حركة الإصلاح الديني في ألمانيا

The Reformation in Germany

Martin Luther      مارتن لوثر :

 

 

ذكريات وأحداث تاريخية

للمطران د. داود حداد

1994

القسم الرابع/ الفصل الثامن

 

 

 

ليست الغاية من عرض هذا التاريخ الموجز التجريح والتشهير، لأن لا حيز لذكر ما حدث بالتفصيل على هذه الصفحات. ولا يليق أن يعرض أمام عيون المسيحيين كي لا يعثروا بالكنيسة بسبب الأخطاء التي دعت إلى الإصلاح. ولذلك نضرب عنه صفحا بقدر المستطاع، ولكن ليس على حساب الحق والحقيقة. ولا يفوتنا، ويجب ألا يفوتنا أن لكل عصر معاييره ومقاييسه. فليس من الإنصاف أن نحكم على تلك العصور المظلمة بالنسبة إلى العصر الذي نعيش فيه والذي استنار بنور العلم والمعرفة. وحسبنا القول أنه عن طريق المدارس والمعاهد والترجمات الجديدة للكتاب المقدس والمطابع وتساهل الكنيسة نسبيا، ظل الرب يعمل ثلاث مئة سنة في إعداد الطريق لتنفيذ برنامجه. وعندما يريد الله أن ينفذ عملا ويخرجه إلى حيز الوجود، فأصغر شرارة تكفي لإحداث انفجار كبير. لكي يدرك الإنسان الضعيف أن الله القدير هو مصدر القوة وأن منه يأتي العون. ومن تدابير العناية الإلهية أن تتم الأحداث الجسام في أوانها، لا قبل أوانها، لتتوفر لها أسباب النجاح، كما حدث لبولس الرسول، ومارتن لوثر وغيرهما من مشاهير الرجال في شتى الميادين. فلما حان الوقت هيأ الله الراهب الأوغسطيني لوثر للمضاء قدما في إصلاحه  واجتناء "انتفاضة" الإصلاح، فإن قلوبا شريفة وأيدي كريمة غيره عملت في ذلك الميدان ومنحته ثمار أتعابها وتضحياتها ومحبتها، ليكمل عملها بأسلوب أكثر فعالية وأجلى بيانا.

ولقد تطرقت إلى ذكر هذا الرجل والمصلحين الآخرين بشيء من الإسهاب، لأبين أنه لولا هؤلاء الرجال، لما جاء المرسلون الإنجيليون إلى بلادنا ولما كان هناك إنجيليون عرب. ولا مؤسسات إنجيلية على الإطلاق.

 

ولد المصلح العظيم مارتن لوثر في بلدة ايزلابن في مقاطعة سكسونيا في 10 تشرين الثاني عام 1483 مساء عيد القديس مارتن، فسمي مارتن تكريما للقديس الذي ولد يوم عيده.

 

كان أبوه رجلا مستقيما مجدا في عمله، صريحا في كلامه، ثابتا في آرائه، مولعا بالقراءة، فساعده ذلك على تنمية قواه العقلية وتطور ذكائه الفطري، وكانت زوجته مارغريت امرأة وديعة تقية تخصص كثيرا من وقتها للصلاة. ولما رجعت الأسرة إلى بلدتها مانسفلد ومعها الطفل مارتن وهو في الشهر السادس من عمره ذاقت هناك مرارة الفقر، فالتحق رب العائلة يوحنا بأحد مناجم الحديد واستطاع بكفاحه وكدحه ومتانة خلقه أن يعول عائلته الكبيرة. وانتخب عضوا في المجلس البلدي. وتمكن برجاحة عقله ومتانة خلقه أن يشق لنفسه طريقا بين أرقى الطبقات والأوساط المحلية.

 

وكانت رغبة الأب أن يجعل ابنه مارتن أديبا وعالما. وقد أدرك والداه أهمية التربية البيتية الأولى، فزرعا في نفس أولادهما بذار التقوى وحب الصلاة.

 

وتعلم مارتن وهو في الرابعة عشرة من عمره كل ما كان يمكن تعلمه في مدرسة مانسفلد. وإذ لاحظ والده ذكاء ابنه الذي يبشر بالنجاح، أرسله إلى مدرسة الفرنسيسكان في مدينة ماغدبورج. وهناك وجد مارتن نفسه في وسط  غريب بلا صديق وبلا نقود، وفي محيط يسيطر عليه الخوف بسبب القساوة الشديدة التي اعتاد المدرسون وقتئذ أن يعاملوا بها تلاميذهم.

 

كانت التربية تسير عصرئذ على أساس لا يقبلها معظم رجال التربية في أيامنا. فقد أدرك الناس اليوم قيمة اللطف واللين في توجيه الطفل، وإرشاده كي يختار سبيل حياته بنفسه، وتشجيعه على تقوية شخصيته بعدم الضغط أو إصدار  الأوامر إليه. وأدرك رجال التربية من جانب آخر أن ترك الحبل على الغارب للطالب يخرج جيلا مائعا لا شخصية له. إن معاقبة الوالدين لأولادهم بضرب معقول مصدره المحبة لا الغضب غايته القصوى إرشادهم وتوجيههم إلى ما  به الخير لهم وتقوية شخصيتهم، لا إذلالهم وإهانتهم وسلب شخصيتهم وهويتهم، إن عقابا من هذا النوع يقوي إرادتهم للتغلب على تجارب قاسية قد يتعرضون لها.

 

ظل لوثر حوالي سنة في مجدبورغ، غير أن حاجته إلى ما هو ضروري لحياته اليومية، اضطرته، بموافقة والديه أن يرحل إلى ايزناخ، حيث كانت توجد مدرسة كبيرة وحيث كان يقيم أقارب والدته. ولكن أقرباءه لم يخففوا عنه قسوة الحياة. فكان يدور من بيت إلى بيت منشدا ومرتلا من أجل الحصول على قوته اليومي. وأخذت الهواجس تنتابه من جهة المستقبل. فهل يترك العلم  ويرجع إلى مانسفلد ويعمل في المناجم طوال حياته؟ هذا السؤال وغيره كان يرافقه كشبح مزعج.

