولاد والرعايا بالطاعة، وتحرص أيضاً على تنفيذها، ولا تدع للمتهتّك من العقاب فلتاً. ولولا هذه الوصية لكان الأولاد العاقون منذ عهد بعيد قد مزّقوا العائلة شرّ تمزيق ولكان الرعايا العصاة قد ثاروا على نظام الحكم وعاثوا في الأرض فساداً، لأنهم أكثر عدداً من الوالدين والحكام، ويعجز الكلام عن وصف فائدة هذه الوصية وصفاً تاماً.

 

ثالثاً: إني أعترف بخروجي البغيض عن الطاعة وبخطيتي، إذ تهاونت بوصية إلهي فلم أكرم والديّ ولم أكن طائعاً لهما، بل مراراً كثيرة حملتهما على الغضب وأسأت إليهما، وكنت ضائق الصدر بتأديبهما الأبوي، وقابلت نصائحهما المخلصة بالرفض والاحتقار. وسلكت عكس هذه الوصية، فقد اتبعت قرناء السوء وعاشرت الصبيان الخالعين، مع أن الله نفسه قد أنزل على مثل هؤلاء العاقّين اللعن ومنعهم من طول الحياة، فإن كثيرين منهم يهلكون في خزيهم ويحل بهم الموت قبل أن يصلوا سن البلوغ. لأن من لا يطيع أباه وأمه عليه أن يطيع الجلاّد، أو يحل عليه غضب الله بطريقة أخرى فيهلك. الخ. وإني آسف على كل ذلك وأطلب الرحمة والغفران.

 

رابعاً: أصلّي من أجل نفسي ومن أجل جميع العالم، أن يسبغ الله النعمة على العائلة والدولة وأن يسكب بركته بغنىً عليهما، لكي نصير من الآن فصاعداً مستقيمي القلوب فنخلص لوالدينا ورؤسائنا الإكرام والطاعة ونقاوم إبليس عندما يستغوينا فلا ننقاد لعدم الطاعة والتمرّد، إنما نساعد مساعدة فعليّة على تحسين البيت والبلاد وحفظ السلام لحمد الله ومجده، وكذلك ليشملنا نحن النفع والخير العميم. ليهبنا الله أن نقابل هذه الهبات التي جاد بها علينا بالعرفان والشكر له.

 

مما هو وثيق الصلة بهذا الموضوع تقتضي الحال إضافة صلاة من أجل والدينا ورؤسائنا راجين الله أن يهب لهم الفهم والحكمة ليتولّوا أمرنا وإدارة شؤوننا بالسلام والسعادة. وليحفظهم من الطغيان والشغب والعنف، لينصرفوا عنها إلى إجلال كلمة الله وعدم اضطهادها وأن لا يظلموا أحداً أو يجوروا عليه. إن هذه المواهب الغالية لا تقتنى إلاّ بالصلاة كما يعلّم ذلك القديس بولس (1تيمو2: 1…)، وإلاّ لكان الشيطان السائد الأوحد في  قصر الحكم ولعمّ الكلّ التشويش والفوضى.

 

أمّا إذا كنتَ أباً (أو كنتِ أمّاً) فإن الآن هو الوقت المناسب، وحان لك أن تذكر أولادك والعاملين في دارك وأسرتك، فصلِّ إلى الآب الحبيب الذي رفعك وأقامك في هذا المنصب الرفيع لتتولاّه باسمه، والذي أراد أن تتشرّف أنت أيضاً وتسمّى "أباً، واطلب إليه أن يمنّ عليك بالنعمة والبركة كي تعتني بامرأتك وأولادك وخدمك وتعولهم بالتقوى وبطريقة مسيحية، وأن يعطيك الحكمة والقوة لتربيتهم تربية حسنة وتنهض فيهم القلب المحض والإرادة الصادقة الخالصة ليسمعوا لتعاليمك وإرشادك ويطيعوها. لأن كلاً من الأولاد ونشأتهم هبة من هبات الله، أي ان ازدهار النموّ ودوامه كليهما من إنعامه. وإذا كانت الحال غير ذلك فلا يعدو البيت عن كونه زريبة خنازير بل مدرسة أرذال أخسّة، كما يُرى ذلك بين سيّئي الخلق والملحدين.

