مقدّمة المترجم

 

صدر كتاب حرّية المسيحي عام 1520 وهو العام الذي كتب فيه المصلح عدة كتابات ضمن برنامجه المتعلق بمبادئه  اللاهوتية الإصلاحيّة. وتظهر في هذا الكتاب روح المصالحة ظهوراً ملموساً لأنه كان مقتنعاً في حينه ان تسوية الخلافات بينه وبين البابوية لا زالت ممكنة بطريقة ودّيّة . ومما يدلّ علىذلك ايضاً كتابه المفتوح الى البابا ليو العاشر الذي ارفقه هذا البحث "حرية المسيحي" باللغة اللاتينية.

 

يتصوّر لوتر حياة المسيحي في ظل تعاليم الكتاب المقدس وخاصة رسائل بولس الرسول ، وهي حياة الحرية وحالة الخدمة ، ويعرّفها بهذا التعريف الكلاسيكي في العبارتين المتناقضتين ظاهرياً: 

 

                المسيحي سيد حرّ على الإطلاق ، لا يخضع لأحد

                المسيحي عبد كل شيء ، يخضع لكل واحد

 

ان علاقة المسيحي بالله هي اهم مواضيع لاهوت لوتر ، واما الموضوع الثاني فهو علاقته بالقريب. ويتّسم اسلوب لوتر في كتاباته بالجرأة والوضوح البالغين وخاصة في انتقاده بعض التقاليد الكنسية وممارساتها وتعاليمها آنذاك، التي حجبت تعاليم الإنجيل وقوله بالتبرير بالمسيح. فإن السؤال الذي يواجه لوتر في موضوع مبادئ السلوك هو  "لماذا نعمل ما نعمله؟" وعلى سبيل المقارنة كان سؤال لينين " ماذا يجب علينا عمله؟" فإن لوتر يرى ان الإنسان (المرأة او الرجل) الذي عرف نعمة الله بيسوع المسيح وذاق طعم الحرية والتخلّص من كل القيود لا يكون سلوكه إلاّ استجابة للمحبة ولحاجات القريب. فالدافع لكل عمل يصدر عنه في علاقته مع الناس ينبع من علاقته بالله ،أي علاقة الشكر والفرح.

 

وتجلت تعاليم المصلح في جميع كتاباته الأخرى ، كما تجلّت أيضا في عظاته وترانيمه ، حول مواضيع ملموسة في حياة الإنسان ، منها الزواج الذي اعتبره هبة من هبات الله ، وموضوع الاستعداد للموت الذي بيّن فيه اسباب رجاء المسيحي وثقته، وأما في ما يتعلق بالسلطة الزمنية فيظهر الى أي مدى يجب إطاعتها ، مما يدحض الانتقاد الذي وُجّه اليه انه كان رجعياً متشدّداً . وكذلك حضّ على تأسيس المدارس وخصوصاً بعد إغلاق مدارس الأديرة في المدن  التي كان يرأسها الأمراء المصلحون ، كما شجع على التعليم المختلط. وعندما انتشر الوباء "الموت الأسود" في مدينة فيتنبرغ التي كان هو مقيماً فيها وأغلقت الجامعة وهرب الكثيرون، وجه كتاباً مفتوحاً ضمّنه نصائح عملية مثل ترتيب المقابر وجعلها خارج المدن ، وحث المسؤولين عن الخدمات الصحية والاجتماعية على عدم الهرب ، وذلك بأسلوبه الصريح المعهود : " اني اعلم يقيناً انه لو كان المسيح نفسه او امه نفسها من بين من يعانون هذا المرض، لكان كل واحد منكم (وكل واحدة منكن) توّاقاً الى خدمتهما وتعزيتهما، ولكان كل واحد منكم يقدم على ذلك بشجاعة ولا يفكر ابداً في الهرب….. فإذا اردت ان تخدم المسيح وتعتني به ، حسناً ، فهوذا جارك غير بعيد عنك، اذهب اليه واخدمه ، فإنك حتماً ستلاقي فيه المسيح."

 

ويختم كتابه المفتوح الى البابا بتحذير من الخطر ان هناك بعض الناس الذين ليس همّهم إلاّ ان يسيئوا فهم الحرّية ويعتبروها فرصة للجسد. وكان كلا المعسكرين الكاثوليكي والإصلاحي قد وجّها انتقادهما اليه بسبب هذا الخطر حتى انه نفسه عانى طول حياته من هؤلاء الناس الذين اساؤوا فهم تعاليمه، ولكنه لم يشأ ابداً ان يتراجع عن وصف حياة المسيحي في ظل الحرّية.

 

مما يجدر ذكره انه تم في يوم عيد الإصلاح عام 1999 توقيع بيان تاريخي حول عقيدة التبرير وهي محور لاهوت لوتر ورسالته عن محبة الله المتمثلة بالصليب والإنجيل ، وذلك في مدينة أوغسبورغ في المانيا بين الفاتيكان ممثّلاً في الكاردينال كسيدي رئيس شؤون وحدة الكنائس ، وبين الكنيسة اللوترية ممثلةً بالمطران كلاوزيه رئيس الاتحاد اللوتري العالمي. إن هذا الحدث قد انهى رسمياً العداء بين الكنيستين الذي دام حوالي 500 عام. وهو خطوة هامة على سبيل وحدة المسيحيين على اعتاب الألفية الثالثة ، وخاصة بالنسبة الى التحديات الكبيرة التي تواجههم . 

 

وفي الختام لا يسعنى إلاّ ان اعبّر عن عميق شكري للكنيسة الإنجيلية اللوترية في بيت لحم وراعيها حضرة القس الدكتور متري الراهب للقيام بطباعة هذا الكتاب ونشره. وأرجوه تعالى ان يكون هذا الكتيب جديراً بأن يُضاف الى مكتبة العائلة المسيحية. 

 

 صدر عام 2000                                               (المترجم) 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مارتن لوتر

حرّية المسيحي

                                                ترجمة عن الألمانية الى المحافظ ميلهورست

والإنكليزية (الكتاب المفتوح الى البابا)

 

 

 رسالة الإهداء الى المحافظ ميلهورست (Muehlhorst)

 

 

الى العالم والحكيم السيد هرمن ميلهورست(Hermann Muehlhorst) محافظ تسفيكاو (Zwickau)

 

صديقي الحميم ونصيري الكامل المروءة ، انا مارتن لوتر الراهب الأوغوسطيني ابعث لكم بتحياتي وتمنياتي الطيبة.

 

سيدي العالم والحكيم وصديقي الكريم! لقد حدّثني الأستاذ الوقور واعظكم الجدير بالثناء عن الطافكم ، كما وأطلعني على شغفكم وانشراح نفسكم بالكتاب المقدس، الأمر الذي انتم مستمرون على الاعتراف به والافتخار به امام جميع الناس، مما حمل الأستاذ والواعظ على الرغبة في أن اتعرف اليكم. وقد طاوعته في حثّه عن رضىً وقناعة  لأن من افضل ما تثلج النفس اليه وترتاح به خبر امرءٍ يحبّ الحق الإلهي ويرغب فيه. ومما يدعو الى الأسف ان هناك اناساً كثيرين ، وخصوصاً ممن يفاخرون بألقابهم ، يقاومون الحق بكل ما أوتوا من قوّة ودهاء. وإنه من المسلّم به ان المسيح قد وُضع حجر عثرة وعلامة تقاوَم ، فلا بدّ إذاً ان يكون هدفاً للمخالفة وسبباً لسقوط وقيام كثيرين

(1 كورنثوس 1 : 23  ولوقا 2 : 34 ).

 

ورغبة مني في ان تكون بداية تعارفنا وصداقتنا بداية طيّبة ، فقد احببت وعنيت بأن اهدي اليكم هذه الرسالة البحثيّة باللغة الألمانية، وكنت قد اهديتها الى الشعب باللغة اللاتينية ، راجياً ان احداً لا يعتبر تعاليمي وكتاباتي المتعلّقة بالبابوية عرضةً للاعتراض.

 

اعبّر لكم عن ولائي وإني استودع نفسي نعمة الله.  آمين.

 

 فيتنبرغ عام 1520     (Wittenberg)       

 

 

 

 

 


 

 

كتاب مفتوح موجّه الى البابا ليو العاشر

 

الى البابا ليو العاشر ، البابا في روما ،  من مارتن لوتر  الذي يرجو الخلاص بالمسيح يسوع ربنا.   آمين.

 

ملخّص الكتاب المفتوح

 

وجّه لوتر هذا الكتاب الى البابا بعد ان خاض حرباً شديدة ضد مناوئيه مدة ثلاث سنين ، وناشده فيه ان ينهي النزاع ويفرض السلام باعتباره ذا تأثير قوي وسلطة بالغة في الكنيسة. ويعبّر لوتر عن خالص احترامه لشخص البابا ليو الذي كان يحظى بتكريم جميع الناس وثنائهم، فيسميه  بدانيال بابل، ويدحض القول الباطل ان لوتر لم يستثن حتى البابا من الهجوم عليه. أما الدافع الآخر الى هذه الرسالة فكان تدخّل آباء الطغمة الكنسية الأوغوسطينية ، وهي الطغمة التي كان لوتر ينتمي اليها ، والذين كانوا يحبّذون الطرق السلمية والابتعاد عن العنف، فهم أشاروا عليه بأن يرفع دعواه الى البابا ويبرّر موقفه ، مؤكّدين ان القضية لم تصل بعد الى طريق مسدود.

 

يقول لوتر انه لا يهاجم الأشخاص ولا حتى سلوكهم الأخلاقي ، لكنه يعارض بشدّة عدم تقواهم والتعاليم المضللة  وأنه مصمم على الاستمرار والمضيّ على هذه الطريقة بحماسة مفرطة ، متمثّلاً بالمخلّص نفسه وبالرسول بولس. فإنه ليس هناك احد في الكتاب المقدس مثل هذا الأخير في التعبير عن استنكار الضلال ورفض الباطل بالكلام اللاذع، ومن بين الأمثلة التي يذكرها لوتر (اعمال 13 : 10) حيث يصم بولس عليم الساحر بوصمة العيب والعار ويسمّيه " الممتلئ كل غشّ وخبث " و " ابن ابليس" .

 

ويقرّ لوتر بأنه يحتقر الإدارة البابوية او السلطة الحاكمة في كنيسة روما آنذاك، لأنها اصبحت بالغة الفساد وباب الجحيم بعد ان كانت قبلاً باب السماء. وكان افرادها يتستّرون بأفعالهم وراء البابا فيصفه لوتر بالحمل وسط الذئاب. ويروي لوتر بإسهاب المحاولات الكثيرة الرامية الى إصلاح الصدعات بينه وبين رجال الكنيسة ، وكيف انها كلها باءت بالفشل ، وكان سبب ذلك دائماً زعماء الكنيسة الذين نكثوا عهود الاتفاق المبرومة جرياً وراء مصالحم وشهرتهم الشخصية. ومن بين هؤلاء اثنان كانا الدّ اعدائه هما الدكتور إكّ والدكتور كايتان. ويحذّر البابا من أصوات الغواة المضللين الذين "يزعمون انك نصف إله ولك سلطان على السماء والجحيم والمطهر ، وأن ليس لأحد سواك حق تفسير الكتاب المقدس" .

 

يفوّض لوتر الحكم في القضيّة الى البابا ويُبدي استعداده لقبول تحكيمه ، شريطة ان لا يطلب اليه التخلّي عن معتقداته وتعاليمه وشجبها او استنكارها علناً ، الأمر الذي كان يصرّ عليه إكّ وكايتان. أما الشرط الثاني فهو ان لا يتعرّض احد الى حرّية كلمة الله "لأن كلمة الله لا تقيّد" (2 تيموثاوس 2 : 9 ) وأن لا يكون تفسيرها وقفاً على بعض الأشخاص الكنسيين.

 

ويختم رسالته بقوله: " اني اجرؤ على الكتابة اليك وإن كنا جميعنا نحتاج الى ان نتعلّم منك. لكنني اتبع مثال القديس برنارد كليرفو الذي كتب كتاباً اهداه الى البابا اوجينيوس الثالث ، 1145 – 1153 ، وبحث فيه واجبات البابا والأخطار المتعلّقة بتبوّئه الكرسي البابوي، وهو كتاب " الرّويّة والحذر " (on consideration) . وأخيراً لا أريد ان اتقرّب اليك صفر اليد أيها الأب المبارك، فها اني مرسل اليك هذا البحث الصغير : "حرّيّة المسيحي" وأهديه لك إكراماً علامة السلام والأمل الطيب. وبإمكانك ان تحكم من خلاله بان هناك دراسات ذات فائدة كبيرة أقدر على ان اقوم بها لو كان المتملّقون يفسحون لي المجال لذلك، وحبذا لو فعلوا ذلك في الماضي. وفي اعتقادي ان هذا البحث يشتمل على كامل الحياة المسيحية مختصراً ، إذا أدرك المرء معناها. اني رجل فقير وليس عندي أمر آخر أهديه اليك، فإنك لست بحاجة الى أيّة هديّة إلاّ هديّة روحية. ليحفظك الرب يسوع على الدوام.  آمين.