 

وفي ذات يوم بينما كان يجول وينشد ترانيمه بصوته الرخيم أمام بيت أحدهم، وظهرت على الباب سيدة من السيدات النبيلات دعته للدخول إلى بيتها وطيبت خاطره وآلت على نفسها بأن تسعفه. وتلك السيدة هي أورسلا التي أعجبت بحلاوة صوته واتزان كلامه. وقد شاطرها زوجها كونراد عطفها وإحسانها على ذلك الشاب. واتفق الاثنان بعد أن سمعا قصته أن يبقى عندهما كابن    بالتبني، فاستيقظت فيه آمال جديدة لحياة جديدة. فأخذ يواصل دراسته في الأدب والعلوم وأضاف عليها درسه لفن الموسيقى. ورغبة في إرضاء السيدة أرسلا التي تبنته أخذ يتمرن في ساعات فراغه على العزف على المزمار والقيثار، فكانت الموسيقى، التي كان مولعا بها، مسلية له ومشجعة عندما تتوالى عليه الضيقات والشدائد. وقد ألف وترجم عددا من الترانيم ووضع ألحانا لبعضها كالترنيمة الشهيرة المستمدة معانيها من المزامير:

 

1- الله ملجأ لنا     وقوة على الدوام

عون شديد ثابت          في الضيق حصن وسلام

نهتف بانتصار     في وسط الأخطار

إلهنا عظيم  ملجأنا القديم

ينصرنا على الدوام

2- قوتنا تخذلنا           سرعان ما تضلنا

عنا يجاهد البطل          مختار فادينا الأجل

واسمه الصحيح                  يسوع المسيح

خوفنا يزيح               بعزمه الصريح

والنصر للرب المجير

3- الله وسط شعبه        حصن فلا نلقى الضرر

يرعى الكنيسة التي              قدسها فادي البشر

يعينها الإله                تنعم برضاه

مسيحنا الجليل            يلبسها الإكليل

إذ على إبليس انتصر

 

وجعلته مواهبه النادرة التلميذ المحبوب في السنوات الأربع التي أمضاها في مدرسة الفرنسيسكان. وكانت السيدة أورسلا تقوم بنفقاته طيلة هذه المدة. وإذ شعر بان الجو تهيأ له لدراسة القانون حسب رغبة والده، أرسله هذا إلى مدينة البكالوريوس عام 1501 ليواصل الدراسة. وكان أصغر طالب حصل على درجة البكالوريوس في الآداب. وبعد ذلك بثلاث سنوات حصل على درجة الماجستير في العلوم. وكان عمره آنذاك اثنتين وعشرين سنة. وأنه لمنهمك في دراسة القانون وتدريس الفلسفة، حدث ما غير اتجاه حياته المستقبلية وقلبها رأسا على عقب، لأن صديقا حميما له مات فجأة، فاستولى عليه الخوف وأخذ يسأل نفسه، ماذا يكون مصيره هو لو انقضت حياته بهذه السرعة دون سابق إنذار. ولقد ساورته مخاوف الموت وهواجس الأبدية. وفيما كان سائرا وهو في حالة نفسية مضطربة يفكر في مصيره، إذ بصاعقة رهيبة تباغته على مقربة من أرفورت، فألقى بنفسه على الأرض ظانا أن ساعة موته قد دنت وصرخ مستنجدا بالقديسة حنة أم العذراء مريم. ونذر أنه إذا سلم من الخطر سيهجر العالم ويصير راهبا.

 

وبعد هذه الحادثة بأسبوعين (17 آب عام 1505) دعا أصدقائه إلى حفلة عشاء وأخبرهم عن عزمه. وعلى الرغم من اعتراض والده على ذلك وغضبه واستعطاف أصدقائه كي يعدل عن عزمه، دخل لوثر الدير الأوغسطيني حيث كان عليه ان يخضع جسده لضروب التعذيب وأنواع الأماتة وأن يصوم ثلاثة أيام متوالية كل أسبوع وينام على أخشن فراش وبدون غطاء تقريبا حتى كاد جسمه يتجلد في الأيام الباردة في صومعته الصغيرة، كل ذلك إرضاء لله والخلاص من جهنم وربح السماء.

 

ورأت الجامعة أنه عار عليها أن ترى شخصا من أنبل هيئتها وأشهر أعلامها يتجول في طرقات المدينة وشوارعها حاملا كيسا للاستعطاء على ظهره متوسلا الخبز، فاعفي من مأمورية التسول، وعاد إلى كتبه يدرسها بشغف واستمتاع. وكانت كتابات الآباء وبخاصة كتابات أوغسطين أهم ما شغف بها. ودرس في صومعته اللغتين اليونانية والعبرية. وبذلك وضع الأساس لأعظم أعماله فيما بعد، أي لترجمته للكتاب المقدس إلى لغته الألمانية.

 

وفي عام 1507 سيم كاهنا. وحضر والده حفلة الرسامة ولو على شيء من المضض. وحافظ لوثر على قوانين الرهبنة محافظة دقيقة، فكان يقول: "إذا كان لراهب أن يذهب إلى السماء عن طريق الرهبنة، أكون أنا." وعلى الرغم من ذلك كانت تراوده الشكوك حتى أصبح يخشى هذا الإله المرهب الغضوب الديان الذي يفرض القداسة على البشر الخطاة. وكان الدكتور شتوبتس رئيس الدير يهدئ روعه ويشجعه بقوله: إن النعمة الإلهية هي التي تخلصنا وليس أعمالنا. وبمساعيه نقل لوثر إلى وتنبرغ ليتولى منصب أستاذ في جامعتها. ومع أنه كان يدرس الفلسفة، إلا أنه لم ينقطع عن أن يكون كاهنا. ولذلك ظل الدير الأوغسطيني مقرا لأقامته. وكان بقوة محاضراته وأسلوبه الرائع يجذب الطلاب ويسبي عقولهم. وكانت أولى محاضراته عن المزامير. وبعدها انتقل إلى رسالة رومية. وعندما وصل في شرحه إلى العبارة الأخيرة من الإصحاح الأول والعدد السابع عشر "أما البار فبالإيمان يحيا" شعر أن نورا ربانيا جديدا أشرق عليه وأنار فلبه وعقله، فأدرك أن الحياة الأبدية لا تنال بالتقشف وتعذيب الجسد، وإنما بالإيمان بنعمة الله المجانية. وهذه النعمة الممنوحة للإنسان مجانا أصبحت أساس حركة الإصلاح "بالنعمة فقط أنتم مخلصون بالإيمان، وهذا ليس منكم، أنه هبة من الله، لا على أساس الأعمال، حتى لا يفتخر أحد." (أفسس 2: 8 و 9) وعلى ضوء ذلك فسر الكتاب المقدس. وعلى ضوئها تم عمل الإصلاح العظيم. وعلى أساسها وقف مارتن لوثر وحده متحديا أعلى سلطة دينية وأعظم سلطة مدنية آنذاك، وداعيا الكنيسة إلى الرجوع إلى ما يعلمه الكتاب المقدس، رافعا راية الخلاص بالرب يسوع، دون أعمال الناموس.

 

وحدث أن نشأت نزاعات بين رئيس الرهبان العام وبعض الأديرة، فوقع الاختيار على لوثر كخير شخص يستطيع أن يعرض الأمر على البابا في روما. وكراهب لا يعرف عن البابا، إلا أنه الأب الأقدس، ولا يعرف عن روما، إلا أنها مدينة القديسين. ولم يكن ملاشاة هذه الاعتقادات التقليدية والتصورات الو راثية إلا بالمشاهدة العيانية الشخصية. (48). وعندما اقترب من روما بعدما عبر جبال الألب وهو عاري القدمين هتف بيدين مرفوعتين إلى السماء قائلا: ايه يا روما المقدسة المباركة أني أحييك! وتحت تأثير حماسه أسرع يطوف في الأماكن المقدسة ويصغي إلى أحاديث تاريخها ومعجزاتها، مؤمنا بكل ما يرى ويسمع. ولكن سرعان ما امتلأ قلبه حزنا على حياة البذخ التي يعيشها الرهبان الإيطاليون. وكانت الطقوس والرسوم الوثنية وحياة الاكليروس  الماجنة أمورا لا تطاق في اعتقاده. ولما انتهت المهمة التي كان قد أوفد من أجلها رجع أدراجه بخيبة مريرة.