 

5)     الوصية الخامسة: "لا تقتل".

أول كل شيء أتعلّم هنا أن الله يرغب في أن أحبّ قريبي، حتى لا أوصل إليه الأذى الجسديّ لا بالقول ولا بالفعل، ولا أنتقم منه أو أوصل إليه الضرر بدافع الغضب عليه أو عدم الصبر أو الحسد أو البغض أو مهما يكن من شرّ آخر، بل علي أن أعلم بأني ملزم بأن أساعده وأنصحه في جميع ضيقاته الجسدية، وقد أمرني الله بهذه الوصية أن أكون حامياً عن جسد قريبي، ومن ناحية أخرى أمر قريبي أن يكون حامياً عن جسدي. كما يقول يشوع بن سيراخ: "وأوصاهم كل واحد في حق القريب". (17: 12).

 

ثانياً: إني أشكر له هذا الحب وهذه العناية وهذا الولاء التي شملني بها وهي الفائقة كل وصف، وجعلها درعاً متيناً وسوراً منيعاً يحيطان بجسدي حتى يلتزم جميع الناس الحفاظ عليّ ووقايتي من الأذى، ومن ناحية أخرى أوجب على نفسي أن أفعل هكذا أنا أيضاً بهم. وقد سنّ شريعة السيف دعماً لهذه الوصية وقصاصاً للذين يركبون ردعهم ويكسرونها. ولولا وجود هذه الوصية الإلهية وهذا التقدير الإلهي لأوقع إبليس الناس في مذابح وحشية ولما استطاع أحد أن يعيش بأمان ساعةً واحدة، كما يحدث هذا الأمر بالفعل عندما يغضب الرب ويوقع القصاص بالعالم جزاءً على تمرّده وعقوقه.

 

ثالثاً: إني أعترف بالشر الذي أتّصف به ويتصف به العالم، وإني آسف عليه، ليس فقط لكوننا جاحدين هذا العطف الأبوي وهذه العناية المفرطة تجاهنا، بل لما يبعث على الخزي الشديد أننا لا نسلّم بهذه الوصية أو بهذا التعليم، ونتأبّى أن نتعلّمها، بل نستحقرها ونهملها كأنها لا تهمّنا ولا تنفعنا بنافعة. نمشي مشية المتبختر والراضي عن نفسه، لا نشعر بوخز الضمير، فإننا على الرغم من هذه الوصية نهمل قريبنا ونتركه ونعرض عنه، بل نضطهده ونؤاذيه، وحتى إننا نقتله في أفكارنا. وإننا ننقاد لغضبنا وشدّة غيظنا وكل نذالة، وكأننا نقوم بعمل عادل وحسن. لا ريب في أنه حان لنا أن نأسى ونستنكر بكل شدّة بلوغنا المدى في تصرفاتنا كالأوغاد والعميان ووحش الناس وعديمي الشعور، وإننا كالحيوانات الشرسة نرفس وندوس ونخمّش ونمزّق ونعضّ ونلتهم بعضنا بعضاً، غير مبالين بوصية الله هذه الرفيعة القدر.

 

رابعاً: أدعو الأب الحبيب أن يهدينا إلى فهم وصيّته المقدسة هذه ويساعدنا على المواظبة عليها وعلى الحياة وفقاً لها. ليقينا من قتّال الناس (يو8: 44) الذي هو رئيس كل أصناف القتل والأذى. ولينعم علينا بنعمته الوافرة حتى نعامل بعضنا بعضاً نحن وجميع الناس الآخرين معاملة مترفّقة لطيفة رحيمة، ونسامح بعضنا بعضاً من القلب، ونحمل اخطاء الآخرين ونقائصهم بروح أخويّة مسيحية، وهكذا نعيش عيشة وئام وسلام حقيقيين كما تعلمنا هذه الوصية وتطلبه منا.

 

6)-الوصية السادسة: لا تزنِ.