 

السادس من أيلول 1520                        فيتنبرغ   Wittenberg

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرّيّة المسيحي

 

1520

 

-   يسوع  -

 

(1)

 

آ – الإيمان المسيحي ليس موضوعاً سهلاً كما يظن الكثيرون. فإن احداً لا يحسن الكتابة عنه او فهم ما كُتب عنه الاّ اذا كان قد اختبر القوّة التي يؤاتيها الإيمان. وإني لا افتخر بأن لي وفرة من الإيمان ولكن ولو اني أوتيت هذا القدر الضئيل منه فإني آمل ان اكون قادراً على بحث الموضوع في صميمه وبصلة وثيقة به. كما اقرّ ايضاً باني لا أحسن تنميق الألفاظ وتحسينها كما يفعل بعضهم ممن يأخذون بالمعنى الحرفي في مجادلاتهم الحاذقة ، وهم لا يفهمون حتى ما  كتبوه هم بأنفسهم.

 

ب – وسعياً لمعرفة الإنسان المسيحي معرفة تامّة ، وللمقدرة على ادراك الحرّيّة وما هي عليه من الحال ، وهي الحرّيّة التي احرزها المسيح للمؤمن وأناله بها ، والتي كثيراً ما كتب عنها القديس بولس، اودّ ان اطرح هاتين القضيتين الفرضيّتين في ما يتعلّق بحرّيّة الروح وعبوديتها :

 

الإنسان المسيحي سيّد كل الأمور ، إنه حرّ لا يخضع لأحد

               

الإنسان المسيحي عبد كل الأمور ، إنه مطيع يخضع لكل واحد

 

إن هاتين القضيتين من تعابير القديس بولس نفسه إذ قال (1 كورنثوس 9: 19): " فإني إذ كنت حرّاً من الجميع استعبدت نفسي للجميع ".  وايضاً ( رومية 13 : 8 ): " لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلاّ بأن يحبّ بعضكم بعضاً". أما المحبة فتنقاد لمن تحبه وتخضع له ، كما هو مكتوب عن المسيح ايضاً ( غلاطية 4 : 4 ): وهو وإن كان سيّد الكل إنما " أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة ، مولوداً تحت الناموس". وهكذا فإنه كان في آن واحد حرّاً وعبداً ، فقد كان في "صورة الله" وكان ايضاً في " صورة عبد" ، ( فيلبي 2 : 6 و 7 ).

 

 

 

(2)

 

يبدو الكلام عن الحرّيّة والعبوديّة في هاتين القضيتين كلاماً فيه تناقض . أما إذا وُجد الكلام منسجماً خالياً من التعقيد فإنه  يفي بالغرض. أما الآن فدعونا نبدأ بموضوع آخر، الذي وإن كان بعيداً عن موضوع بحثنا لكنه أكثر وضوحاً وأسهل فهماً. ذلك ان للإنسان طبيعتين ، روحية وجسدية. ويشير الناس الى طبيعة الإنسان الروحية بأنها النفس ، فيدعون الإنسان روحانياً وباطنياً وجديداً. أما فيما يتعلّق بكون الإنسان لحماً ودماً فإنه يُدعى انساناً جسدياً وخارجياً أو ظاهرياً وعتيقاً. يكتب الرسول عن ذلك (2 كورنثوس 4 : 16) : " وإن كان انساننا الخارجي يفنى فالداخل يتجدد يوماً فيوماً". وهناك جمل في الكتاب المقدس تعبّر عن هذا التناقض تعبيراً مباشراً لا لبس فيه بسبب اختلاف الطبيعتين ونظراً لتناقض هذين الإنسانين في الإنسان الواحد ذاته. ومثلاً على ذلك: "لأن الجسد يشتهي ضدّ الروح والروح ضدّ الجسد. وهذان يقاوم احدهما الآخر." ( غلاطيه 5 : 17).

 

(3)

ولنبدأ أولاً بالتأمّل في الإنسان الباطني لكي نرى الأسباب التي يتوصل بها المرء الى ان يكون ميسحياً تقيّاً وحرّاً وتجعله معروفاً بهذه الصفات. ومن الواضح ان ليس هناك ايّ شيء خارجي له تأثير في إحداث بِرّ المسيحي او حرّيّته  أو في إحداث ما ينتج عنه الشرّ او العبودية.ويكفي هذا البرهان البسيط التالي على صحة هذا القول وإيضاحه. فماذا ينفع النفس إذا كان الجسم حرّاً ومعافىً ومفعماً بالنشاط ، وإذا كان يأكل ويشرب ويسلك كما يشاء؟ فإن اكثر الناس إلحاداً وارذلهم أخلاقاً قد يحققون نجاحاً في هذه الأمور. ومن ناحية أخرى ، ماذا يضرّ النفس إذا كان الجسم مريضاً او محبوساً او ضعيفاً في العمل والبدن ، أو كان يجوع ويعطش ويقاسي ما يحلّ به من مكاره الحياة ، وهو عديم القدرة على الاعتراض والمنع؟ فإن اتقى الناس لله ، والأحرار ذوي الضمائر الحيّة قد يُبتلون بهذه الأمور. إن شيئاً واحداً من هذه الأمور التي ذُكرت لا يصل الى النفس ولا يمسّها ، ولا هو بقادر على ان يحررها او يأسرها، ولا على جعلها صالحة او شريرة.

 

(4)

  وهكذا لا ينفع النفس بأيّة حال لو لبس الجسد الثياب المكرّسة كما يلبس الكهنة والروحانيون، او اقام في الكنائس والأماكن المقدّسة ، او شُغل بالصلاة والصوم والحج وامتنع عن بعض الأطعمة وانهمك في الأعمال الدينية التي لا تتعدّى الجسد ، فهي من طباع الجسد التي جبل عليها ، فتصدر عنه وتحدث فيه وحده. إن النفس لفي حاجة الى أمرٍ آخر يؤاتيها البِرّ والحرّيّة ، ويختلف هذا الأمر اختلافاً كبيراً عن الأمور التي مرّ ذكرها. لأن أيّاً من الناس الأشرار والمرائين يقدر على القيام بكل هذه الأعمال والأساليب وأن يتعوّدها ، إذ لا ينتج منها سوى أناس مرائين. ومن ناحية أخرى لا يضرّ النفس لو لبس الجسد الثياب الدنيوية وأقام في أماكن غير مقدّسة ، وإذا كان يأكل ويشرب مثل باقي الناس، وكان يهمل الحجّ والصلاة بصوت عالٍ ، ويترك جميع اعمال المرائين المذكورة.

 

(5)

علاوة على ذلك لا ينفع النفس ايّ عمل من الأعمال، مهما كانت هذه الأعمال نافعة ولا بأس بها ، ولا حتى الاستغراق في التأمّل الروحي ولا شيء من كل ما يمكن النفس ان تعمله، إنما هناك شيء واحد فقط ليس للنفس سواه لا في السماء ولا على الأرض كي تحيا به وتنال البِرّ والحرّيّة ، ألا إنه كلمة الله البالغة غاية القداسة. إنه الإنجيل الذي بشّر به المسيح. كما يقول هو نفسه (يوحنا 11: 25): " أنا هو القيامة والحياة. مَن آمن بي ولو مات فسيحيا". وايضاً (يوحنا 8: 36): "إن حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون احراراً". و (متى 4 : 4 ) : "ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". دعونا اذاً ان نكون واثقين في ان النفس تقدر على ان تستغني بكلمة الله عن أي شيء آخر ، وانها إذا فقدت هذه الكلمة فلا عون لها على الإطلاق. لأنه حيث كلمة الله فهناك لا يعوز المرء شيء لأنها كلمة الحياة والحق والنور والسلام والبِرّ والخلاص والفرح والحرّيّة والحكمة والقوة والنعمة والسعادة، وانها فيض من كل بركة. وهكذا فإننا نقرأ في عدة مزامير وخصوصاً  المزمور 119 ان ناظم المزمور كانت تنزع نفسه الى كلمة الله فلم تكن تتوق نفسه وتشتاق إلاّ اليها، داعياً إياها بأسماء كثيرة جداً لينعتها بما فيها من الصفات الحميدة.

 

ومن ناحية اخرى ليس في الكتاب المقدس بين النكبات التي يبتلي بها الله عباده أشدّ من نكبة الجوع الى استماع كلمة الرب ( عاموس 8 :11)، أي عندما يمنعهم منها. وأيضاً ليس هناك بين نعمه اعظم من نعمة كلمته عندما يرسلها اليهم، كما يقول المزمور (107 : 20 ) : " أرسل كلمته فشفاهم ونجّاهم من مهالكهم." إن المسيح نفسه لم يأتِ لأجل عمل يتولاّه إلاّ لكي ينادي بكلمة الله. وعلاوة على ذلك لم تكن دعوة الرسل والأساقفة والكهنة وطبقة الروحانيين بأكملها ولم يتمّ تعيينهم في مناصبهم إلاّ من اجل كلمة الله.

 

(6)

آ - لعلّما انت تسأل: "ما هذه الكلمة الجزيلة النعمة وكيف ينبغي ان استعملها، نظراً لأن كلمات الله كثيرة جداً؟" وجوابي على سؤالك هو: "ليست كلمة الله إلاّ بشارة الله عن ابنه الواردة في الإنجيل ، وقد أجملها الرسول بولس في مستهلّ رسالته الى رومية. وكذلك في رسالته الأولى الى تيموثاوس (اصحاح 3 : 16):  ان الله ظهر في الجسد وتألم وقام من بين الأموات ورُفع في المجد بحسب روح القداسة. ان من شأن هذه الكلمة والغرض الذي ترمي اليه ان تجعلك تصغي الى ما يقوله لك الله ، أن حياتك واعمالك لا شيء البتّة ، وأن مصيرك ومصير كل ما بك وكل ما لك هو الى الهلاك لا محالة. فإذا آمنت واثقاً بأنك مستحق ذلك المصير وإذا شعرت بالإثم واعترفت به فلا بدّ ان تقع في اليأس من نفسك وان تقرّ بصحّة آية النبي هوشع ( اصحاح 13 : 9): "هلاكك منك يا إسرائيل، وإنما معونتك فيّ. " وكي تستطيع ان تتخلّص من ذاتك ومن الحال الذي انت فيه، أي من الهلاك المحدق بك، يعرض الله عليك ابنه الحبيب يسوع المسيح وذلك من خلال كلمته الحيّة المعزّية التي تقول لك: " عليك بتسليم ذاتك اليه وبالإيمان الراسخ به وبالاتكال عليه بدون وجل. فإنه من اجل هذا الإيمان وإكراماً له تُغفر لك كل خطاياك، ويُصبح كل الهلاك الذي كنت مشرفاً عليه مغلوباً مهزوماً، فتكون انت مبرّراً ومستقيماً اخلاقياً ومتسالماً وتقيّاً ، وتمسي جميع الوصايا الإلهية متممة ، وتُعتق انت من كل ما كنت مستعبداً له لكي تصبح حرّاً من كل شيء." هذا ما يقوله القديس بولس (رومية 1: 17) :" ان المسيحي البارّ يحيا بإيمانه فقط". ويقول ايضاً في (رومية 10: 4) : "إنما غاية الناموس هي المسيح للبِرّ لكل من يؤمن."