 

وأرسل إلى بلدة فتنبرغ ليواصل الدرس. فيحصل على درجة الدكتوراة. وكان ينتهز الفرص التي تتاح له للوعظ في الدير أو مصلى القصر أو كنيسة الجامعة. وكان صوته الموسيقي العذب يخلب قلوب السامعين. وكان تفكيره يتميز بالطرافة والتجديد الجريء. وكان يشدد على قول الكتاب: إن البار بالإيمان يحيا لا بأعمال الناموس. وان الله هو إله محب عطوف، لا ديان غضوب منتقم. وإننا حينما نأتي إليه لا يلزم أن نأتي بحزمة من الأعمال الصالحة نرشوه بها لنحمله على حبنا، بل علينا أن نأتي إليه بضعفنا وعدم استحقاقنا، وبدالة البنين وثقة البنين.

 

وكانت الكنيسة قد وضعت قوانين وأحكام كان يتحتم على الخاطئ أن ينفذها بدقة، وإلا فعليه أن يذهب إلى المطهر ليستوفي القصاص المصلوب. وذهب بعضهم إلى الاعتقاد أنه ينبغي عليهم أن يجتازوا الآم المطهر لمدة طويلة تصل إلى ملايين السنين. فكانوا يعملون ما في طاقتهم على تقصير مدة المطهر. من هنا نشأت فكرة المطهر، فاندفع الناس إلى شراء الغفرانات. ولما صار لاون العاشر بابا عام 1513 وجد خزائن الكنيسة موشكة على الفراغ. وكان في حاجة شديدة إلى المال لتيسير أعماله، منها العمل في إصلاح وتوسيع كنيسة القديس بطرس، فاتخذ الطريق المألوف إلى جمع المال أي منح الغفرانات. وأعطى البرت رئيس أساقفة مينز في ألمانيا صلاحية على منحها. فأناب هذا عنه راهبا نشيطا من الفرير يدعى يوحنا تنزل للقيام بهذه المهمة. ولكن تنزل هذا كان عارا وفضيحة مكشوفة في ما أوكل إليه، إذ كان يدخل كل مدينة في موكب مهيب ويقيم صليبا كبيرا في وسط السوق، ثم يلقي غطة نارية يتحدث فيها إلى الشعب البسيط عن آبائهم وأقربائهم الذين يتألمون في اللهيب الأبدي وهم يتوسلون إلى أولادهم أن يعملوا على إنقاذهم. فنتج عن ذلك أن أخطأ الناس في تقدير هذه الغفرانيات وظن كثيرون منهم أنهم إذا أدوا مالا لبناء كنيسة القديس بطرس، نجوا من كل قصاص تسببه الخطايا. فحمل ذلك التصرف جماعة من عقلاء على أن يخطبوا في الناس عن أسلوب هذا الراهب المتحمس المعيب. وكان كبرميل يتجمع فيه البارود من زمن بعيد سينفجر ويزعزع العالم المسيحي بعد زمن قصير.

 

فلما تأزم الوضع وبلغ السيل الزبى، برز لوثر الذي كان يراقب تنزل وأعماله عن كثب. وناشد الشعب الألماني أن يضع حدا لتصرفات تنزل. ويقال أنه علق احتجاجه الشهير الذي جمعه في 95 بندا باللغة اللاتينية على باب كنيسة فتنبرغ داعيا الكنيسة الكاثوليكية لإيقاف أعمال تنزل وبيع الغفرانيات. حدث ذلك مساء 31 تشرين الأول عام 1517 وهو مساء عيد جميع القديسين. وكان احتجاجه باللغة اللاتينية إلى العلماء لمناقشتها والنظر فيها، لا إلى عامة الشعب. ولكن سرعان ما ترجم إلى اللغة الألمانية وانتشر في طول المانيا وعرضها. وهذه بعض بنود الاحتجاج:

 

-        إن الله هو الذي يغفر الخطايا. وإن الإنسان لا يستطيع أن يشتري الغفران وخلاص نفسه بمبالغ معينة من المال. وأن الأعمال الصالحة لازمة، ولكنها لا تخلص الإنسان. وهي ثمرة الإيمان.

-        إن الكتاب المقدس هو دستور حياتنا وهو فوق تقاليد الكنيسة. إننا نقبل التقاليد إذا كانت لا تتعارض مع ما يعلمه الكتاب المقدس.

-        إن الأسرار المقدسة اثنان وليس سبعة، لأن المسيح لم يرسم إلا سرين (أو فريضتين) مقدسين هما المعمودية والعشاء الرباني.

-        إننا نترك مسحة المائتين بالزيت.

-        ولكننا لا نترك الزواج، وإن كنا لا نعتبره فريضة. والسبب في عدم اعتبار الزواج فريضة هو أن الناس كلهم يتزوجون منذ الخليقة.

-        دعا لوثر الرهبان والراهبات والكهنة إلى الزواج إذ شاءوا ذلك. أما من أراد أن يبقى عازبا فإن حرية الخيار متروكة له وراجعة إلى ضميره إلخ....

-        قيل أن احتجاج لوثر انتشر في ألمانيا في أقل من أسبوعين وفي العالم المسيحي كله في أربعة أسابيع في تلك الأيام التي لم يكن فيها وسائل نقل وإعلام سريعة كما هو الحال في أيامنا. وكان اختراع غوتنبرغ للطباعة، قبل ذلك بأقل من قرن، من العوامل الفعالة التي ساعدت على تقدم الإصلاح بسرعة. كان معدل الكتب التي تطبع في ألمانيا قبل الإصلاح لا يزيد على أربعين كتابا في السنة. ولكن بعد حركة الإصلاح وصل معدل طبع الكتب في ألمانيا إلى أكثر من مئتي كتاب في السنة، منها مئة وثلاثون كتابا للوثر.