أولاً: أتعلّم هنا مرة أخرى نيّة الله وقصده نحوي بالحفظ والحياطة، وماذا يطلبه مني كي أعيش بعفّة وحشمة واعتدال في كلا الأمرين في الفكر كما في القول والفعل، وأن لا أُلحق العار بامرأة أيّ إنسان أو بابنته أو بخادمته. مزيداً على هذا يجب علي أن أكون معواناً على نجاتهنّ وحمايتهن، وأن أبذل غاية جهدي في كل ما من شأنه المحافظة على الشرف والخلق الحسن، وأساعد على إخماد أقوال الداعرين الثالبين الذين ينالون من عرض الناس وينتقصونه. إني أوجب على نفسي كل ذلك، وكذلك يترقّب الله مني ليس فقط أن لا أتحرّش بامرأة قريبي وعياله، بل أن أكون مديناً له بالعمل على المحافظة على خلقه الكريم وشرفه والحماية عنهما، كما أريد أن قريبي يفعل ذلك وكل ما تقتضيه هذه الوصية أيضاً بي وبذويّ.  

 

ثانياً: أشكر للآب المخلص الودود كل ما أولاني من نعمة وإحسان، وبأنه قبل زوجي وابني وخدمي وامرأتي وابنتي وخادمتي أن يكونوا في كنفه ويتظللوا بحمائه، ويحظر بالحزم الشديد أيّاً كان على أن يوقعهم في الخزي. إنه حصني الأمين وإن عينه ساهرة على هذه الوصية وهذا المأمن، ولا يترك انتهاك حرمتهما والاعتداء عليهما بدون عقاب حتى ولو لزم أن يتولّى الأمر بنفسه. ما لأحد منه فلت، فإمّا أن يدفع المعتدي الثمن هنا أو يخمد نزواته هذه في نار جهنّم في النهاية. إن الله يريد العفّة ولا يتسامح في الزّنى. الأمر الذي نراه يومياً عندما يحلّ غضب الله على الغير تائبين وعلى المتهتكين في الباطل، فيدركهم الهلاك الفاضح. وإلاّ ما كان في استطاعة المرء أن يحمي امرأته وأولاده وخدمه ساعة واحدة من إبليس البذيء أو يصون عرضهم وشرفهم. ولما كان هناك غير الفجور الجامح والانبعاث البهيمي في المعاصي، كما يحصل عندما يرفع الله يده ويسمح بأن يُذهب الدمار والخراب بكل شيء.

 

ثالثاً: إني أقرّ بخطيّتي، وبخطيّة جميع العالم، فإنني تعدّيت على هذه الوصية كل أيام حياتي بالفكر والقول والفعل. لم أكن فقط عديم الشكر لهذا التعليم ولهذه الهبات الفريدة، بل تذمّرت على الرب الذي أوصى بهذه الحشمة والعفّة، والذي لم يجعل الإباحية وكل ألوان النذالة جائزة مطلقة، ولم يتركها دون عقاب. وإني قد ازدريت ترتيب الزواج وسخرت منه وعددته باعثاً على اللعن. الخ. إن الخطايا ضد هذه الوصية أكثر من غيرها كلها ظهوراً ووضوحاً عياناً وليس بالإمكان تواريها أو تمويهها بالزخرف. وإني آسف على ذلك. الخ.

 

رابعاً: أصلّي من أجل نفسي ومن أجل جميع العالم أن ينعم الرب علينا بأن نحفظ وصيته هذه بفرح وبهجة حتى نعيش نحن أعفّة، وأيضاً بأن نخلص النصح ونحسن المعونة للآخرين على تحقيق ذلك.

ثم أستطرد على هذا الوجه وأنتقل إلى الوصايا الأخرى متتابعة إذا تهيّأ لي الوقت وكانت الحال مؤاتية وكان في نفسي أن أفعل ذلك. وكما سبقت وقلت إني لا أريد أحداً أن يتّخذ كلماتي وأفكاري قيداً يتقيّد به، بل كل مقصدي هو أن أعطي مثالاً فقط فليتمثّل به من أراد، أو يدخل عليه تحسينات إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً. وليتناول كل الوصايا أو بعضاً منها على قدر ما يشاء فيتأمّلها على هذا النحو. لأن العقل إذا عزم على أمر ما، خيراً كان أم شرّاً، وإذا كان مجدّاً في نواياه، يستطيع أن يتأمّل في لحظة واحدة أكثر مما يستطيع اللسان أن ينطق به في عشر ساعات، أو تستطيع ريشة الكتابة أن تكتبه في عشرة أيام. ما أعظم العقل والنفس وما أقصى براعتهما وفطنتهما! فإن النفس قادرة على استعراض الوصايا العشر والتأمّل فيها على أربعة الأوجه في سرعة فائقة، إذا عقدت النيّة على ذلك وكانت مجدّة فيها.