 

  ب –  ( ربما الملاحظات التالية تدور حول نفس الموضوع  الذي ورد ذكره  اعلاه ولكن بكلمات اخرى وإيضاحات إضافية).  التبشير بالمسيح يعني تغذية النفس وتبريرها وتنجيتها شريطة ان تؤمن هي بهذا التبشير. لأن الإيمان وحده هو العامل الفعّال القادر ان يتخذ كلمة الله ليفضي بك الى الخلاص، وذلك استناداً الى (رومية 10: 9): "لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت". لا يمكن لأية اعمال مهما كانت ان تتقبل كلمة الله إلاّ الإيمان وحده فهو القادر على ذلك. فمن الواضح إذاً ان النفس وهي التي تحتاج الى كلمة الله فقط مِن اجل ان تحصل على الحياة والبِرّ ، لا تتبرّر إلاّ بالإيمان وليس بالأعمال. لأنه لو أمكنها ان تتبرر بأي شيء آخر لما كانت بحاجة الى الكلمة وبالتالي لما كانت بحاجة الى الإيمان. لا يمكن للإيمان ان يكون معلّقاً بالأعمال ، وبكلام آخر إذا كنت تعتقد انك تتبرر بالأعمال – مهما كانت صفاتها- فإن ذلك يشبه  " العرج  بين الجانبين " ( 1 ملوك 18 : 21 )، أي عبادة البعل وعبادة الله، وهي "جريمة كبيرة" كما يصفها ايوب ( اصحاح 31 : 27 – 28 ). وبناءً عليه فإنك في ذات اللحظة التي يبدأ فيها ايمانك تتعلّم ان كل أمورك بالإجمال مستحقة اللوم وخاطئة ومحكوم عليها بالعقوبة السرمدية، كما يقول الرسول (رومية 3 : 23): " إذ الجميع اخطأوا وأعوزهم مجد الله". وايضاً: ( رومية 3 : 10 – 12): "انه ليس بارّ ولا واحد… الجميع زاغوا وفسدوا معاً". وعندما ما تُدرك هذه الحقيقة سوف تعرف انك تحتاج الى المسيح، الذي تألم وقام من أجلك، حتى اذا كنت تؤمن به ، تصبح بفضل هذا الإيمان انساناً جديداً ، طالما خطاياك قد غُفرت وطالما انت قد تبرّرت باستحقاقات شخص آخر ، أي باستحقاقات المسيح وحده.

 

(7)

لذلك يتعيّن على كل مسيحي ان يُعنى اول كل شيء بالكلمة وبالمسيح ، وبأن لا يكون اهتمامه إلاّ بهما، حتى يطرح عنه كل ثقة بالأعمال وحتى يُقوّي اكثر فأكثر الإيمان الذي به وحده ينمو لا الى معرفة الأعمال بل الى معرفة المسيح الذي تألم وقام من أجله، كما يعلّم الرسول بطرس في آخر رسالته الأولى ( اصحاح 5 : 10) : "وإله كل نعمة الذي دعاكم الى مجده الأبدي في المسيح يسوع، بعدما تألمتم يسيراً هو يجعلكم كاملين راسخين مؤيّدين مؤسسين". فإنه ليس هناك عمل آخر يقدر على ان يشكّل جوهر المسيحي . وكما يقول المسيح لليهود عندما سألوه (يوحنا 6 : 28 ): " ماذ1 نصنع حتى نعمل أعمال الله؟" فإنه لم يُبالِ بكثرة الأعمال التي كانوا يعملونها بإسراف ووفرة ، لكنه أشار عليهم ودلّهم على وجه الصواب الوحيد قائلاً ( يوحنا 6: 29) : "هذا هو عمل الله ان تؤمنوا بالذي ارسله". وايضاً ( يوحنا 6 : 27) : " لأن هذا قد ختمه الله الآب".

 

ان الإيمان الصحيح بالمسيح كنز لا يُضاهى ، لأنه يحمل في ضمنه الخلاص التام، فيؤاتي الإنسان بالغ السعادة ويخلّصه من كل شر، كما يقول المسيح في الأصحاح الأخير من انجيل مرقس ( اصحاح 16: 16 ) : "من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدَن ". وتأمّل النبي اشعياء في هذا الإيمان وفي غِناه وتنبّأ عنه قائلاً ( اشعياء 10: 22): "سيُرجع الله بقيّة من الشعب ، إذ قد قضى بفناءٍ يفيض فيه العدل (أي البرّ لأن كلمتي البرّ والعدل هما كلمة واحدة في اللغة الألمانية . ملاحظة المترجم). كأن النبيّ عنى بقوله " أن الإيمان الذي هو بالاختصار تكميل الناموس تكميلاً تاماً يملأ المؤمنين بِرّاً فيصبحون ملآنين مفعمين به فلا يحتاجون الى شيء آخر سواه كي يصبحوا صالحين مبرّرين". كذلك يقول القديس بولس ( رومية 10 : 10) : " لأنه بالقلب يؤمن الإنسان للبرّ".

 

(8)

قد تسأل كيف يحدث هذا الأمر يا تُرى؟ هل الإيمان وحده يبرّرنا ويؤاتينا كنزاً عظيم الفوائد كهذا الكنز ، وبدون اعمال ، نظراً الى العديد من الوصايا والأعمال وانظمة الأطعمة والشعائر التي يفرضها الكتاب؟ أجيب سؤالك: اذكر اول كل شيء ما سبق قوله ان الإيمان وحده وبدون الأعمال يهب الصلاح والحرّيّة والسعادة ، وفي ما بعد سنورد المزيد من الإيضاح على ذلك. اما هنا فمن الواجب ان نشير الى ان الكتاب المقدس بأكمله يُقسم الى قسمين: 1) الوصايا او ناموس الله و 2) الوعود او بشائر الخير . اما الوصايا فإنها تعلّم وتفرض الأعمال المختلفة الجيدة ، لكن هذه الأعمال لا تتم بمجرّد تعليمها، لأن الوصايا ترينا ما يجب علينا عمله ولكنها لا تعطينا القوة على العمل به. والغرض الذي ترمي اليه الوصايا هو تعليم الإنسان ان يعرف نفسه ، أي ان يقرّ بعجزه عن عمل الصالح وييأس من قدرته الذاتية. هذا هو سبب تسمية الوصايا بالعهد القديم والذي يتألف منها العهد القديم، وإن كل وصية من الوصايا جزء لا يتجزّأ منه. فمثلاً الوصية " لا تشتهِ " (خروج 20: 17 ) ، تثبت اننا جميعنا خطاة ، لأن أحداً لا يستطيع ان يتجنب الشهوة ويتحاماها مهما قاوم بجهد كبير. إذن كي لا يشتهي المرء وكي يتمم الوصية لا بدّ من ان ييأس من نفسه ويلتمس العون الذي لا يجده في نفسه، إنما يجده في مكان آخر ويناله من شخص آخر. كما بيّنه النبي هوشع (اصحاح 13 : 9 ): " هلاكك فيك يا إسرائيل ، وإنما معونتك فيّ" . وهذا هو الحال مع الوصايا الأخرى كلها، لأننا لا نستطيع حفظ واحدة منها فهي كلها في هذا الأمر سواء.

 

(9)

أما وقد عرف الإنسان قصوره وتيقّنه وشعر به بتأثير فعل الوصايا ، ومن ثَمّ اشتدّ عليه الغمّ والهمّ بشأن مطالب  الناموس ، فأمسى حائراً في أمرها كيف يفي بها، لأن الناموس يجب تكميله بأسره وبجوانبه كلها حتى لا يلغى منه حرف واحد او نقطة واحدة ، وإلاّ يصبح المرء  مستوجب الدينونة لا رجاء له البتّة. فها هو قد خاب سعيه ، وذهبت كل آماله ضياعاً ، وأصبح في عيني نفسه ذليلاً لا يجد في ذاته شيئاً ما يبرّره وينقذه. ولما ان يجيء هذا الوضع هوذا  الجزء الثاني من الكتاب يطلّ علينا عوناً لنا على هذا الأمر ، انه الوعود الإلهية الباعثة لى الأمل، ومعلنة إيانا بمجد الله قائلة: " اذا اردت ان تتمم الوصايا كلها ورغبت في التخلّص من شرّ شهوتك الرديئة ومن خطيتك، بحسب ما يطالبك به الناموس ويجبرك عليه ، وتثبيتاً لما يحكم به الله ، هلمّ وارفع طرفك الى فوق ، وآمن بالمسيح ، فإني ابشرّك به بكل نعمة وبرّ وسلام وحرّية . إن آمنت حصلت على كل شيء ، وإن لم تؤمن اعوزك كل شيء."  فالأمر الذي كان غير مستطاع عندك في محاولتك تكميل كل اعمال الناموس – وما اكثرها ، لكن لا طائل فيها – اصبح هذا الأمر سهلاً عليك وبدون تعقيد، لأن الله أبانا جعل كل شيء يعتمد على الإيمان. فمن كان له ايمان يكون له كل شيء ويصير سعيداً ، وكل من لم يكن له ايمان لا يكون له شيء البتّة. وهكذا تعطي وعود الله ما تطالب به الوصايا ، وتتمم ما يفرضه الناموس ، لكي يكون كِلا الأمرين لله وحده أي الوصايا وتتميمها. فهو وحده يفرض وهو وحده يتمم. لذلك كانت وعود الله هي كلمته الخاصة بالعهد الجديد ، بل هي العهد الجديد حقاً.

 

(10)

نظراً الى ان مواعيد الله هذه وأيضاً كل كلماته الإلهية مواعيد وكلمات مقدسة وصادقة وعادلة ، فإنها تملأ الإنسان فرحاً وسلاماً ، وهي كثيرة الخير وفاضلة من كل شيء، فإذا  تمسّكت النفس بها بإيمان راسخ واتّحدت بها اتّحاداً  شديداً محكماً ، تصبح جميع فضائل الكلمة ملكاً لها، ذلك بعد ان استحوذت عليها حتى الإشباع وحرّكت مشاعرها حتى الثمل العاطفي. وهكذا تجعل كلمة الله النفس ، بواسطة الإيمان المجرّد ، نفساً مبرّرة ومقدّسة ومحبّة للحق ومسالمة وحرّة وممتلئة بكل بركة وصلاح، فتصير هذه النفس ابنة الله حقاً ، كما يقول البشير يوحنا ( 1 : 12) : " أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً ان يصيروا اولاد الله، أي المؤمنون باسمه".

 

يسهل على المرء ان يرى من خلال ما سبق قوله المصدر الذي يمدّ الإيمان بهذه القوة الهائلة، وأن يُدرك ان أيّ عمل صالح بل كل الأعمال الصالحة لا تقدر على ان  تُضاهي هذه القوة. ذلك انه ليس باستطاعة أي عمل صالح ان يتعلّق بكلمة الله ويستمسك بها كما يتعلّق الإيمان ، وليس باستطاعة أي عمل صالح ان يسكن في النفس كما يسكن الإيمان. لأن الإيمان والكلمة هما وحدهما الهيئة الحاكمة في النفس، فتصبح صفات الكلمة صفات النفس ايضاً، فكما ان الحديد الحامي يتوهّج كالنار المتّقدة بسبب اتحاده بها، هكذا تنقل الكلمة خصائصها الى النفس المتقلّقة بها. من الواضح إذاً ان الإيمان يكفي الإنسان المسيحي ويحصل به الاستغناء عن كل شيء سواه ، فلا يحتاج الى الأعمال لتجعله صالحاً ، وإذا لم تحوجه الأعمال فقد أُعتق من جميع الوصايا والفرائض، وإذا أُعتق من هذه اصبح بالحقيقة حرّاً. إنه لأمر يقين " ان الناموس لم يوضع للبارّ" ( 1 تيموثاوس 1: 9 ). هذه هي الحرّيّة المسيحية ، انها الإيمان وحده ، الإيمان الذي ليس من خلّته ان يقودنا الى حياة الكسل والبطالة والشرّ ، ولا الى ان نميل اليها ، بل انه يجعل الناموس وأعماله غير ضرورية لتبريرنا وخلاصنا. وهناك المزيد على هذا الموضوع في ما بعد.

 

(11)

كانت هذه اولى قوات الإيمان. ولنتدبّر الآن القوة الثانية وننظر فيها. ان أحد أعمال الإيمان الأخرى انه يجلّ المؤمن اعظم إجلال كونه يثق به، لأن المؤمن يعتبره صادقاً وجديراً بالثقة. ليس هناك شرف آخر يعتدّ به الإنسان اعظم من ان يُقال فيه انه صادق وموثوق به. ومن ناحية اخرى ليس هناك احتقار يذلّ الإنسان اشدّ من فضحه بأنه منافق وكاذب ومشكوك فيه، فهو غير جدير بالثقة. وهكذا النفس ايضاً عندما تؤمن بكلمة الله وبمواعيده ايماناً راسخاً فهي تعدّ الله صادقاً ومصدر خير وعادلاً بارّاً. وبهذا توليه اعظم إجلال وتعبده اسمى عبادة لا يمكن ان يفوقهما إجلال او عبادة اخرى، وبالتالي تنقاد الى مشيئته بطيبة وتقدّس اسمه وتسلّم ذاتها له ليعاملها كما يحسن في عينيه. فإنها إذ تتمسك بمواعيده لا تشكّ في انه كفيّ يغينها عن كل شيء سواه وانه صاحب الحق لا حق لغيره فيه، وانه صادق وعادل وحكيم يُحسن التدبير ويعمل على ان تصير كل الأمور الى أحسن حال.