كتب البابا ليو إلى الأمير فريدريك منتخب سكسونيا بان يسلم "الهرطوقي" لوثر إلى الكاردينال توماس كاجيتان ليرسله إلى البابا في روما لمحاكمته. ولكن الأمير الحكيم النبيل رفض ذلك وأعلن حمايته للوثر، وبخاصة لأنه كان من مقاطعته. وأيد طلب لوثر بان يقف للدفاع عن قضيته في ألمانيا قضاة أتقياء نزهاء لا يتحيزون لفريق دون آخر. فاضطر البابا إلى تغيير مكان ذهاب لوثر من روما إلى أوغسبورغ في جنوب ألمانيا. وهناك استقبله الكاردينال بمنتهى اللطف وبمظهر الأب العطوف وخاطب لوثر كما يخاطب الأب ابنه. وكان هو وحاشيته الإيطالية يتوقعون من الراهب الألماني أن يركع على ركبتيه طالبا العفو والغفران. غير أنهم دهشوا دهشة شديدة حين سمعوا جوابه الهادئ الرزين يلقيه مرفوع الرأس بعزة وكرامة ويطلب منهم أن يقنعوه من الكتاب المقدس بأنه مخطئ متحديا بذلك البابا سيد العالم المسيحي. ولما فشلت مهمة كاجيتان ولم تسفر عن نتيجة مرضية، صمم البابا أن يرسل رسولا آخر. وكان هذا الرسول السفير البابوي كارل فون متز. وبوصوله إلى سكسونيا قابل صديقه القديم شبلاتين. فأطلعه هذا على سير الأمور وحقيقة الوضع في ألمانيا وأكد له أن الانقسامات الجارية في الكنيسة مرجعها بصفة خاصة إلى فضائح تنزل بائع الغفرانات وتدجيله. فدهش متز لهذه الأخبار. واستدعى تنزل ليجيب عن ألتهم الموجهة إليه. ولكن تنزل اعتذر عن المجيء لأنه كان مختبئا من غضب اعادئه. وبعد ذلك بمدة قصيرة مات جبانا حقيرا. وما كان ظهور الدكتور إك، بطل البابوية، على مسرح الجدل، إلا ليزيد تعاليم لوثر انتشارا، لا في ألمانيا فحسب، بل في العالم المسيحي كله. بعد أن عجز إك وأصدقاؤه عن مقاومة لوثر مقاومة عنيفة، وعن دحض حججه القوية وأسانيده الصريحة المعتمدة على الكتاب المقدس وتحريض الدومينكان وشكاياتهم، قبل البابا أن يصدر في 15 حزيران عام 1520 مرسوما يقضي بحرمان لوثر وإحراق جميع كتبه، ما لم يسحب تعاليمه ويلتمس رحمة البابا خلال ستين يوما. ويعتقد كثيرون من الباحثين في حركة الإصلاح أن إقدام البابا ليو على أخذ مثل ذلك القرار كان عملا منافيا للمنطق. لو حصل شيء من هذا القبيل قبل ذلك بخمسين سنة لكان الوضع مختلفا تماما. وأما الآن فلا البابا ولا الملوك كانوا مطلعين بدقة على حالة الجمهور الفكرية في ألمانيا. ولا على ما تقوم به الطباعة في أوروبا.

 

قبل أن يصل مرسوم البابا ليو إلى وتنبرغ كانت قلوب معظم الألمان مع لوثر، فأيقن أن الوقت قد حان لاتخاذ الخطوة الحاسمة بإعلان المقاومة. كان يعتقد أنه في تصريحاته وخطاباته واقف إلى جانب البابا يدافع عن الحق الذي على البابا نفسه أن يدافع عنه. ولكن ظهر أن موقفه المسالم كان بلا جدوى. ولذلك لم يبق أمامه الآن إلا الانسحاب من كنيسة روما ومقاومة سلطتها علانية. ففي صباح اليوم العاشر من كانون الأول عام 1520 أخذ مرسوم البابا ونسخة من القانون البابوي وبعض مؤلفات إك، بعد أن نشر دعوة عامة، وألقاها في النار على مرأى من جمهور حاشد من المتفرجين. وقد سرت حمية في الشعب، فالتفت حوله الجماهير.

 

لوثر أمام الإمبراطور شارل الخامس

 

شارل (1519-1556) هو أحد الملوك العظام في التاريخ. ولكن مهما بلغ من العظمة والأهمية السياسية، تبقى صلة هذا الملك الكاثوليكي الغيور على كتلته بالإصلاح الوثري أهم ما في حياته وعمله. ولد عام 1500. وهو ابن فيليب أرشيدوق النمسا ويونا ابنه فرديناند وايزابلا ملكي أسبانيا. اجتمعت به أربع من السلالات الملكية كان وارثا لها. وهي بيت أوستريا، وبيت برغندي، وبيت قشتيلة، وبيت أراغون. اجتمعت هذه التيجان الأربعة على رأسه وهو في التاسعة عشرة من عمره. وقد اشتهر بالجد والرصانة التي تفوق عمره. وعرف بالرفق والطيبة إذا كان ذلك لا يتنافى مع أغراضه. وكان من حسن حظ الكنيسة الكاثوليكية أن رأس هذا الامبراطور الشاب الحزب الكاثوليكي، فأكسب الكنيسة الكاثوليكية نفوذا وشأنا. ولم يكفه أنه أنفق قوة امبراطورية وثروتها في مقاومة "بدعة" أهل الإصلاح بل أورث خلفاءه على العرش الاسباني هذه السياسة. ولحسن الحظ كان اهتمام شارل في الفترة الأولى من ملكه متحولا عن المسائل الكنسية، لأن ملكين من أقوى ملوك أوروبا في ذلك الزمن وهما فرنسيس الأول ملك فرنسا (1515-1547) وسليمان القانوني سلطان تركيا (1520-1566) قاما بالهجوم على أملاكه. فكان شارل كلما نوى أن يعامل أمراء ألمانيا البروتستانت بالشدة، كان تهديد أحد هذين العدوين، أو كلاهما، يرغمه على تأجيل الحرب الدينية التي كان ينوي إثارتها على أهل الإصلاح، ليتفرغ لقتال الأعداء الأباعد.

 

فوجدت البروتستانتية في تلك الفترة الطويلة وقتا فنشطت في شمالي ألمانيا وفي غيرها من البلاد وشاء الله أن يقف راهب وتنبرغ البسيط وابن عامل منجم الفحم أمام أقوى ملك عرفته المسيحية منذ أيام شارلمان لجأ إليه البابا يطلب منه النجدة والمعونة، فعقد:

 

مجمع ورمس: عقد هذا المجمع في مدينة ورمس سنة 1521. وصمم البابا وأعوانه ألا يدعوا فرصة هذا المجمع تفلت من أيديهم دون أن يتخلصوا من خصمهم بأية وسيلة كانت. ولكن فريدريك الحكيم رفض الموافقة على ذهاب لوثر إلى ورمس إلا بشرطين: الشرط الأول أن يضمن الإمبراطور حرية لوثر وسلامته. والثاني أن يكون للوثر حق العودة إلى المكان الذي حضر منه، إذا حكم بإدانته، فيقرر فريدريك نفسه ما يجب عمله تجاه لوثر بصفته واحد من رعاياه.

 

افتتح الإمبراطور شارل المجمع في 28 كانون الثاني وهو اليوم الموافق لعيد شارلمان. ولم يحدث قط من قبل أن اجتمع في مجمع واحد مثل هذا العدد الكبير من الملوك والأمراء. وأصحاب الألقاب الرفيعة ورؤساء الأساقفة والأشراف ونواب المدن وسفراء الملوك بمواكبهم الفخمة، ستبحث فيه على أعلى مستوى مسائل عظيمة الشأن تتعلق بالسلام في أوروبا وفي العالم كله، وتحتدم فيه معركة حامية بين الحق والباطل.