 

7)-الوصية  السابعة: لا تسرق.

أولاً: أتعلّم هنا أنه يجب علي أن لا آخذ أملاك قريبي أو أحتازها كُرهاً ولا خفيةً ولا علناً، وعليّ أن لا أخادع ولا أن أغش في  البيع والشراء وفي تأدية خدمتي أو عملي، فلا أتكسّب معاشي بالاحتيال بل أسعى وراء أسباب المعيشة بعرق جبيني، وبالشرف والحلال آكل خبزي، وكذلك أولي عنايتي بأن لا يقدم أحد على أخذ ما هو لقريبي أو ما هو لي بالطرق المذكورة أعلاه. وأتعلّم أيضاً أن الله بعنايته الأبوية وبواسطة هذه الوصية  قد أحاط بسياج ممتلكاتي، وأوصى بشدّة أن لا يسرق أحد مني شيئاً. وأما من حيث العصيان وترك طاعته فقد شرّع القصاص وأوعز إلى الجلاّد في تنفيذه بالحبل والمشنقة. وإن لم يدركهم هذا، فإن الله بنفسه ينزل العقاب على ذنوبهم فيصبحون متسوّلين في  النهاية، كما يقول المثل: "الذي يسرق في صغره يتسوّل في كبره"، او "لا تجني من الشوك العنب" أي أن الظلم لا ينفع صاحبه.

 

ثانياً: إني أشكر له وفاءه وإحسانه إذ أنالني من فضله كما أنال جميع العالم هذه التعاليم السامية وهذه الحماية والستر. فلولا حمايته لما تبقّى في البيت فلس واحد ولا كسرة خبز.

 

ثالثاً: إني أعترف بخطاياي وإنكاري المعروف في جميع الأحداث التي حصلت في حياتي، عندما غبنت أحداً من الناس في شيء أو خدعته وحرمته منه.

 

رابعاً أسأله أن ينعم عليّ وعلى جميع العالم بأن نتعلّم من هذه الوصية وندركها بحقيقتها ونتأمّل فيها مليّاً فنصير أناساً أحسن في الفضيلة، وهكذا تقلّ أعمال السرقة والسلب قهراً والربح الفاحش والخداع والظلم، بل تذهب وتزول عن قريب بحلول يوم الدينونة الذي تنتظره الخليقة كلها وجميع القديسين ويتّجهون بصلواتهم إلى التعجيل بمجيئه. (رو8: 19 – 23).

 

8)-الوصية الثامنة: لا تشهد شهادة زور.

أولاً: إنها تعلّمنا أن نكون صادقين بعضنا مع بعض وأن نتجنّب كل أنواع الكذب والافتراء، وأن نفرح بالحديث بالأمور الحسنة عن الآخرين والسماع بها، وبذلك رُفع جدار حول سمعتنا الحسنة، وتنزّهنا عن الملائم، واتّقينا أفواه السوء وألسنة الزور، التي لا يغفل الله عنها بل يدركها بالعقاب، كما سبق وذكر في الوصايا الأخرى.

 

ثانياً: إنه حق علينا أن نشكر له هذا التعليم وهذه الوقاية اللتين حبانا بهما في هذه الوصية.

 

ثالثاً علينا أن نعترف طالبين منه تعالى المغفرة، بأننا قضينا سني حياتنا عديمي الشكر وسالكين في الخطيئة، فقد آذينا قريبنا بذكره بالسوء وبالكذب والافتراء مع أننا مدينون له بحفظ شرفه وصيته الحسن، الأمر الذي نتمناه لأنفسنا.