 

أليس إيمان هذه النفس غاية في إطاعة الله ، إذ هي تطيعه في كل شيء إطاعة تامة؟ وهل هناك بعد وصية لم تَفِها هذه الطاعة حقّها الكامل؟ وهل من تكميل للوصايا أكمل وأتمّ من الطاعة في كل شيء؟ ومع ذلك لا تستطيع الأعمال ان تطيع هذه الطاعةلأنها عمل الإيمان وحده. ومن ناحية اخرى ليس هناك أي احتقار لله عزّ وجلّ ، ولا أي عصيان وخروج عن طاعته شرّاً من عدم تصديق مواعيده، لأن هذا الأمر ليس إلاّ اعتبار الله كاذباً او مشكوكاً في مصداقيته، أي ان يَنسب المرء المصداقية الى ذاته والكذب والباطل الى الله. ان من يفعل ذلك يستحبّ الكفر على الإيمان ويجحد الله وينصّب ذاته إلهاً زائفاً في قلبه. فما نفع الأعمال التي تجرى في هذه الحال يا تُرى؟ حتى وإن قام بها الملائكة والرسل انفسهم؟ ولكن الإيمان الذي يعمل اعمال الحق والبرّ إنما يعطي ما لله لله ، وعندما يرى الله اننا نعدّه صادقاً ونجلّه الإجلال اللائق به، فإنه بدوره يضفي شرفا على برّنا وينيلنا ذلك الشرف العالي إذ يحسبنا صادقين وأهلاً للبرّ إكراماً لإيماننا، بل انه يجعلنا حقاً صادقين وصالحين وابراراً. انه عين الصواب والحق ان الله امين وصادق  وعادل بارّ، وإذا كنا نعتبره ونقرّ بأنه كذلك ، فإن هذا يعني بالتأكيد أننا نحن ايضاً امناء وصادقون وأبرار. ووفقاً لذلك يقول الرب في ( 1 صموئيل 2 : 30) : " فإني اكرم الذين يكرمونني ، والذين يحقرونني يصغرون". ويقول ايضاً الرسول بولس  (رومية 4 : 3 ) : " آمن ابراهيم بالله فحسب له ذلك برّاً ". (انظر ايضاً تكوين 15: 6 ). لأن ابراهيم اعطى الله المجد البالغ رتبة الكمال ( أي الإيمان به ) ، ولهذا السبب عينه يحسب الله ايماننا برّاً لنا ، إذا كنا مؤمنين.

 

(12)

فائدة الإيمان الثالثة هي من فوائده التي لا تُضاهى ، إذ ان الإيمان يقرن النفس بالمسيح فيجمعهما في اتحاد العروسة بالعريس. واستناداً الى تعليم الرسول بولس يصير المسيح والنفس بهذا السّرّ كلاهما جسداً واحداً (  افسس 5 : 31 و 32 ) . وينتج عن طريق هذا الاتحاد الجسدي الذي هو حقاً زواج صادق ويفوق جميع عقود الزواج البشرية كمالاً ، ان يصبح كل شيء عندهما مشتركاً ، أكان الشيء خيراً أم كان شرّاً. وبناء عليه بإمكان النفس المؤمنة أن تتفاخر بكل ما يملكه المسيح وأن تتهلّل وان يتلألأ وجهها من السرور به كأنه ملكاً لها تخصّه بنفسها. أما كل ما للنفس فهو حقّ المسيح ويختصّه بنفسه. ولنقارن الأمور التي يتبادلانها فنرى من الفوائد ما لا يُثَمّن . فالمسيح ممتلئ نعمة وحياة وخلاصاً، والنفس حافلة بالخطايا والموت وما يستوجب الحكم عليه. والآن دع الإيمان يجيء بينهما فتصبح الخطايا والموت واللعن للمسيح ، في حين تصير النعمة والحياة والخلاص نصيب النفس. لأنه اذا كان المسيح العريس ، فواجب عليه ان يأخذ على عاتقه الأمور الخاصة بعروسه ، وأن يمنحها الأمور الخاصة به. ولِمَ لا يعطيها كل ما هو له وقد اعطاها جسده وذاته؟ ولِمَ لا يأخذ كل ما لها وقد أخذ جسدها؟

 

إن امامنا رؤية فتّانة ومصدر سرور وابتهاج عظيمين ، فهذا الذي نراه ليس صلة حميمة فحسب ، بل انه الصراع والنصر والخلاص والفداء المباركة . لأن المسيح هو الله والإنسان في شخص واحد ، انه لم يخطئ ولم يكن خاضعاً للموت ولم يُحكم عليه بذنب قط في الماضي ، كما انه مدى الدهر ذو عصمة من الخطية ، ولا يسود عليه الموت ولا يُحكم عليه بذنب. إن برّه وحياته وخلاصه لا تُقهر بل هي خالدة وكلّية القدرة. وبواسطة خاتم الزواج ،الذي هو الإيمان، يتّخذ خطايا النفس والموت وعقوبة الجحيم التي تستوجبها النفس خاصة به، فلا يتصرّف إلاّ كأنه هو نفسه عمل تلك الخطايا. انه تألّم ومات ونزل الى الهاوية كي ينتصر على الهاوية والموت انتصاراً كاملاً باهراً ، وبما انه صارع الموت والهاوية هذا الصراع المرير الشديد ، وبما انهما لم يقويا على ابتلاعه ، فلا بدّ انهما  ابتُلِعا هما في الغلبة، لأن برّه اعظم من خطايا كل البشر، وحياته اقوى من الموت ، وخلاصه يفوق الهاوية شدّة واعتزازاً. وهكذا تصبح النفس المؤمنة عن طريق عربون ايمانها حرّةً في المسيح عريسها، متحرّرةً من الخطايا كلها، ومصونةً من الموت والهاوية، فقد مُنحت هبات عريسها المسيح، مُنِحت برّه وحياته وخلاصه، وبالتالي هو يهديها لنفسه عروساً مجيدةً لا كلف فيها ولا غضن ، مطهّراً اياها بغسل الماء بالكلمة ( افسس 5 : 26 و 27) ، أي كلمة الحياة والبرّ والخلاص. وانه على هذا النحو يتزوّجها الى الأبد بالأمانة والعدل والحق والرأفة والمراحم (هوشع 2 : 19و 20).

 

مَن يمكنه ان يَقْدر هذا العرس الملوكي حقّ قدره؟ من يمكنه ان يدرك غنى هذه النعمة ويسبر عمقها ويستقصي مجدها؟ هوذا العريس السماوي ، المسيح الوافر الغنى يتزوّج هذه الفقيرة المنبعثة في المعاصي والشريرة ويفديها من كل شرورها ويزيّنها ويحلّيها بكل صلاحه وخيره. فمنذ الآن لا تقدر عليها الخطايا، لأن الخطايا قد القيت على المسيح وابتُلعت فيه. وقد أصابت هي من برّ المسيح عريسها مما تقدر على ان تفاخر به كأنه برّها ، وان تبديه للعيان بغير تردّد جنباً الى جنب مع خطاياها على الرغم من الموت والهاوية وتقول: " إذا كنت انا قد أخطأت ، فمع ذلك لم يُخطئ مسيحي الذي أومن به. لأن كل ما له هو لي وكل ما لي هو له" ، كما تقول العروس في نشيد الأنشاد (اصحاح 2 : 16) :" حبيبي لي وانا له". ان هذا الأمر عينه قد عناه الرسول بولس بما قاله ( 1 كورنثوس 15: 57): " فشكراً لله الذي منحنا الغلبة بربنا يسوع المسيح"، أي الغلبة على الخطية والموت ، وكما يقول ايضاً في نفس الموضع: "ان شوكة الموت هي الخطية وقوة الخطية هي الناموس" ( 1 كورنثوس 15 : 56).

 

(13)

إنك ترى هنا مرّة أخرى لأيّ علّة يُعزى الى الإيمان هذا المقدار الوافر، أعني انه وحده يقدر على تكميل جميع الوصايا وعلى التبرير بدون الأعمال. فإنك ترى ان الوصية الأولى والعظمى التي تقول ان " اعبد الإله الواحد" لا يتممها الاّ الإيمان لا سواه. وإنك لو لم تكن إلاّ أعمالاً صالحة تامّاً وكاملاً من قمّة الرأس الى أخمص القدم ، لن تكون بارّاً ولن تعطي مجداً لله، وهكذا لا تتمم الوصية العظمى، لأن عبادة الله بالحق لا تكون الاّ بأن يُنسب اليه المجد والحق وكل الصلاح اللائق به، ولكن هذا النسب لا تؤاتيه الأعمال بل ايمان القلب الذي هو رأس الصلاح وكل كيانه. اننا لا نمجد الله بالأعمال لكننا نمجّده بالإيمان والاعتراف بأنه أمين ومِصداق. لذلك كان الإيمان برّ المسيحي وتكميل جميع الوصايا، لأن مَن كمّل الوصية الأولى لا يصعب عليه تكميل جميع الوصايا الأخرى.

 

وبما ان الأعمال اشياء لا حياة فيها ولا روح ، فلا يمكنها ان تمجّد الله ، أمّا إذا كان الإيمان حاضراً واقترن بها، فبإمكانها تَمجيد الله. لكننا لسنا هنا في صددد السؤال عن أيّ الأعمال او عن انواعها التي ينبغي لنا عملها، بل عمّن يوجدها وعمّن يمجّد الله ويبتدعها. انه الإيمان الساكن في القلب وهو مصدر كل برّنا وجوهره. لذلك كانت التعاليم التي تقول بتتميم الوصايا عن طريق الأعمال هي تعاليم مضللة وخطرة. لأن التتميم يجب ان يسبق كل الأعمال ولأن الأعمال تنشأ عن التتميم ( رومية 13 : 10 ). وكما سنسمع عن هذا الموضوع في ما بعد.

 

 

(14)

ومن اجل المزيد من الفحص والتدقيق في النعمة التي لنا في المسيح ، ومن اجل الوقوف على حقيقة الإيمان وكمال الخير الذي ينيلنا به ، يجب علينا ان ندرك ان الله كان في العهد القديم وفيما قبله يميّز بكر الإنسان والحيوان الذكر ويخصّه لنفسه ويكرّسه لذاته الإلهية. فللبكوريّة خاصيتان اثنتان ذواتا فضل وشرف تميّزانها وتفضّلانها على سواها من المواليد، وهما الكهنوت والملوكية. وبناءً عليه كان الأخ الأكبر كاهناً أو بابا أمام الله وسيّداً يسود كل الإخوة الآخرين، على نمط المسيح بكر الله الآب الحقيقي الوحيد المولود من مريم العذراء، فإنه الملك والكاهن الحقيقيين ، ولكن ليس على الطراز الجسديّ والعالمي، لأن مملكته ليست من هذا العالم ( يوحنا 18: 36)، وليست مملكته في أمور عالمية، لكنه يملك على الهبات السماوية والفضائل الروحية ويكرّسها، ومنها البرّ والحق والحكمة والسلام والخلاص والفرح وما شابه. أما هذا الأمر فلا يعني ان جميع الأشياء الزمنية غير خاضعة له، لأنه قد أعطي كل سلطان في السماء وعلى الأرض وفي الجحيم، وإلاّ كيف يقدر على وقايتنا وخلاصنا منها. إنما مملكته لا تتألّف منها وليست هي فيها.

 

كذلك كهنوته لا يكمن في فخامة الأردية وتعظّم الأوضاع الخارجيّة ، كما هي الحال في الكهنوت البشري الذي كان ظاهراً في هارون وكما هو ظاهر على نحو عام في الكنيسة في الوقت الحاضر، إنما يكمن في أمور روحية، ويتولّى من خلال خدمته الغير منظورة التشفّع فينا في السماء امام الله، وحيث يقدّم نفسه ذبيحة ويقوم بكل المهامّ التي على الكاهن ان يقوم بها، كما يصفه بولس الرسول بأنه " على رتبة ملكي صادق" في رسالته الى العبرانيين (اصحاح 6: 7) . لكن سعيه في حاجتنا لا تقف عند حدّ الصلاة من أجلنا والتشفّع بنا، بل يتعدّاهما الى تعليمنا تعليماً داخلياً بواسطة روحه الحيّة. وهكذا يؤدّي كلتا وظيفتي الكاهن الحقيقيتين ، أي الصلاة او التشفّع والوعظ، وهما من مهام الكهنة وأنماط وظائفهم الظاهرة البيّنة.