 

اعتلى الياندر سفير البابا منصة الخطابة. وهو رجل فصيح وخطيب مفوة وأخذ يخاطب الإمبراطور والأمراء والنواب ثلاث ساعات متولية وأمامه على المنصة كتب لوثر ومرسوم البابا. واحتوى خطابه على كل ما تريد روما أن تقوله ضد لوثر وكتبه. وشدد على القول بأن مؤلفات لوثر تحوي من الأخطاء والأضاليل ما يكفي لحرق مئة ألف هرطوقي! وكانت غاية الياندر من خطابه الطويل الحيلولة دون دعوة المصلح الجريء للظهور أمام ذلك الجمع الحافل بالنظر إلى الشهرة التي أصبح يتمتع بها. وكان البابا قد كتب يلتمس عدم مراعاة الشرط الذي تعهد به الإمبراطور بحماية لوثر والحفاظ على سلامته. فتحرج بهذا الالتماس، موقف الإمبراطور الشاب وأصبح بين نارين: نار السفير البابوي، ونار المنتخب الألماني الذي يدين له بتاجه. ولكنه قرر ضمان سلامة لوثر الذي لولاه لما طاع دعوة الإمبراطور لحضور المجمع.

 

توجه لوثر إلى المجمع ثابت الجنان قوي العزم بقيادة مارشال الإمبراطورية. فاكتظت الشوارع بالجماهير التواقة إلى مشاهدته وهي تهتف هتافات التشجيع حتى تعذر الوصول به إلى مكان الاجتماع،  إلا من خلال المنازل التي تحيط بها الحدائق.

 

وقف لوثر في المجمع أمام الإمبراطور الذي يسود بسلطانه على نصف العالم وأمام أكثر من خمسة آلاف مشاهد. وبعد لحظات من صمت رهيب قال المستشار البابوي بصوت جهوري: "يا مارتن لوثر، إن صاحب الجلالة يدعوك للإجابة على سؤالين: أولا هل تعترف بان هذه الكتب، مشيرا إلى حوالي عشرين مجلدا موضوعة على طاولة، هي تأليفك؟ وثانيا هل أنت مستعد أن تسحب هذه الكتب وما تحتوي عليه، أم تصر عليها؟ فأجاب لوثر على السؤال الأول أنه، دون شك، الكاتب لها. أما فيما يتعلق بالسؤال التالي. صلى لوثر خلالها صلاة تعتبر أثمن وثيقة في تاريخ حركة الإصلاح، جاء فيها: رباه ما أفظع هذا العالم. فقد فتح فاه ليبتلعني أن المسكين....إذا أنا اتكلت على قوة هذا العالم فقط، فشلت وضاع كل شيء! لقد صدر علي الحكم ولكنني لن أتركك ولو احترق جسدي وطرح على الأرض وقطع أربا.. أربا. إن القضية هي قضية البر والحق. إنها ليست قضيتي، بل هي قضيتك ليس لي ما أفعل هنا. وليس لي ما أتنازع بشأنه في هذا المجمع الذي اجتمع في عظماء العالم.....أنت اخترتني لهذا العمل وأنا أعرف ذلك يقينا. قف يا إلهي إلى جانبي من أجل خاطر يسوع المسيح ابنك الحبيب. فهو قوتي وحصني الحصين." آمين

 

انتهت المهلة، فاستأنف المجمع اجتماعه في اليوم التالي. وقف المستشار وبدأ بالقول: "يا مارتن لوثر، إنك التمست أمس مهلة وقد انتهت ...والآن أجب على سؤال صاحب الجلالة. هل تدافع عن كتبك أم تسحبها؟ فأجاب لوثر بلا تردد: بما أن جلالتكم وأصحاب السمو الأمراء تطلبون مني إجابة واضحة مختصرة، فإليكم إجابتي: لست أستطيع أن أخضع إيماني لا للبابا، ولا للمجامع، إذ هو واضح وضوح النهار، ومعروف للخاصة والعامة أن البابوات والمجامع أخطأوا. وكثيرا ما اختلفوا وناقضوا بعضهم بعضا. فإذا لم يثبت لي من الكتاب المقدس وبالمنطق السليم بأن ما كتبته وأصرح به هو خطأ، فأنني لا أسحب أقوالي، ولن أسحبها، إذ أنه من الأمور الخطرة أن يتكلم المسيحي ضد ضميره!" وبعد أن وجه نظره إلى من حوله من العظماء وذوي البأس والسلطان، قال بشجاعة وشرف ونبل: "هذا هو موقفي. ولا أستطيع أن أفعل غير ذلك. فليساعدني الله! آمين.

 

لم يعهد الأمراء والنبلاء مثل هذه الشجاعة وقوة الإيمان من قبل، فلم يستطع كثيرون منهم إخفاء إعجابهم، بينما وقع الآخرون في حيرة وارتباك. ولكن مما لا شك فيه أن الأثر العام الذي أحدثه لوثر في المجمع بأقواله الجريئة وموقفه الصامد كان في صالحه، لأنه استطاع بوقفته أن يؤكد لأصدقائه ومساعديه مدى ثقته ويقينه بالحق الذي ينادي به ولا يقبل التجزئة.

 

ولكن لما كانت سياسة الفاتيكان هي الغالبة في مجامع الإمبراطور شارل، فقد أصدر المجمع حكمه ضد لوثر وأتباعه إذ حكم عليهم بالهرطقة وأباح هدر دمهم. غير أن ذلك لم يستطع الوقوف أمام الشرف والروح الوطنية التي كانت تسود المجمع وبخاصة الأمراء الأمان، لأن القومية الألمانية التي سحقها الطغيان كانت تتأجج في صدورهم، الأمر الذي أفاد حركة الإصلاح كثيرا. فلا البابا ولا الأساقفة ولا الإمبراطور العظيم كانوا واقفين على حقيقة الرأي العام والانتفاضة الفكرية التي بدأت تتأجج في الصدور وتنتشر بسرعة. فإن جيلا جديدا قد برز شعاره، كما علمه رجال الفكر والأدب، أن يفكر لنفسه، وأن  يكون له رأيه الخاص في كل شيء، لا أن ينقاد كما تنقاد الأنعام.

 

لقد وقف لوثر وحده ولم يكن له بين الحاضرين محاميا واحدا يدافع عنه أمام المجمع. ولكن الرب الذي وقف مع بولس حين أحضر في يومه للوقوف أمام ذوي النفوذ وأمام الإمبراطور، استجاب لصلاة لوثر وأعطى حكمه وقوة لراهب وتنبرغ الصغير، فلم يكن لقوة أن تقهره.

 

غادر لوثر ورمس قبل صدور القرار النهائي عليه بطريقة مدهشة أو بالاحرى مؤامرة اختطاف دبرها له منتخب ألمانيا فريدريك الحكيم. وكان يحيط به عشرون من أصدقائه. وبينما هم في الطريق هجمت عليهم جماعة في شكل "عصابة" كانوا يظنون أنها من الكاثوليك، لأن هؤلاء قرروا خطفه وقتله، جذبه رجال هذه "العصابة المصطنعة" من العربة التي كان فيها وطرحوه على الأرض وجروه بقسوة، بينما وقف عدد من رجال العصابة يمنعون أصدقاؤه من محاولة إنقاذه. ثم وضعوه في عربة وانطلقوا به. وعاد أصدقاؤه بعد اختطافه غاضبين يتحدثون عن العصابة الشريرة المجرمة التي خطفته وقتلته. لقد انطلت الحيلة ولم يخطر في بال أحد أن المؤامرة كانت مجرد تمثيل متقن لإنقاذه. ثم أخبره الذين اختطفوه بالقصة وغيروا ثيابه وألبسوه ثياب فارس. وبعد أسبوع وصل قلعة ورتبرغ القديمة فارسا مجهولا. ولم يخطر على بال أحد أن ذلك الفارس الملتحي هو مارتن لوثر الذي انقطعت أخباره عن العالم.