 

رابعاً: نطلب العون على حفظ الوصية من الآن فصاعداً، وأن نعطى  لسان البرّ والشفاء.

 

9و10)، الوصية التاسعة والعاشرة: لا تشتهِ بيت قريبك، وأيضاً لا تشتهِ امرأته الخ.

 

أولاً: إن هذا يعلّمنا أنه يجب علينا أن لا نفقد قريبنا أمواله وما ملكت يداه بالتظاهر بالحق أو بتحويل ملكيتها عن طريق الإغراء أو الابتزاز أو بالتهديد أو الاغتصاب، بل الأولى أن نساعده على الاحتفاظ بها تماماً كما نرغب في معاملة الناس إيانا. وإن هذا أيضاً حماية تقي أصحاب الدهاء والماكرين والذين يلجأون في المغالطات والحيل الشرعية بقصد المخادعة، فإنهم سينالون عقابهم في النهاية.

 

ثانياً: علينا أن نشكر الله.

 

ثالثاً: إن نعتبرف بخطيتنا نادمين.

 

رابعاً: أن نطلب العون والقوّة على أن نصير أصفياء أتقياء وعلى أن نحفظ هذه الوصية الإلهية.

 

هذه هي الوصايا العشر، وكان الكلام فيها على أربعة أوجه، أي احتوتها أربعة كتيّبات، الأول للتعليم، والثاني للتراتيل، والثالث للاعتراف بالذنب، والرابع للصلاة. والمراد بهذه الطريقة إعانة القلب على  التيقّظ والتّنشّط للصلاة، واحذر أن تجعل تأمّلاتك في هذه بأجمعها دفعة واحدة أو أن تجاوز الحدّ فيها، كي لا يُرهق القلب. ومما تجدر الإشارة إليه أيضاً أن الصلاة الجيّدة ليست الصلاة الطويلة، وكذلك يجب أن لا تؤجّل إلى وقت متأخّر، ولا أن تكرّر مراراً كثيرة، بل أن تكون بحراره ومفعمة بالحيويّة. ومن الكافي أن تتأمّل جزءاً واحداً أو نصفه مما يمكنك من أن توقد في القلب نويرة. ولا شك في أن الروح القدس سيهبنا ذلك ويتابع تعليمنا، هذا إذا كان القلب في وفاق بينه وبين كلمة الله وكان غير مقيّد بالأفكار والهموم الغريبة.

 


 

وقد أضاف لوثر الفصل الآتي في وقت لاحق، وموضوعه قانون الإيمان الرسولي، وضمّنه الطبعات الموسّعة اللاحقة، وحذف الفقرة الأخيرة أعلاه، أنظر حاشية رقم (*5).

 

تدريب بسيط بالتأمّل في قانون الإيمان

 

إذا تيسّر لك المزيد من الوقت أو كانت الرغبة موافقة للمراد، فبإمكانك أن تتصرّف في قانون الإيمان على النحو ذاته، فتجعل منه إكليلاً مضفوراً من أربع خصائل. لكن قانون الإيمان يتكوّن من ثلاثة أقسام رئيسية مماثلة لثلاثة أقانيم الجلالة الإلهيّة (*6)، كما اتّبع هذا التقسيم أيضاً في الكاتيخسموس وفي أماكن أخرى.

 

القسم الأول: عن الخلق.

أنا أومن بالله الآب الضابط الكل، خالق السماء والأرض.

 