 

 

 

(15)

وكما ان المسيح حصل بفضل حق بكوريّته على شرف هاتين الخاصّيّتين وجلالهما فإنه كذلك يمنحهما كل من يؤمن به ، ويجعله شريكاً له فيهما ، وِفقاً لقانون الزواج المذكور اعلاه والذي بموجبه تملك الزوجة كل ما هو للزوج. فمن ثمّ نكون جميعنا ، نحن المؤمنون بالمسيح ، كهنة وملوكاً بالمسيح، كما يقول القديس بطرس ( 1 بطرس 2 : 9 ): "أما انتم فجنس مختار وأمّة مقدّسة وشعب مقتنى ، وكهنوت ملوكي وملكوت كهنوتي ، لكي تُخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة الى نوره العجيب". ( انظر ايضاً خروج 19: 6).

 

أما طبيعة هذا الكهنوت وهذا الملكوت فهي على هذا المثال: أولاً في ما يتعلّق بالملكوت ، يسمو كل مسيحي بالإيمان الى أعالي الأمور وفوقها بدون استثناء، الى حدّ ان شيئاً لا يقدر على ان يضرّ به ، بل في الواقع قد أُخضعت له كل الأشياء وهي مجبرة على خدمته من أجل حصوله على الخلاص. ووِفقاً لذلك يقول القديس بولس ( رومية8 : 28) : "كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله" ، وفي ( 1 كورنثوس 3 : 21 – 23) : "ان كل شيء هو لكم… الحياة كانت ام الموت ام الأشياء الحاضرة ام المستقبلة، كل شيء هو لكم ، وأما انتم فللمسيح…". لايقصد بهذا الكلام انه أُتيح لكل مسيحي ان يملك كل الأشياء ويسيطر عليها سيطرة ماديّة – ان ذلك مسّ من الجنون قد أصاب بعض رجال الكنيسة – لأن هذه السيطرة المادّيّة خاصّة بالملوك والأمراء وغيرهم من الناس العالميين. وإن ما نعرفه ونختبره هو اننا عرضة لأمور كثيرة ونكابد الكثير وحتى اننا نلقى الموت الذي ليس لإنسان منه فلت. وحقيقة الأمر ان الإنسان كلّما كان مسيحياً مؤمناً أكثر ، كلما كان عليه ان يتحمّل أكثر الوان الشرّ والمصائب والموت، كما نرى ذلك في المسيح نفسه ، وهو البكر الملوكي ، وفي جميع اخوته القديسين. لكن القوة التي نتكلم عنها انما هي روحيّة تملك وسط الأعداء ، وهي قوية وسط الظلم والاضطهاد، ولا يعني هذا الكلام إلاّ  "أنّ القوة في الضعف تكمل" (2 كورنثوس 12 : 9 )، وأن كل الأشياء تعود عليّ بالفائدة من اجل الخلاص (رومية 8 : 28). وحتى الصليب وحتى الموت نفسه ملزمان بخدمتي وبالعمل معي سعياً في خلاصي. ان هذا الامتياز رائع ولكنه صعب المنال، انه قوة  ذات سلطة مطلقة، وملكوت روحي ليس فيه شيء إلاّ انه يعمل للخير لي، مهما كان ذلك الشيء صالحاً او شريراً ، إن ذلك من غير ريب البتّة إن كنت أومن فقط. أجل، بما ان الإيمان وحده يكفي من اجل الخلاص ويستغنى به عما سواه، فأنا لست بحاجة الاّ اليه كي امارس السلطان والحكم في مملكة الحرّيّة الخاصة به. انظر ، هذه هي قوّة المسيحيين وحرّيّتهم ، انهما يتعذّر تقديرهما حق القدر وإنهما لا يُثمّنان.

 

(16)

علاوة على اننا ملوك ونتمتع ببالغ الحرّية والمطلقة ، فنحن ايضاً كهنة الى الأبد، ويفوق كهنوتنا ومملكتنا رفعةً وفضيلة. لأن الكهنوت يؤهّلنا لأن نمثل امام الرب ولأن نصلي لأجل الآخرين، وهذان المهمّتان خاصّتان بوظيفة الكهنة دون سواهم. إذاً قد أهّلنا المسيح ، إن كنا مؤمنين به ، ليس لأن نصير اخوته وورثة معه وملوكاً مثله فحسب، بل ايضاً رفاقه في الكهنوت. لذلك نستطيع ان نتقدّم الى حضرته تعالى بثقة وقلب صادق وبيقين الإيمان (عبرانيين 10: 19 و 22) ونصرخ: أبّا ايها الآب"، وأن نصلي بعضنا من اجل بعض، كما يتقدم الكاهن الشعب جسدياً ويصلي من أجله.

 

أما غير المؤمن بالمسيح فلا يستفيد شيئاً ، بل بالعكس انه ليس إلاّ عبد كل شيء ولا يحصل له نجاح في كل اعماله لأنه يتعاطاها تعاطي الشرّ الباعث على مصلحته الشخصية وليس على مجد الله. فهو اذاً ليس كاهناً بل شريراً، وتكون صلاته خطية لا تصل ابداً الى حضرة الله، لأن الله لا يسمع للخطاة (يوحنا 9 : 31 ). مَن يقدر يا تُرى على ان يُدرك كرامة المسيحي السامية وعلوّ رفعته؟ فبمقتضى سلطانه الملوكي هو سيد جميع الأشياء ، وإنه سيد الموت والحياة والخطية ، وبفضل مجده الكهنوتي هو ذو سلطة كما ان الله كلي القدرة، لأنه يعمل مشيئة الله ومرضاته ( فيلبي 4 : 13 ): "استطيع كل شيء في الذي يقويني". ويتمتّع كذلك بنفوذ لدى الله لأن الله يلبّي           ما يطلبه وما يرغب فيه، كما هو مكتوب ( مزمور 145: 19) : "يفعل مرضاة الذين يتّقونه ويسمع استغاثتهم ويخلّصهم." ومن غير ريب لا يصل المسيحي الى هذا المجد عن طريق اية اعمال يعملها، بل عن طريق الإيمان وحده.

 

وبناءً عليه بإمكان أي انسان ان يرى جليّاً حرّيّة المسيحي من جميع الأشياء ، وسيادته على جميع الأشياء ، فلا يحتاج بالتالي الى الأعمال الصالحة كي يحصل على الخلاص والسعادة، لأن الإيمان وحده يمنحه كل هذه الأمور بوفرة. ولكنه اذا صار احمق الى حدّ يتصور فيه انه يصبح مبرّراً وحرّاً ومُخلّصاً ومسيحياً عن طريق بعض الأعمال الصالحة، فإنه من فوره يفقد الإيمان وكل فوائده. ليس ذلك إلاّ بَلَهاً صوّرته تلك الخرافة ذات المغزى تصويراً ملائماً. وهي قصة الكلب الذي كان يجري بحذاء جدول ماء وفي فمه قطعة لحم ، فخدعه ظلّه في الماء وفتح فاه لينهش قطعة اللحم التي في الظلّ ، وهكذا خسر كلا اللحم وانعكاس صورته. ( هذه احدى خرافات ايسوب Aesop الذي عاش حوالي 620 – 560 ق.م. وهو كاتب يوناني وضع عدداً من الحكايات على السنة الحيوان، وكان لوتر مغرماً بها.)

 

 

(17)

ربما انت سائل: " لو كان كل المسيحيين الذين في الكنيسة كهنة أين كان الفرق بين الكهنة والعلمانيين؟" وجوابي هو: ان استعمال الكلمات ا"الكاهن" و "الإكليركي" و "الخادم الروحاني" و "الكنسي" وما اشبه ذلك هو استعمال قد الحق الأذى بهذه الأسماء وجار عليها، إذ هي اسماء خاصّة بجميع المسيحيين أصلاً ، لكنها نُزعت عنهم وأُلحقت بتلك القلّة من الناس ممن يُدعون اليوم "بالكنسيين". ليس في الكتاب المقدس أيّ فارق بين هذه الفئة من الناس والآخرين سوى انه يسمي فئة الكنسيين "خداماً" و "عبيداً" و "وكلاء" ، والذين هم بحسب معنى هذه الأسماء خدام الكلمة وواجبهم ان يخدموا الآخرين ويعلموهم المسيح والإيمان وحرّيّة المؤمنين. لأننا وإن كنا جميعاً كهنة على حدّ سوى فإننا لا نقدر عمومنا على ان نكون خدام الكلمة ووكلاء وواعظين ، كما ان احداً من الناس لا يتوقّع منا ذلك. ويكتب القديس بولس وِفقاً لهذا المعنى ( 1 كورنثوس 4 : 1 ) : "هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء اسرار الله".

 

لكن الوكالة هذه قد تطوّرت الى حال المجاهرة بالسلطة والطغيان، حتى ان ليس هناك اية سلطة دنيوية أو حتى وثنية تضاهيها بأي شكل من الأشكال ، كما لو لم يكن العلمانيون مسيحيين ايضاً. ونشأ من هذا الانحراف ان تلاشى فهم النعمة والإيمان والحرّيّة المسيحية وتلاشى معه حتى فهم المسيح نفسه تلاشياً تاماً، وحلّ بمكانه عبودية فرض الأعمال وسنّ القوانين التي لا تُطاق، وصرنا كما يقول ارميا النبي في مراثيه ، عبيداً لأحقر الناس واتفههم على وجه البسيطة ، الذين استغلوا بليّتنا استغلالاً قبيحاً لخدمة رغباتهم الوقحة.

 

 

 

(18)

رجوعاً الى الهدف الذي نرمي اليه ، وغالب ظني ان الأمر صار واضحاً الآن انه لا يكفي وليس هناك أيّ معنى مسيحي على الإطلاق أن يقتصر الوعظ وعرض حياة المسيح وعمله وكلامه على انها حقائق تاريخية ، كأن معرفة هذه الأمور تفي بمتطلبات السلوك في الحياة. هذا اذا تجاوزنا عن غفلتها وعدم ذكر المسيح مطلقاً واستبدال ذلك بالقوانين التي يفرضها البشر والمراسيم التي يأمر بها الآباء. وفضلاً عن ذلك هناك الكثيرون ممن يعظون ويقرأون عن المسيح وقصدهم ان يثيروا نفوس الناس بالشفقة عليه والنقم على اليهود وغير ذلك من سخافة الكلام والإهراء فيه. انه لحريّ بل واجب ان يُبشّر بالمسيح بغية ان ينشأ  من هذا التبشير الإيمان به، فلا يكون هو المسيح فحسب بل المسيح لك ولي ويصبح ما يقال عنه من كلام وما يدلّ عليه اسمه كلاماً فعّالاً فينا. إن ايماناً كهذا يتولّد ويثبت فينا بالوعظ عن المسيح  الذي يوضح لماذا جاء وماذا آتانا ووهبنا، وما الفوائد التي نحصل عليها اذا قبلناه. وهذا يتم إذا كان تفسير الحرّيّة المسيحية التي يمنحها هو تفسيراً صحيحاً ، وإذا أُخبرنا كيف اصبحنا نحن المسيحيون كلنا ملوكاً وكهنةً واصبحنا بالتالي اسياد الكل ، وصار بإمكاننا ان نؤمن ايماناً راسخاً بأن كل ما نفعله هو سارّ ومقبول في عيني الله ، كما سبقت وذكرت.

 

مَن مِن الناس ممن يسمعون هذه الأمور لا يهتزّ قلبه طرباً ولا يبتهج ابتهاجاً عظيماً ، وإذ حصل على هذا العزاء لا يتملّكه التحبب والتودد الى المسيح الذي أصاب حبّة قلبه بغاية المحبة ، فلا يقدر بعد على إظهار حبه له بأية وصايا أو اعمال يؤاتيها؟ ولِمَن مِن الناس القدرة على ايذاء هذا القلب او ترعيبه؟ فإذا اقبلت معرفة الخطية وذكراها على هذا القلب وإذا اقتحمه خوف الموت فإنه على يقين من أن صلاح المسيح هو صلاحه هو، وان خطيته هو ليست بعد خطيته بل اتخذها المسيح وخصّها بذاته. وهكذا ابتُلعت كل الخطية ببرّ المسيح، وكما سبق وذُكر آنفاً ، يحتم الإيمان بالمسيح بتلك النتيجة حتماً لا يمكن إسقاطه ، مما يجعل القلب يتعلّم السخرية بالموت والخطية فيقول مع الرسول: "أين شوكتك يا موت؟ اين غلبتك يا هاوية؟ اما شوكة الموت فهي الخطية ، وقوة الخطية هي الناموس ، ولكن شكراً لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح." (1 كورنثوس 15: 55 –57 ).  فالموت قد ابتلع في الغلبة ، ليس في غلبة المسيح فحسب بل في غلبتنا نحن ايضاً ، لأنه بالإيمان صارت غلبته غلبتنا ، وبفضل تلك الغلبة اصبحنا نحن ايضاً المنتصرين.