 

كان لاختفاء لوثر المفاجئ أثر شديد في جميع الأوساط. فاضطرب أصدقاؤه وحزنوا. وفرح أعداؤه وهللوا، لأنهم ظنوا أنه قتل. وبذلك يكونوا قد تخلصوا منه. وانتشرت عن هذا الحادث أغرب الإشاعات في كل مكان. ولما كانت سلامته تقتض التكتم الشديد فقد استمر الأمر عدة شهور وهو مخفى عن الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

 

ودعا لوثر قلعو فارتبورغ التي حجب فيها "باطمس" إشارة إلى جزيرة باطمس الذي نفي إليها كاتب سفر الرؤيا. ولكي لا تثار أية شبهة حول هويته ألزم أن يرخي لحيته وشعره ويلبس لباسا ريفيا وأطلق عليه أسم الفارس "جورج".

 

قضى بين جدران القلعة عشرة أشهر لم يعلم أحد به خلالها. وكتب مئات الرسائل والمنشورات خلال احتجاجه. فاكتشف الذين ظنوا أنه قتل بأنه ما زال حيا. ولكن أنفس وأروع ما كتبه في القلعة كان ترجمته للعهد الجديد إلى لغته الألمانية، ليكون في وسع كل إنسان أن يقرأه. وكان إذا ما خرج من القلعة لأمر هام يحتاج إليه في ترجمته كان يلبس ثيابه العسكرية، لباس الفرسان آنذاك. وحدث أنه بينما كان جالسا في ذات يوم يقرأ في نزل قريب دخل عليه شابان سويسريان أخبراه أنهما في طريقهما إلى وتنبرغ للالتحاق بجامعتها ومشاهدة مارتن لوثر الذي سمعا عنه كثيرا. وسألاه إذا كان له علم بوجود مارتن لوثر في وتنبرغ، فأجابهما أنه متأكد أنه غير موجود هناك، ولكنه سيصلها بعد قليل. وطلب إليهما أن يسلما على الدكتور شيروف عميد الجامعة. من نذكر له؟ قولا له أن الشخص الذي سيصل قريبا إلى وتنبرغ يقرئك السلام. وبعد خمسة أيام وصل لوثر إلى مدينة وتنبرغ. فعمت الأفراح وأقيمت الحفلات في المدينة عندما علمت بمقدمه.

قبل لوثر كانت توجد ترجمات ألمانية للكتاب المقدس. ولكنها لم تكن ترجمات دقيقة، كما أنه لم تكن هناك لغة ألمانية موحدة، بل كانت خليطا من نحو مئتي لهجة. فأخذ لوثر أوسع تلك الترجمات انتشارا وصاغها لغة حقيقية حلت محل اللهجات الأخرى، فجاءت لغة ألمانية سلسة حية. ولذلك اعتبر لوثر مجددا مبدعا للغة الألمانية الحديثة بعد أن ظهرت ترجمته الكاملة للكتاب المقدس كله بعهديه الجديد والقديم، وانتشرت بين الناس. كانت خدمة لوثر للغة الألمانية بترجمته الكتاب المقدس إليها بأثبات شكلها الأدبي، كخدمة دانته (Dante) للغة الايطالية بروايته المعروفة: "بالملهاة الإلهية، او الكوميديا اللالهية"....كانت ترجمة لوثر للكتاب المقدس إلى لغة قومه كتابا قوميا. كانت كتاب الشعب، كتاب الله.

 

استمر الكاثوليك في شن حملاتهم الشعواء على البروتستانت بعد ظهور لوثر وانتشار كتبه وتهافت الناس عليها. وأخيرا عقدوا العزم على ضرب اللوثريين الضربة القاضية. فعقدوا مجمعا في مدينة شبير برئاسة فرديناند شقيق الإمبراطور شارل الخامس لتلك الغاية. فهب أمراء ألمانيا لدرء هذا الخطر الداهم يتهددهم جميعا، وأصدروا القرار التالي:

 

"إننا نبذل قصارى جهدنا لتقدم مجد الله ونتمسك بالتعاليم التي تتفق مع كلمة الله. ونتقدم لله القدير بالحمد والشكر، لأنه أحيا في عهدنا تعليم البر بالإيمان الذي ظل زمانا طويلا مدفونا تحت أكوام من الخرافات والخزعبلات. ولن نسمح بإطفاء نور الحق الذي أعلنه الله لنا أخيرا."

 

هذا هو القرار الفريد البسيط الذي أصدره الأمراء، وهو أفضل ما أصدروه في حياتهم كلها، فليس فيه شيء سياسي أو مالي. وقد جاء صدمة قوية مدهشة للبابويين. وشاءت العناية اللاهية أن تضع حدا سريعا لمناقشات هذا المجلس، ذلك أن رسلا من ملك هنغاريا جاءوا يصورون الكوارث التي حاقت بتلك المملكة والخطر الداهم الذي يهدد أوروبا كلها من جراء غارات الأتراك وانتصاراتهم المتكررة. فحول فرديناند نظره عن رسالة لوثر وأسرع راجعا إلى مملكته الواقعة في طريق الأتراك.

 

وإزاء الأضطرابات السياسية  والارتباكات وانقلاب الإمبراطور شارل على البابا بسبب تآمر هذا عليه، حتى أنه ألغى السيادة البابوية إلغاء كاملا في أسبانيا، وبسبب شن حرب على البابا في إيطاليا بمساعدة الأمراء الألمان، فلذلك أصدر المجمع قرارا كان في صالح المصلحين. وهذا القرار: "تقديم التماس للإمبراطور يطلب فيه الموقعون ضرورة عقد مجلس حر مستعجل وإعطاء الحرية لكل واحد لترتيب شؤون مملكته الدينية حسب ما يراه صالحا، مع مراعاة المسؤولية أمام الله والإمبراطور.               

 

مجمع شبير الثاني: في ربيع 1529 عقد الإمبراطور شارل مجمع شبير الثاني وجاء خطابه تهديدا ووعيدا وانطوى على استبداد جديد. فلقد شكا من التغيرات التي طرأت على الديانة ومن عدم الاحترام لسلطانه بصفته رئيس العالم المسيحي. وقال يجب أن تحترم مراسيمه وتطاع طاعة مطلقة. وألغى المرسوم الذي أقره في مجمع شبير الأول لنه متعارض تماما مع أوامره. استاء أمراء ألمانيا من هذا الإلغاء ورأوا فيه جرحا لكرامتهم ومسا صارخا لاستقلالهم وامتيازهم. وقالوا أن مندوبي الإمبراطور وافقوا عليه باسمه، وأنه مرسوم شرعي فليس من حقه أن يلغيه. ولكن فرديناند، بتحريض من الكاثوليك الذين عقدوا النية على سحق الهرطقة وأبادتها نهائيا بالسيف، طلب بلهجة الآمر الناهي خضوع الأمراء ألألمان بلا قيد وشرط للقرار الجديد. فاحتج المصلحون على ذلك بهدوء أتسم بالواقعية. ولكن البابويين لم يعيروا هذا الاحتجاج الشفهي أي اهتمام. فقدم المصلحون في اليوم التالي (20 نيسان 1529) احتجاجا خطيا مطولا مستأنفين القضية للإمبراطور ومطالبين بعقد مجمع آخر في وقت لاحق. فصار المصلحون منذ ذلك الوقت يعرفون باسم " البروتستانت" أي المحتجين. وكان لوثر وأصدقاؤه الذين لم يحضروا مجمعي شبير الأول والثاني عاكفين في تلك الأيام على دراساتهم منادين بالحق الإنجيلي من على المنابر وعاملين وسط جماعاتهم على نشر كلمة الله وانتصارات الإنجيل.