أوّلا، وقبل كل شيء، ها إنّ نوراً ساطعاً ينير داخل قلبك إن أنت وافقته في ذلك، ويعلّمك في وجيز الكلام ما لا تستطيع كل لغات العالم ولا الكتب الكثيرة أن توفيه حقّه ولا أن تسبر غوره، أي الكلام في الأمور التالية: ما أنت؟ ومن أين أتيت؟ ومن أين أتت السماء والأرض؟ فإنك خليقة الله وهو سوّاك وأنت صنع يديه. ومعنى هذا أنك بنفسك ومن ذات نفسك عدم لا تقدر على شيء ولا تعرف شيئاً ولا تتمكّن من شيء. فماذا كنت قبل ألف عام؟ وماذا كانت السماء والأرض لستّة آلاف عام مضت؟ لقد كنت وكانتا عدماً قطعاً كأيّ شيء لا يخرج إلى الوجود أبداً. ولكن كونك على ما أنت عليه وعلى ما تعرفه وتقدر عليه وتتمكّن منه يعني أنك خليقة الله كما تعترف هنا بفمك. إذاً لا شيء لك تفاخر به أمام الله إلاّ أنك لا شيء وأنه خالقك القادر أن يمحوك ويزيل أثرك في أية لحظة. ليس للعقل أي علم بهذا النور الساطع. لقد بحث اناس عظماء كثيرون عن كنه السماء والأرض، وعن الإنسان والخليقة وحقيقتها ولم يجدوا ضالّتهم المنشودة. لكن الحقيقة لم تعد خافية. فقد أصبحت هنا ظاهرة وأكّدها الإيمان القائل: إن العالمين أتقنت بكلمة الله حتى أن المنظورات صنعت من غير المنظورات"(عب11: 3)، أي أن الله خلق العالم وكل ما فيه من العدم. ههنا روضة تبهج الروح وتطيب النفس بالتطوّف بجهاتها والتمتّع بأعمال الله، - لكن وصف كل ذلك إن كتب فإنه يطول أكثر مما ينبغي.

 

ثانياً: من الواجب هنا أن نشكر لله نعمته إذ أوجدنا من العدم وأنه يحفظنا ويعدّ لنا الحاجات اليومية. إنه خلقنا في أحسن تقويم وسوّانا أحسن خليقة ذات الجسد والنفس والعقل والحواس الخمس، وسلّطنا على  الأرض والسمك والطير والحيوان الخ. (سفر التكوين ص 1 – 3)

 

ثالثاً: علينا أن نقرّ بعدم إيماننا وبجحدنا بالجميل مما يحملاننا على الأسى والتفجّع إذ أننا لم نفكّر جدّياً في هذا الأمر، ولم نؤمن به ولم نتأمّله مليّاً ولم نشعر به، وقد كنا أغبى من البهائم العجماوات العديمة  العقل.

  

رابعاً: ينبغي لنا أن نطلب الإيمان الحقيقي الأكيد، بأن نعتبر من الآن فصاعداً الإله الحبيب خالقنا، ونؤمن به إيماناً خالصاً صادقاً، كما يعلنه لنا هذا القسم من أقسام قانون الإيمان.

 

القسم الثاني: عن الفداء.

وبربّنا يسوع المسيح ابنه الوحيد ……الخ.

 

أولاً: هنا أيضاً يشرق نور عظيم ويعلّمنا أن المسيح ابن الله قد افتدانا من الموت  الذي أحلّته بنا سقطة آدم بعد الخلق، وإلاّ كانت العاقبة هلاكنا الأبدي. أما الآن فمن الضروري أن تتمسّك بهذا الأمر وتعتصم به. وكما وجب عليك في القسم الأول أن تعدّ نفسك أحد خلائق الله وأن لا تشكّ في ذلك، كذلك يجب عليك هنا أن تعدّ نفسك أحد المفديين وأن لا تشكّك في ذلك أبداً. ليكن لك همّة عالية بأن تجعل بعزيمة مؤكّدة ضمير المتكلم "نا" يبرز ظاهراً فوق جميع الكلمات الأخرى، واجعله متّصلاً بكل الكلمات وتابعاً لها كما هو الأمر في "بربنا يسوع المسيح"، كذلك أيضاً في "الذي تألّم من أجلنا، ومات لأجلنا، وقام من أجلنا".حتى تكون هذه الأمور كلها متعلّقة بنا وخاصة بنا، وتكون أنت ضمن هذا الضمير "نا" كما تشير إليه الكلمة نفسها.

 

ثانياً: ينبغي لك أن تشكر له النعمة الإلهية الفائقة هذه شكراً قلبياً وأن تبتهج بهذا الخلاص ابتهاجاً عظيماً.