 

(19)

 يكفي هذا القدر في ما يتعلّق بالإنسان الباطني وحرّيّته وبمصدر هذه الحرّيّة أي برّ الإيمان. وبناءً عليه لا يحتاج الإنسان الى القوانين ولا الى الأعمال الصالحة، بل بالعكس تماماً ، انها قد تُنزل به الضرر اذا اقدم على القيام بها معتقداً انها تبرّره.

 

لنتحوّل الآن الى الجزء الثاني أي الإنسان الخارجي. وسنجيب هنا جميع الذين اقلقتهم كلمة "الإيمان" وأقلقهم كل ما قيل من جهتها ، وهم يسألون الآن: "اذا كان الإيمان يفي بكل ما يلزم من صلاح وفاءً تاماً ، وإذا كان يكفي وحده للتبرير ويحصل به الاستغناء عن سواه ، فلماذا إذاً الأعمال ؟ ولنكتفِ بالإيمان!" كلاّ ايها الإنسان العزيز! ليس الأمر كذلك. فلو كنا أناساً داخليين بكليّتنا وروحانيين الى حدّ التمام والكمال لكان قولك صحيحاً بكل ما في الكلمة من معنى. لكننا لن نصبح كذلك إلاّ في اليوم الأخير، يوم قيامة الأموات. وما دمنا نعيش في الجسد فإننا لا نتعدّى البداية مع بعض التقدم ، ولن نبلغ حدّ الكمال إلاّ في العالم الآتي. بسبب ذلك يسمي الرسول ما نحققه في هذه الحياة "بباكورة الروح " (رومية  8 : 23 ) ، أي الثمار الأولى، وسنحصل بلا ريب على ملء الروح هناك في الحياة الخالدة. واذاً يجدر هنا التأكيد على العنوان المذكور أعلاه والذي يقول: " ان الإنسان المسيحي عبد الكل وخاضع للجميع". فإنه بقدر ما هو حرّ لا يحتاج الى عمل اية اعمال ، بذلك القدر هو عبد يجب عليه ان يعمل كل الأعمال المختلفة. فكيف يمكنه ذلك؟  هذا ما سنراه في ما يلي.

 

(20)

مع ان الإنسان قد تبرّأ بالإيمان في داخله وروحه تبرئةً وافيةً تامةً ، ومع انه حصل بفضل هذه التبرئة على كل ما يحتاج اليه ، ما خلا أن على هذا الإيمان وهذا الغنى الوافر ان ينموا ويزدادا يوماً فيوماً ، وأن يستمرّ هذا النموّ حتى الى الحياة المستقبلة. فمع كل ذلك لا يزال الإنسان مخلوقاً بشرياً يعيش الحياة الفانية على الأرض. ومن ضروريات هذه الحياة ان يضبط جسده وان يتعامل مع الناس. ومن هنا تبدأ الأعمال، ومن هنا لا يسعه ان يكون مكسالاً وخلواً من العمل. بل قد صار حقاً عليه لا شك فيه ان يضبط جسده بالأصوام والأسهار والأعمال وغيرها مما يُعقل من قواعد ضبط السلوك والتي من شأنها إخضاع الجسد للروح حتى تجعله يطيع اوامر الإنسان الباطني والإيمان وينسجم معهما ، فلا يعصي الإيمان ويعانده، ولا يعثر الإنسان الباطني ويعوقه، تلك هي امور من طبائع الجسد التي جُبل عليها إذا لم يتمّ كبحه. لأن الإنسان الباطني المخلوق بالإيمان على صورة الله والمتّحد معه، والذي تغمره السعادة والابتهاج بفضل المسيح الذي اجزل له هذا العطاء وغمره بهذه الفوائد الكثيرة ، اصبح في شغل شاغل بخدمة الله بغيرة ونخوة ومروءة وبفرح وانشراح الصدر ، بعيداً عن أي فكر في الربح، وبأن يحب الله حباً شديداً طليقاً ، وليس له أي شغل سوى ذلك.

 

وبينما هو يفعل ذلك إذا بإرادة مخالفة ساكنة في جسده تسعى لخدمة العالم وتتبع هواها فتعمل ما يبعث على مصلحتها الذاتية. لكن روح الإيمان لا يقدر على ان يتسامح بذلك، بل يحاول بغيرة وفرح شديدين ان يكفّ هذه الإرادة المخالفة عن سعيها، وذلك بأن يخضع الجسد ويضبطه، كما يقول القديس بولس (رومية 7 : 22 – 23 ):  "فإني أسرّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس روحي ويسبيني الى ناموس الخطية". ويقول ايضاً في مكان آخر ( 1 كورنثوس 9 : 27) : "بل اقمع جسدي واستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير انا نفسي مرفوضاً". ويقول ايضاً (غلاطية 5 : 24) : "والذين للمسيح صلبوا أجسادهم مع الأهواء والشهوات".

 

(21)

لكن القيام بهذه الأعمال يجب ان لا يحملنا على الاعتقاد ان الإنسان يتبرر بها، لأن الإيمان وهو البرّ الوحيد امام الله لا يمكنه ان يتساهل في ذلك الاعتقاد الخاطئ ويصبر عليه. وعلينا ان ندرك ان هذه الأعمال لا يُقصد بها إلاّ ان تجبر الجسد على الخضوع والإذعان ، وان تطهّره من الشهوات الفاسدة، الأمر الذي يستوجب ان نوجّه غاية جهدنا الى طرد تلك الشهوات وليس الى أي غرض آخر. وبما ان النفس قد طهّرها الإيمان وجعلها تحب الله ، فهي ترغب في ان جميع الأشياء تكون طاهرة مثلها ولا سيما جسدها الخاص بها، حتى يشترك الكل في حب الله وتمجيده. ومن ثمّ ليس بوسع المرء ان ينفق الوقت بالتراخي والكسل، لأن حاجة الجسد تدفعه وتضطره الى القيام بالأعمال الصالحة الكثيرة حتى ينقاد خاضعاً. ومع ذلك فإن هذه الأعمال ذاتها لا تبرره امام الله ، انما يعملها بدافع المحبة العفوية لله وطاعته له، وليس هناك ما يؤمّله الاّ رضى الله ، منعماً النظر في إتمام مشيئته وطاعته في كل شيء ، بطيبة وعلى احسن وجه.

 

كل من يسلك هذا السبيل يمكنه بسهولة ان يتعرّف الحدود والأساليب الملائمة له، ويستنسبها في ضبط جسده وتهذيبه، فيصوم ويسهر ويعمل بقدر ما يرى به الكفاية ليكبح جسده عن كل دعارة ، ويطرد منه كل شهوة فاسدة. اما اولئك الذين يظنون ان الأعمال تبررهم فلا يعنون بكبح الشهوات بل بالأعمال ذاتها فحسب، ويعتقدون انهم اذا تجرّدوا للأعمال فقط وجدّوا فيها وانجزوا اكبر عدد ممكن منها واعظمها قدراً ، فإنهم قد أتوا بالصواب وبالموافق للمراد كي يصبحوا متبررين. انهم أحياناً يفسدون عقولهم فتختلط عليهم الأمور، أو أقل ما يمكن قوله انهم يحوّلون قواهم الطبيعية لا خير فيها بسبب اعمالهم. انه لغاية الحماقة وتمام جهالة الحياة المسيحية والإيمان المسيحي ، ان يسعى المرء الى التبرير والخلاص عن طريق الأعمال وبدون الإيمان.

 

(22)

وفي ما يلي بعض الأمثلة على سبيل تشبيه الأمور ومقارنتها بعضها ببعض، وهي جديرة بأن تيسّر فهم ما ذكرناه بأكثر سهولة. المثل الأول: يجب علينا ان لا نعتبر اعمال المسيحي الذي حصل على التبرئة والخلاص بالإيمان بفضل نعمة الله المجرّدة إلاّ مثلما نعتبر اعمال آدم وحواء في الفردوس . ونقرأ في سفر التكوين ( اصحاح 2 : 15): "وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها." وبما ان آدم قد خُلق بارّاً ومستقيماً بدون خطية، فإنه لم يكن بحاجة الى التبرئة والصلاح عن طريق فلاحة الجنة وحفظها. اما الله فقد عهد اليه في هذه المهمّة وقايةً له من الكسل ، ولم يقم بها آدم إلاّ بحرّيّة تامّة فإنه لم تكن له حاجة الى شيء إلاّ الى مرضاته تعالى. فقد كان آدم بارّاً بكل ما في الكلمة من معنى، ولو لم يخطئ لكان هذا البرّ من نصيبنا جميعنا بحكم حق المولد.

 

وتشبه اعمال المؤمن اعمال آدم هذه. فقد أُعيد المؤمن الى الفردوس وخُلق من جديد بفعل الإيمان، ولا تحوجه الأعمال كي تجعله مبرّراً ، لكن يجب عليه ان يؤدّي هذه الأعمال بحرّيّة ، توخّياً مرضاته تعالى دون سواها، ومن شأن هذه الأعمال ان تمنعه عن ان ينفق الوقت بالتراخي والكسل، وهي تجعله يسعى الى النهوض بأعباء جسده ليعيله ويحفظه. أما كوننا لم نُخلق من جديد خلقاً تاماّ ، وكون ايماننا ومحبتنا ليسا كاملين بعد كل الكمال، فإن نموهما لا يتم بأعمال خارجية بل ينموا نمواً عفويّاً من تلقاء نفسيهما وينبغي ان ينموا شيئاً فشيئاً ليزيدا.

 

المثل الثاني: ان الأسقف الذي يكرّس احدى الكنائس أو يثبّت الأولاد او يؤدّي  أية واجبات أخرى من واجبات منصبه، لا يصير أسقفاً بفضل هذه الأفعال والمراسيم. ولا شك في انه لو لم يكن قد رُسم اسقفاً من قبل لم تكن ولا فعلة واحدة من هذه الأفعال قانونية، بل كانت كلها اعمال حماقة وسخافة وتبعث على الضحك. وهذه هي حال المسيحي الذي تكرّس بإيمانه. نعم انه يعمل الأعمال الصالحة لكن هذه الأعمال لا تزيده قداسة او مسيحية لأن الزيادة من شأن الإيمان وحده ، ولو لم يسبق المرء ان يكون مؤمناً ومسيحياً اولاً لكانت كل اعماله لا تساوي شيئاً  ولكانت مجرّد خطايا تتصف بالشر والحماقة وتبعث على اللوم واللعن.

 

 

 

 

(23)

وبناءً عليه فإن العبارتين التاليتين عبارتا صدق: "لا تصنع الأعمال الصالحة رجلاً صالحاً بأية حال، بل الرجل الصالح هو الذي يعمل الأعمال الصالحة. ولا تصنع الأفعال الرديئة رجلاً شريراً ، بل الرجل الشرير هو الذي يعمل اعمالاً رديئة." إذن يقتضي الحال دائماً ان يكون الشخص نفسه معدن الخير والصلاح اولاً ومسبقاً ، قبل ان تكون هناك أيّة اعمال صالحة، فتصدر الأعمال الجيدة عن الشخص الذي جُبل على الخير والصلاح، كما يقول المسيح ايضاً :  "لا تستطيع شجرة جيده ان تثمر ثمراً رديّاً ، ولا شجرة فاسدة ان تثمر ثمراً جيداً" (متى 7 : 18). ومن الواضح ان الثمار لا تحمل الشجرة ولا الشجرة تنمو على الثمار ، بل العكس هو الصحيح ، ان الأشجار تحمل الثمار وان الثمار تطلع على الأشجار. ومن الجليّ ايضاً انه من الضروري وجود الأشجار قبل ثمارها. وان الثمار لا تصنع الأشجار جيدة او رديئة، بل الأحرى كما تكون الأشجار هكذا تكون الثمار التي تحملها. كذلك الإنسان يجب ان يكون معدن الصلاح أو معدن الشرّ قبل ان يصنع عملاً صالحاً او شريراً ، وليست اعماله تجعله صالحاً او شريراً ، لكنه هو نفسه يعمل اعماله إما صالحة او شريرة.