 

ولكن مما يؤسف له شديد الأسف أن المصلحين انقسموا بعد ذلك إلى فريقين بسبب الجدل حول العشاء الرباني. وكان الحزب البابوي مطلعا على الخلاف الذي نشأ بين لوثر والمصلح السويسري تسوينغلي حول هذا الموضوع. فاستغل الكاثوليك هذا الخلاف لتوسيع شقة الخلاف بين أتباع المصلحين. وعيروهم بالقول:

 

"إنكم تتفاخرون بتمسككم بكلمة الله الطاهرة النقية، وها انتم مع ذلك متناحرون مختلفون."

 

لقد أبطل لوثر ذبيحة القداس وقال أن الخبز لا يتحول إلى جسد حقيقي بصلاة الكاهن. غير أنه قال أن جسد الرب كامن في الخبز وأن دمه كامن في الخمر في الكأس. وبلاكم آخر: أن المسيح يقدم لنا بواسطة الخبز جسده الحقيقي، وبواسطة الكأس دمه الحقيقي، أي أنه حاضر حضورا حقيقيا في هذين العنصرين واستعمل لوثر هذه الألفاظ الثلاث: مع. في. تحت (In.Mit Unter-In With. Under) وهذا ما ندعوه Conssubstantiation ليعبر عن إتحاد جسد المسيح ودمه بخبز سر العشاء الرباني "الأفخارستيا" وخمره. ومعنى الكلمة "الحلول" لكي يتجنب استعمال كلمة الاستحالة Transubstantiation فالخبز والخمر لا يتحولان إلى جسد المسيح بواسطة صلاة الكاهن، وإنما المسيح حاضر في العنصرين. (قارن هامش صفحة 285)

 

ورفض لوثر اعتبار العشاء الرباني ذبيحة بدون سفك دم عن الخطايا الأحياء والأموات، لأن ذلك يخالف كلمة الله التي تعلم بأن ذبيحة المسيح الواحدة كانت كفارة كاملة لجميع الخطايا:

 

"لأنه بقربان واحد جعل الذين قدسهم كاملين.....فحينما يتحقق غفران الخطايا، لا تبقى حاجة بعد إلى قربان عنه" (عبرانيين 10: 14و18) وقال لوثر أن المتناول أو المشترك يتناول جسد المسيح ودمه، كما يتناول الخبز بالفم، ولكن بطريقة خارقة للطبيعة تتعدى العقل والمعقول. أما تسوينغلي السويسري فاعتقد أن العشاء الرباني هو رمز فقط. ويجب أن يفهم بمعناه المجازي وليس بمعناه الحرفي.

 

ولإزالة الخلاف بين المصلحين عقد مؤتمر ماربورغ في مقاطعة هسن عام 1529 حضره أمير هسن ولوثر وبعض أصدقائه. وتسوينغلي وبعض أصدقائه وكان أبرزهم اكولامبادوس (Ecolampadus) الذي كان رجلا متزنا ونموذجا صحيحا للتقوى والعلم والأدب. بينما كان لوثر شديدا عنيفا فلم يحد قيد أنملة عن اعتقاده بحرفية: "هذا هو جسدي "Hoc est corpus meum". فلوثر الذي رأيناه في بدء حركة الإصلاح الرجل الشجاع المحبوب صاحب القلب الكبير المتسع السموح تحول في ماربورغ إلى رجل غير ودي، ضيق عنيف. وقد يقول قائل أنه كان يجاهد في سبيل الحق بوحي من ضميره. قد يكون ذلك صحيحا. ولكن علينا أن نذكر انه كان يقاوم كل بحث سلمي وأخوي يتقدم به السويسريون للوصول إلى فهم صحيح للكلمات: "هذا هو جسدي". كان موقفه موقف المستبد برأيه حتى قيل أنه كان "بابا" في ماربورغ. فلو أعطى مجالا للفريق السويسري ليطرحوا القضية أمام مجلسهم وإقناعه أنه حبا بالوحدة الإنجيلية عليهم ان يتنازلوا عن نقطة الخلاف الوحيدة أي فهم العشاء الرباني بحرفيته. لكانوا من المرجح قادرين على الوصول إلى حل وسط لولا موقف لوثر المتصلب. ولكانت ألمانيا كلها ومعها سويسرا في حظيرة واحدة دائمة، لأن شخصيات بارزة وأصدقاء حميمين للوثر تركوه لعناده وخشونة تصرفه، وقبلوا عقيدة تسونينغلي.

 

أما المصلح لكفن فقال إن العشاء الرباني "ذكرى" لعلامات منظورة تذكر بموت المسيح عن خطايانا، لأن المسيح نفسه يقول: "اصنعوا هذا لذكري، فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الرب، إلى أن يجيء." (كورنثوس الأولى 26:11) فهل أخطأ كلفن أيضا؟ لأن المسيح عندما يقول: "اصنعوا هذا لذكري" لا يقصد مجرد الذكرى فقط، بل يطلب أن يمارس سر العشاء الرباني في كنيسته باستمرار إلى الأبد. وأنه يجب أن نذكر وأن نخبر بموت المسيح كلما اقتربنا إلى مائدة الرب. فالعشاء الرباني أكثر من رمز وأكثر من ذكرى عادية مجردة.

 

مجمع أوغسبورغ والاعتراف بالعقيدة اللوثرية: رأى الإمبراطور شارل الخامس أن مسايرة مجلس الفاتيكان وانتهاك ألمانيا بالحكم على مواطنين محترمين لم تسمع أقوالهم، ليس البتة عدلا وإنصافا. وإن إعلان الحرب عليهم ليس في صالح الإمبراطورية. وبناء على ذلك أرسل في شهر كانون الثاني عام 1530 رسالة إلى أنحاء ألمانيا يدعو فيها إلى عقد مؤتمر الإمبراطورية في مدينة أوغسبورغ في شهر نيسان من العام نفسه. وبعد أن عرفت الأسباب التي من أجلها أراد الإمبراطور عقد المؤتمر، أصدر منتخب ألمانيا إلى لوثر وصحبه بيانا يطلب فيه منهم أن يعدوا صيغة اعتراف تتضمن مبادئ حركة الإصلاح، لأنه حتى ذلك الحين لم يكن قد نشر شيء عن قانون إيمان المصلحين. ولأنه لم يكن هنالك أمل في إزالة تعصب الإمبراطور للكنيسة الكاثوليكية وبلوغ العدالة، سوى إصدار وإذاعة وثيقة تتضمن بيانا واضحا لمبادئ حركة الإصلاح وأهداف المصلحين الحقيقية. فأصدرت وثيقة صارت تعرف باسم: اعتراف أوغسبورغ Confessio Augustana"