 

ثالثاً: إنّ الارتياب في هذه النعمة يحملك على الأسى الشديد وعلى الإقرار به على نفسك إقراراً صادقاً، والندم على فعله ندامة قلبية. ويا للأفكار التي تعود إلى ذاكرتك هنا، فكم مرة كنت تمارس عبادة الأوثان في هذا المجال، إذ كنت تبني آمالك على ما تؤدّيه من الصلوات الكثيرة إلى القدّيسين ومن الأعمال الحسنة التي لا تُعدّ ولا تحصى، والتي كانت تصدّ السبيل دون هذا الخلاص وتقاومه.

 

القسم الثالث: عن التقديس.

وأومن بالروح القدس…..الخ

 

هذا هو النور الساطع الثالث. إنه يعلّمنا مكان لقاء هذا الخالق وهذا المخلّص على الأرض، وأين مكان مقابلتهما مقابلة جليّة واضحة، وأين مرجع الكل ومصيره. وبالإمكان قول الكثير في هذا الموضوع، ولكن بالإجمال: حيث تكون الكنيسة المسيحية المقدسة هناك نجد الله الخالق والله الفادي والله الروح القدس، وهذا الأخير يعني الذي يقدّسنا ويطهّرنا من الإثم ويباركنا يومياً الخ. وأما  الكنيسة فهي هناك حيث يجري الوعظ بهذا الإيمان وبالصواب والحق، وحيث يتم تيقّنه والجهر به.

 

وهنا أيضاً تلوح لك الفرصة للتّفكّر والتأمّل برويّة في كل ما يقوم به الروح القدس من أعمال في الكنيسة يومياً…الخ.

 

فلذلك كن شاكراً على أنك أنت أيضاً قد دخلت هذه الكنيسة ودعيت إليها.

 

إعترف بعدم إيمانك وجحدك الجميل وتحسّر وتندّم عليهما وعلى أنك أهملت كل هذه الأمور، واطلب أن تُعطى إيماناً صادقاً وراسخاً يثبت ويبقى إلى أن تأتي حيث يدوم الكل دواماً أبدياً، أي بعد القيامة من الأموات في الحياة الأبدية. آمين.

 

تم

 

 

 

 

 

 

 

الحواشي (التعليقات)

 

(*1) قبح فعال الترك والبابا

(*2) آتِ قيصرنا الحبيب

(*3) كما يتلو العلمانيون المسبحة أو الرهبان والكهنة كتاب الصلوات اليومية.

(*4) كذلك الراهب الذي صلّى على هذا النحو: "أللهمّ أسرع إلى إنقاذي. – يا غلام، هل أسرجت الخيول؟ – ياربّ إلى معنونتي أسرع. – يا أمة، إذهبي واحلبي البقرة! – المجد للآب والابن والروح القدس"-. أركض يا فتى، عليك اللعنة!" –

لقد سمعت صلوات عديدة كهذه الصلاة واختبرتها عندما كنت تابعاً لنظام الحكم البابوي، فأغلب صلواتهم من هذا النوع. إنه سلوك ينمّ عن التجديف على الله، وخير لهم لو كانوا يلعبون بدل ذلك إذا هم لم يعرفوا أو لم يريدوا القيام بفعل آخر يجدي عليهم نفعاً. وبرغم أنهم ليسوا جميعاً يجهرون بالكلام بلا تواصل ولباقة مثل ذلك الراهب، غير أن أفكار قلوبهم طياشة عن الغرض، فهي في واد والصلاة في واد، وعند النهاية لا يعرفون ماذا عملوا أو بماذا نطقوا. إنهم يبدأون بِ "احمدوا الرب" ولسرعان ما يحلّون في عالم الخيال والأوهام.

(*5) كتب لوثر: أما في ما يتعلّق بقانون الإيمان والكتاب المقدس فليس هنا مجال للخوض في الحديث عنهما، لأنه لا نهاية لما يمكن القول فيهما. بإمكان المرء الذي يمارس الصلاة والذي يجعلها عادة لنفسه، أن يختار العشر وصايا في أحد الأيام، وأحد المزامير أو فصلاً من فصول الكتاب المقدس في اليوم التالي، فيأخذ منها قبساً لإشعال نور في قلبه ولتوقّده. (لكن لوثر عاد وأضاف الفصل عن قانون الإيمان).

(*6) كلمة أقنوم كلمة سريانية الأصل ومعناها الشخص.