 

هناك امثلة اخرى توضح هذه الحقيقة بإمكاننا ان نراها في سائر الصناعات. فمثلاً لا يصنع البيت الجيد او البيت الرديء البَنّاء الجيد او البنّاء الرديء. لكن البنّاء الحاذق الجيد او البنّاء الجاهل الرديء هو الذي يصنع البيت إما جيداً او رديئاً. وبوجه عام لا يصنع العملُ الصانعَ مثله قط ، بل الصانع هو الذي يصنع العمل على مثاله. كذلك أعمال الإنسان على نحو ذلك، انها تتعلق بالإنسان نفسه، فإذا وُجد مؤمناً يكون عمله جيداً ، وإذا وُجِد غيرمؤمن يكون عمله شريراً لأنه يعمله بعدم الإيمان. أما العكس القائل بأن العمل يصنع الإنسان إما مؤمناً او عديم الإيمان فليس قول صواب. وبما ان الأعمال التي يعملها الإنسان لا تجعله مؤمناً ، فهي ايضاً لا تجعله بارّاً ، إنما الإيمان الذي يجعل الإنسان مؤمناً وبارّاً، هو الذي يأتي بالأعمال الصالحة. وعلاوة على ذلك ، بما ان الأعمال لا  تبرّر احداً ، لأن على الإنسان ان يكون بارّاً قبل ان يعمل عملاً صالحاً ، فمن الواضح اليقين ان الإيمان وحده يجعل الإنسان جديراً بالتبرير والخلاص التامّين ويؤهّله لهما كل الأهلية. وذلك يتم بفعل نعمة الله الخالصة بواسطة المسيح وكلمته. فلا يحتاج المسيحي بعد الى أي عمل او إلى اية وصية ليحصل على الخلاص، لأنه صار بالإيمان حرّاً من كل الوصايا، وصار كل ما يعمله عملاً بديهياً يصدر عن تلقاء نفسه وبحرّيّةٍ مطلقة، لا يتوخّى منه المنفعة ولا الخلاص لأنه متملّئٌ وزاخِرٌ بكل ما يغنيه ويكفيه من الأمور، إذ قد حصل على الخلاص بنعمة الله – فليس هناك ما يطلبه الآن إلاّ مرضاة الرب.

 

(24)

عوداً لما ذُكر: ليس هناك فعل صالح يُفيد عديم الإيمان صلاحاً وخلاصاً. ومن ناحية اخرى ليس هناك عمل فاسد يجعله شريراً او مرفوضاً مستوجب اللعن. انما عدم الإيمان الذي يجعل المرء والشجرة فاسدين هو الذي يفعل الأفعال الرديئة والمستوجبة اللعن. مِن ثَمّ كون المرء صالحاً او شريراً لا يعود الى الأعمال بل الى الإيمان او عدمه، كما يقول الحكيم: "أوّل خطية الإنسان ارتداده عن الرب، إذ يرجع قلبه عن صانعه" (يشوع بن سيراخ 10: 14 – 15 ). أي أن الإنسان يكون كذلك عندما لا يؤمن. ويقول القديس بولس في ( عبرانيين 11 : 6 ): "بغير إيمان لا يستطيع احد ان يرضي الله، لأن الذي يدنو الى الله يجب عليه ان يؤمن…". ويعلّمنا المسيح الأمر نفسه ( متى 12 :33 ): "إما أن تجعلوا الشجرة صالحة وثمرتها صالحة، وإما ان تجعلوا الشجرة فاسدة وثمرتها فاسدة." كما لو قصد بما قاله: "دعوا المرء الذي يرغب في الثمار الجيدة ان يبدأ قبل كل شيء بأن يزرع شجرة جيدة". وعلى النحو المشار اليه   : دعوا المرء الذي يرغب في الأعمال الصالحة ان يبدأ قبل كل شيء لا بالأعمال بل بالإيمان الذي يجعل المرء صالحاً ، لأنه ليس هناك شيء يجعل الإنسان صالحاً إلاّ الإيمان، وليس شيء يجعله شريراً إلاّ عدم الإيمان.

 

ومن أصدق ما يُقال ان الأعمال تجعل المرء صالحاً او شريراً في منظر الناس ومستمعهم، وهذا يعني ان الأعمال تشير الى ظاهر المرء أإذا كان صالحاً او شريراً ، كما يقول المسيح ( متى 7 : 20 ): "فإذاً من ثمارهم تعرفونهم." لكن كل هذه المظاهر ليست إلاّ مظاهر خارجية سطحية، وكثيرون هم الذين اغترّوا بها، فأقدموا على الكتابة والتعليم بما يتعلق بالأفعال الصالحة التي تؤدّي الى التبرير بدون أي ذكرٍ للإيمان . انهم يستمرون على غيّهم "ويتقدمون لكن الى الأردأ مُضِلّين ومُضَلّين " ( 2 تيموثاوس 3 : 13 ). وانهم  "عميان قادة عميان" ( متى 15: 14) ، يُرهقون انفسهم ويحمّلونها ما لا يُطاق من الأعمال ولا يبلغون البرّ ابداً. ويقول القديس بولس عن هؤلاء (2 تيموثاوس 3 : 5 و 7 ):  "لهم صورة التقوى لكنهم منكرون قوتها… يتعلّمن في كل حين ولا يستطعن ان يُقبلن الى معرفة الحق ابداً".   

 

لذلك وجب على كل من لا يرغب في ان يضلّ مع هؤلاء العميان ان ينظر الى أبعد من القوانين والمبادئ والتعاليم التي تشرّع الأعمال، فيحوّل نظره من الأعمال الى الشخص ويسأل كيف أصبح هذا الشخص مبرراً. لأن المرء لا يتبرر ولا يخلص بالأعمال وسنّ القوانين ، لكن بكلمة الله أي بوعده بالنعمة ، وبالإيمان حتى يكون المجد دائماً وثابتاً لله، الذي خلّصنا "ليس بأعمال في برٍّ عملناها نحن ، بل بمقتضى رحمته" ( تيطس 3 : 5) ، وبكلمة نعمته ، إذا كنا نحن مؤمنين.  ( انظر ايضاً 1 كورنثوس 1 : 21).

 

 

(25)

من هذا كله يسهل على المرء ان يتبيّن الى أي مدى يقتضي رفض الأعمال الصالحة او عدم رفضها، وما المقياس الذي ينبغي ان يتخذه في سبيل تفسير تعاليم الناس المختصة بالأعمال. فإذا كنا نجدّ في طلبها كوسيلة للحصول على التبرير، وإذا أرهقها لوياثان الفاسد الشرير عسراً وإثماً (انظر اشعياء 27: 1 ، لوياثان أي الحيّة الملتوية ، وريما كان لوتر يفكّر  في اقتباس هذا العدد من اشعياء) ، فكان الدافع اليها اعتقادنا الخاطئ اننا ننال بها الصلاح والسعادة، وأنه ما لنا عنها غنىً ، فقد اصبحت اعمالنا بلا ريب اعمالاً لا تنبع من ينبوع الحرّية، وهي تحقّر قدر نعمة الله وتكفر بها، تلك النعمة التي وحدها تؤاتينا الصلاح والسعادة بواسطة الإيمان. اما الأعمال فلا تقدر على الفوز بذلك، لكن حماقتنا ورأينا الفاسد يدفعان تلك الأعمال إياها الى الادّعاء بالفوز والتظاهر بالصلاح ، انما هي في الحقيقة تقحم امور الله وتُداخله في عمله وفي مجد نعمته بشدّة ومن غير رويّة. أما هذا القول فلا يعني اننا نرفض الأعمال الصالحة بحدّ ذاتها ، بل اننا نعزّها ونعلّمها بقدر ما يمكن، انما نرفضها بسبب هذه الإضافة الملحدة التي ضُمّت اليها والتي تميل الى الباطل، وبسبب هذا الاعتقاد المنحرف بانها ينبوع البرّ والذي يجعلها صالحة في الظاهر فقط ، في حين انها ليست كذلك في الحقيقة، فهي تخدع الناس وتحملهم على خداع بعضهم البعض كالذئاب الخاطفة بثياب الحملان (متى 7 : 15).

 

إن لوياثان هذا، او الاعتقاد المنحرف بما يتعلق بالأعمال، لا يُقهر إذا كان الإيمان غائباً. فقديسوا الأعمال هؤلاء لا يقدرون على التخلّص منه إلاّ اذا جاءهم الإيمان وصار الحاكم في قلوبهم، لأنه هو الذي يُدمّره ويقضي عليه. لأن الطبيعة على ذات حدتها لا تقوى على طرده ولا حتى على تمييزه وتعرّفه، بل تعتبره سمة المشيئة البالغة القداسة. وإذا أضيف الى هذا الاعتبار تأثير العادة الذي من شأنه ان يؤكّد انحراف الطبيعة هذا ويُعزّزه، كما يفعل ذلك بعض المعلمين الأشرار، فإن الأمر يصبح شراً عضالاً لا دواء له ، ويُضلّ عدداً لا يُحصى من الناس ، ويُهلكهم هلاكاً لا يُبقي لهم ايّ أمل في الرجوع وإصلاح ذات بينهم. إذاً لا مانع من الكتابة والوعظ عن الندامة والاعتراف والتكفير عن الإثم، لكن تعليمنا يكون من غير ريب تعليماً مُضلاً بل شيطانياً إذا توقّفنا عليه ولم نتجاوزه الى التعليم عن الإيمان.

 

فالمسيح وكذلك رائده يوحنا ايضاً لم يقولا فقط كلمة "توبوا" ( متى 3 : 2 ومتى 4 : 17) ، بل الحقوها بكلمة الإيمان وقالا : "فقد اقترب ملكوت السماوات". فعلينا ان لا نعظ احدى هاتين الكلمتين الإلهيتين فحسب ، بل علينا ان نتمسّك بكلتاهما معاً ، أي ان نُخرج من كنزنا جُدُداً وعُتُقاً، أي صوت الناموس وصوت النعمة ( متى 13: 52 ). يجب علينا ان نعظ بصوت الناموس والوصايا ونذكّر الناس بما يحملهم على الدراية بخطاياهم، كي يهتدوا الى طريق التوبة الى الله وإصلاح السيرة. ولكن يجب علينا ان لا نتلبّث على ذلك الصوت، إذ هو وحده لا يساوي إلاّ الجرح وليس التضميد، والإيذاء وليس الشفاء ، والقتل وليس الإحياء ، والإنزال الى الجحيم وليس الإعادة والإصعاد، والإذلال وليس الرفع وإعطاء الكرامة. لذلك يجب علينا ان نبشر ايضاً بكلمة النعمة والوعد بالغفران التي من شأنها ان تعلّم الإيمان وتوقظه. وبدون كلمة النعمة والوعد تكون اعمال الناموس وفعل الندامة والأسف العميق وكل ما الى ذلك بدون فائدة ويكون عملها وتعليمها عبثاً.

 

ما زال هناك الى يومنا هذا وعّاظ ممن يعظون عن الندامة على الخطية وعن النعمة معاً. لكنهم لا يُخرجون الى الظااهر وصايا الله ومواعيده من حيث انها تعلّم المرء مصدر الندامة ومصدر النعمة. فالندامة تنشأ بفعل وصايا الله، اما الإيمان والنعمة فبفعل مواعيد الله، كما هو مكتوب في ( رومية 10: 17 ): "فالإيمان إذن من السماع والسماع بكلمة الله  ( إذاً الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله) ، أي الوعظ عن المسيح" . وهكذا يتعزى الإنسان ويعلو قدره ، وذلك بالإيمان بكلمة الله ومواعيده، بعد ان اتّضع وأقبل الى معرفة نفسه خائفاً من الناموس الإلهي وتوعّده . كما نقرأ في (مزمور 30: 5) : عند المساء يبيت البكاء وفي الصباح ترنم" (والترجمة اليسوعية:      مزمور 29  " في العشاء يحلّ البكاء وفي الغداة الترنيم").

 

(26)

لنكتفِ بهذا القدر حول موضوع الأعمال بوجه عام ، وايضاًُ بما يتعلّق بالأعمال التي يعملها المسيحي من أجل نفسه. وفي الختام نتكلم الآن ايضاً عن الأمور التي يعملها من أجل قريبه. لأن الإنسان لا يعيش لذاته ولا يعمل من اجل ذاته فقط في هذا الجسد الفاني ، إنما يعيش ايضاً من اجل جميع الناس على الأرض، وبالأحرى انه لا يعيش إلاّ للآخرين وليس لذاته. وسعياً الى بلوغ هذه الغاية فإنه يُخضع جسده كي يتيسّر له ان يخدم الآخرين بإخلاص أصفى وبحرّيّة أكرم، كما يقول القديس بولس ( رومية 14: 7 و 8) : "ليس احد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته. لأننا ان عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت." لا يقدر المرء قط ان يكون كسولاً ويتوانى عن الأعمال التي لا ينبغي له ان يتوانى عنها من اجل قريبه، فالضرورة تدفعه الى التكلم مع الناس والى التعامل وتبادل الآرآء معهم، كما فعل المسيح ايضاً  " آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وتحدّث مع البشر …." (فيلبي 2 : 7 ). وكما يقول باروخ (اصحاح 3 : 38): "بعد ذلك تراءى على الأرض ، وتردّد بين البشر."