 

لم تكن الوثيقة، بنصها الكامل، جديدة، لأنها مرت في مراحل ثلاث، وكانت لها خلفيتان، أحدهما في ماربورغ، والأخرى في شواباخ، لتوحيد البروتستانت في جنوب ألمانيا وسويسرا مع شمال ألمانيا، وتسوية الخلاف الناشئ بسبب مفهوم العشاء الرباني بين لوثر وتسوينغلي. وجاءت في صيغتها الثالثة ونصها الأخير بناء على رغبة أميرسكونيا المؤهل لانتخاب الإمبراطور وأمير مقاطعة هسن ومقاطعة ورتمبورغ وغيرهم من النبلاء في تعديل المواد التي يمكن تعديلها من قبل رجال اللاهوت البروتستانت، والمواد التي يمكن الاستغناء عنها من أجل الوصول إلى حل سلمي. وكان ملانختون قد قام بتعديلها واختصارها وبعث إلى لوثر بنسخة منها. فوافق لوثر عليها. –جاء الاعتراف بالحد الأدنى الذي يجب التمسك به حبا بالسلام وعدم الانفصال عن الكنيسة. قرئ الاعتراف في 25 حزيران عام 1530 وهو عظيم في تاريخ الإصلاح والمسيحية. تلاه باير مستشار الأمير، بصوت جهوري موسيقي بطيء. فوجد فيه المعتلون من الجانبين تساهلا واعتدالا لا يمكن رفضه. غير أن المتعصبين والمتشددين الكاثوليك ومعهم الإمبراطور رفضوها. فكان ذلك مدعاة لحزن عميق وخيبة أمل مريرة في قلب ملانختون لأن اعتداله وتنازله ومرونته وعدم رغبته في الانفصال عن كنيسة روما اعتبرها الكاثوليك خضوعا وإذعانا. وعدها اللوثريون ضعفا وتخاذلا من جانب ملانختون. وكان لوثر الذي لم يحضر المجمع بسبب حرمانه، يكتب إلى ملاختون يعزيه ويشدد عزمه. ويقول له متى قللت اهتمامك بالفلسفة وانصرفت للدين، تبددت مخاوفك واطمأنت نفسك.

 

ولما كان اعتراف اوغسبورغ أشهر وثيقة في تاريخ الإصلاح والدستور العلني للكنيسة اللوثرية يجدر بنا أن نذكر مواده الثماني والعشرين:

 

1)   العقيدة والتعليم

2)   الخطيئة الأصلية

3)   المسيح ابن الله

4)   التبرير

5)   وظيفة الكرازة

6)   الطاعة الجديدة

7)   الكنيسة

8)   ماهية الكنيسة (المادتان 7 و 8 تعبران عن الحركة المسكونية ووحدة الكنيسة)

9)   المعمودية

10)العشاء الرباني

11)الاعتراف الفردي

12) التوبة

13) استخدام السرين

14) السلطة الكنسية والسرين المقدسين

15) نظام الكنيسة

16) نظام الدولة والسلطة الدنيوية

17) عودة المسيح للدينونة

18) الارادة الحرة

19) أصل الخطيئة

20) الايمان والأعمال الصالحة

21) القديسون وشفاعاتهم

22) تناول الخبز والكأس

23) زواج الكهنة

24) القداديس

25) الاعتراف العام

26) تمييز الأطعمة، الصيام

27) النذور الرهبانية

28) سلطة الأساقفة

 

 

شعار لوثر:

علينا أن نخاف الله ونحبه

فوق كل شيء ونتكل عليه

 

لم يهدف هذا الاعتراف إلى تأسيس كنيسة جديدة، بل إلى التمسك بنصوص الكتاب المقدس، والحفظ على صحة العقيدة المسيحية والتبرير بالإيمان الذي تكمله الأعمال الصالحة. والتأكيد على وحدة الكنيسة الجامعة. وهذا ما تؤكده المادتان السابعة والثامنة، كما سبق الكلام.

 

ومن الملفت أن الإمبراطور شارل الخامس دخل مدينة أوغسبورغ ظافرا منتصرا. ولكنه خرج منها بعد المجمع وتقديم الوثيقة اللوثرية المسماة باعتراف أوغسبورغ، كما سبق الكلام، كئيبا صامتا مغلوبا على أمره. ويتعجب المؤرخون وتأخذهم الدهشة بانتصار الأقلية على الأكثرية. والضعفاء على الأقوياء في مجمع ورمس الذي عقد قبل ذلك التاريخ بتسع سنوات وقف لوثر وحده يمثل حركة الإصلاح. ولم يظهر أمير واحد يحتضن الحركة. أما في أوغسبورغ فقد تغيرت الأمور، لأن الراهب البسيط الذي وقف يدافع عن الحق بكل قوته وبجرأة نادرة بات محاطا بهيئة منظمة من الأمراء والأشراف ورجال اللاهوت الذين يحسب لنفوذهم وتأثيرهم كل حساب. فبدلا من سحق حركة الإصلاح واستئصال جذورها، بسيف شارل، نراها قد قويت وتأصلت في قلوب كثيرين وانتشرت بسرعة، وجعلت كثيرين من الأمراء والأساقفة ورئيس وزراء الإمبراطور وغيرهم من ذوي الشأن يفهمونها. وحتى الإمبراطور وأخوه خرجا من المؤتمر يحملان تجاه المبادئ البروتستانتية شعورا مختلفا عن ذي قبل. وعلى الرغم من ذلك فقد عقدت مؤتمرات فيما بعد، ودارت مناقشات، وأبرمت محالفات وأثيرت حروب ضد البروتستانت. سأمر عنها مر الكرام، ذلك لأن مجلدات ضخمة كتبت عنها. ولكنني أرى، وأنا في سياق الحديث عن لوثر أنه لا مندوجة لي عن التكلم باختصار عن زعيمين آخرين من زعماء الإصلاح هما أولريخ تسفغلي وجون كلفن، إذ لولا عمل هؤلاء المصلحين الثلاثة، لما كانت هناك كنائس إنجيلية مؤسسة في الشرق الأوسط، أو كادت.

 

مات لوثر عام 1546. وبعد موته انتقلت زعامة المصلحين في ألمانيا إلى صديقه فيليب ملانختون الذي كان هادئا ومرنا على عكس لوثر الحاد الطبع الشديد اللهجة. وكان ملانختون يلوم لوثر على تسرعه وحدته. وكان، كما سبق الكلام، لا ينفك عن أن يصلح ما بين الكاثوليك والبروتستانت بالتساهل والتسامح من الطرفين. ولكن أخيرا خاب أمله في موقف الكاثوليك المشبع بالتعصب والذي أدى إلى ردود فعل وحروب دامت طويلا وألحقت بالمسيحية أضرارا فادحة.

 

ولكن مما يحز في النفس كثيرا أنه بينما كان النزاع في أوجه مع روما، أنقسم البروتستانت إلى ثلاثة أقسام مختلفة: اللوثريون والتسونغليون والكلفنيون.   

 

 

*              *              *