 

ومع ذلك لا يحتاج المرء الى ايّ من هذه الأعمال ليتوصّل بها الى التبرير والخلاص. لذلك عليه ان لا يضع نصب عينيه إلاّ هذا الفكر وحده، وأن لا يعزم على أمر سواه ولا ينثني عنه، ألا وهو خدمة الآخرين ونفعهم في ما يصنع، وعليه ان لا يفكّر إلاّ في احتياج قريبه وما يعود عليه بالخير  . ووفقاً  لذلك يطلب منا الرسول ان نعمل بأيدينا لكي يكون لنا ما نشرك المحتاج فيه، وعلى الرغم من ان كان بإمكانه ان يقول انه من الواجب علينا ان نعمل لكي نعول انفسنا ونكفيها معاشها، لكنه يقول : "ليكون له ان يعطي من له احتياج". (افسس 4 : 28). وهذا الأمر عينه يجعل اهتمام المرء بجسده عملاً مسيحياً وذا بال له، إذ ان صحّة الجسد وارتياحه ونشاطه تمكننا من العمل واكتساب المال وإذّخاره لكي نساعد به المحتاجين، وهكذا يستطيع العضو الأقوى ان يخدم الأضعف، فنصبح اولاد الله يهتم كل واحد منا بالآخرين، ويعمل من اجلهم، فنحمل بعضنا اثقال بعض وهكذا نتمم ناموس المسيح ( غلاطية 6 : 2 ). ان حياة كهذه هي حقاً حياةٌ مسيحية صادقة. وهوذا الإيمان فعّال حقاً بالمحبة ، (غلاطية 5 : 6 ): "لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة ، بل الإيمان الذي يعمل بالمحبة"، أي ان الإيمان يعبّر عما في ذاته بأعمال الخدمة النابعة منه والحرّة من ايّ قيد، فهو يعملها بأريحيّة تجعله يرتاح الى أفعاله والى بذله وجوده بابتهاج يقين وبمحبة صادقة. فها هو يُقبل على خدمة الآخر بطيبة وعن رضىً لا يرجو أيّ أجر عليها. أما في ما يتعلق بالمرء نفسه فإنه يكتفي بإيمانه الراسخ الوافر الغنى.

 

ووفق ذلك يكتب الرسول الى كنيسة فيلبي ، فإنه بعد ان علّمهم كم لهم من النعم والغنى التي انالهم بها الإيمان الفيّاض بالمسيح، حتى صاروا ذوي رغدٍ وسعةٍ في كل شيء ، يواصل في تعليمهم ويقول: "فإن كان وعظ (تعزية) ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما في الروح، وإن كانت رأفة ورحمة ، فتمّموا فرحي حتى تفتكروا  فكراً واحداً ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئاً واحداً. لا تعملوا شيئاً عن منازعة أو عجب ، بل فليحسب بتواضع كل منكم صاحبه أفضل منه. لا تنظروا كل واحد الى ما هو لنفسه بل كل واحد الى ما هو لآخرين ايضاً". (فيلبي 2 :  1 – 4) . فقد أجمل الرسول في هذا الكلام الجامع نظام حياة المسيحيين ، أي انه من اللازم ان نكرّس كل أفعالنا لصالح الآخرين وسعادتهم، إذ ان لكل واحد منا الغنى الواسع في إيمانه، مما يجعل جميع افعاله الأخرى وكل حياته فائضاً يمكنه من ان يخدم قريبه وان يعمل حسناً معه، وله نزعة الى عمل الخير فيقوم به طوعاً غير مُكرهٍ عليه.

 

ويستشهد الرسول بالسيد المسيح مثلاً على هذه الحياة ويقول: "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع ايضاً. الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسةً ان يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت" (فيلبي 2 : 5 – 8). لقد كانت كلمة الرسول هذه مبهمة لنا لا نعرف لها وجهاً ، وهي تنمّ عن الاستحسان والاحترام، وذلك لأن هناك المفسّرين الذين لم يفهموا قط معنى الكلمات "صورة الله" و "صورة عبد" و "هيئة البشر" و"شبه الناس". فاستعملوها للدلالة على الطبيعة الإلهيّة والطبيعة البشرية ( أي طبيعتي المسيح). أما القديس بولس فإنه يعني بما قاله: "مع ان المسيح كانت صورته صورة الله كاملاً وكان زاخراً بكل صلاح، ولذلك لم يكن بحاجة الى ايّ عمل او أيّ عذاب يجعلانه بارّاً وخالصاً (فإنه كان ذا بِرّ وخلاص خالدين) ، لكنه لم ينتفخ بهما ولم يتعظّم ويتكبّر علينا ، ولم يتولّ السلطة علينا، وإن كان قادراً على ذلك وبكل حق، إنما عمل العكس تماماً، فقد عاش وتعب وعمل وتألّم ومات على نحو يجعله كباقي الناس، وعلى نحو لا يجعله إلاّ انساناً هيئةً وفعلاً ، تماماً كما لو كان بحاجة الى كل هذه الأمور، وكما لو لم يكن له صورة الله. لكنه فعل كل ذلك من أجلنا ، كي يخدمنا وتصبح جميع الأشياء التي انجزها في صورة العبد ملكنا نحن.

 

(27)

وهكذا هو حال المسيحي، انه مليء وغني بواسطة الإيمان ، يماثل المسيح الذي هو رأسه، وعليه بأن يقنع بصورة الله هذه التي ناله بها الإيمان، ومع ذلك ،كما سبق وقلت، يلزمه ان ينمي هذا الإيمان ويزيده الى ان يصل الى درجة الكمال. فإن الإيمان هو حياته وهو برّه وخلاصه، انه يخلّصه ويجعله مرضيّاً عنه ومقبولاً عند الله، انه يهبه كل ما يتحلّى به المسيح ويُعرف به، كما ذُكر آنفاً ، وكما يؤكّد ذلك الرسول بولس (غلاطية 2 : 20 ) حيث يقول: "فما أحياه الآن في الجسد فإنما احياه في الإيمان ، إيمان ابن الله". ولكن مع ان المسيحي قد صار حرّاً الى هذا الحدّ من الأعمال جميمعها ، فإنه يتعيّن عليه وهو في هذه الحرّية ان يُخلي ذاته ويأخذ صورة عبدٍ ويصير في شبه البشر وأن يوجد كبشر في الهيئة، وأن يخدم قريبه ويعينه ، ويتصرّف معه في كل الأحوال كما كان يرى الله يتصرّف معه هو بالمسيح ولا يزال يفعل ذلك، ويتعيّن عليه ان يقوم بهذه الأعمال بحرّيّة ولا يلتفت الى أيّ أمرٍ سوى طلب رضى الله.

 

وليكن في قلبه من الخواطر هذا الفكر: "ان الهي قد أعطاني انا الإنسان الغير مستحق والهالك بواسطة المسيح وفي المسيح الحدّ الأقصى من غنى الصلاح والخلاص، وذلك بدون اية اهليّةٍ فيّ، بل من مجرّد نعمته المجانيّة ، فمن الآن فصاعداً لا يُعوزني شيء إلاّ الإيمان الذي يُصدّق ذلك ويثق به. حسناً إذاً ، لماذا لا أفعل انا كل الأمور التي اعرف انها تفرّح أباً كهذا الأب وتُرضيه، ولماذا لا أقوم بها بكل فرح وبطيبة قلباً ومحضاً، لأنه قد غمرني بغناه الفياض الذي لا يُثمّن؟ لذلك سأعطي قريبي نفسي كأنها المسيح تماماً ، مثلما قدّم المسيح نفسه لي. ولن اعمل أي عمل في هذه الحياة إلاّ ما أراه ضرورياً لقريبي وما يعود عليه بالخير والفائدة، فإن الإيمان متّعني بوفر فائض من جميع الخيرات بالمسيح."

 

أنظر ! هكذا يدفق من الإيمان المحبة والفرح دفقاً ، ويدفق من المحبة حرّ النيّة الكريمة التي تعمل طوعاً ، وتخدم القريب غير مكرهةٍ على خدمته، ولا تُبالي عرفان الجميل او جحوده ، ولا اكتساب المدح او التعرّض للّوم ، ولا الربح او الخسارة. لأن المرء لا يمنّ على الناس بما يخدمهم وبما يعمل لهم. وهو لا يميّز الأصدقاء من الأعداء، أو يتوقّع مقابلتهم المعروف بالشكر او الجحود ، انما يبذل نفسه وكل ما يملك دون القريب، بمطلق الحرّية وبطيبة متناهية ، سواءً أبذّره كله وأعطاه ناكري الجميل أو أعطاه مقابل اكتساب المكافأة. وكما ان أباه يفرّق ويُعطي جميع الناس كل الأشياء بغنىً وطيبة : "فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ، ويُمطر على الأبرار والظالمين" (متى 5 : 45) ، هكذا يعمل الابن ايضاً كل الأشياء ويتحمّل كل الأشياء بدافع ذلك الفرح المعطاء الخالص الذي أصبح سعادته ، إذ انه بواسطة المسيح يرى هذا الفرح عينه في الله الذي يفرّق ويُعطي هذه الخيرات العظيمة.

 

فإذا رأينا بوضوح الأمور العظيمة والثمينة التي اعطيت ايانا ، كما يقول الرسول بولس ( رومية 5 : 5 ) ، فإن الروح القدس يفيض في قلوبنا المحبة التي تجعلنا احراراً ومبتهجين وذوي سلطة غير محدودة ، ومنتصرين على كل الضيقات والمحن، وتجعلنا خداماً نخدم الإخوة في الإنسانية ، وفي الوقت ذاته اسياداً نسود الكل. أما في ما يتعلق بهؤلاء الذين لا يرون الهبات التي مُنحوا إياها بواسطة المسيح ، ولا هم يهتمون بها ، فإن المسيح قد وُلد لهم ضياعاً ، إنهم لا يقلعون عن طريقهم بل يُصرّون على اعمالهم ، وها قد فاتتهم الفرصة من ان يشعروا بهذه الأمور ويذوقوها، فهم لن يُدركوها أبداً. وتماماً كما يحتاج قريبنا الى ما ننعم به بغنىً ، كذلك كنا نحن محتاجين امام الله وتُعوزنا رحمته. إذاً كما أعاننا أبونا السماوي بالمسيح بمطلق الحرّية، كذلك يتعيّن علينا ان نقف جسدنا وأعماله في سبيل مساعدة قريبنا بحرّية مطلقة، فيصير كل واحد كمسيح للآخر، وهكذا نُصبح كلنا مسحاء بعضنا لبعض ، ويكون المسيح حالاًّ فينا كلنا، أي اننا نصبح مسيحيين حقيقيين.

 

يا لوفر غنى الحياة المسيحية ورِفعتها وبهائها! مَن يقدر على إدراكها واستقصاء بعدها؟ فهي قادرة على عمل كل الأشياء ، وهي تملك كل الأشياء، ولا يُعوزها شيء. إنها سلطانة على الخطية والموت والجحيم ، ولكنها بذات الوقت تخدم جميع الناس وتواسيهم وتمدّ يد العون اليهم وتعمل على ما يعود عليهم بالفائدة. لكن يا حسرتاه على هذه الحياة السامية ! لأنها غير معروفة في يومنا هذا في كل مكان من العالم ، فلا واعظ يتناولها في وعظه ، ولا أحد يسعى في طلبها. اننا نجهل اسمنا الخاص بنا كل الجهل، ولا نعرف لماذا نحن مسيحيون ولماذا تسمّينا بهذا الاسم. لقد سُمّينا من غير ريب باسم المسيح وتيمّناً به، ذلك ليس لغيابه عنا، بل لأنه ساكن فينا ، أي لأننا نؤمن به ولأننا مسحاء بعضنا لبعض ولأننا نتعمّل في حاجة جيراننا كما يتعمّل المسيح من أجلنا. اما اليوم فتُعلّمنا التعاليم البشرية ان لا نطلب إلاّ المكافأات والاستحقاقات والأمور الخاصة بنا فقط. وهكذا لم نجعل من المسيح إلاّ مشرّعاً وفارض المهامّ أشدّ قسوة من موسى والى حدٍّ بعيد.

 

(28)

لنا مثل رائع على هذا الإيمان وهو مثل العذراء المباركة، فكما كتب البشير لوقا ( اصحاح 2 : 22 ) أنها أتمّت أيام تطهيرها بحسب ناموس موسى، ووفقاً لما جرت به عادة جميع النساء ، بالرغم من ان ذلك القانون لم يكن التزاماً عليها ولم تكن هي بحاجة الى تطهير. ولكنها أطاعت الناموس برغبة وعن طيب خاطر كباقي النساء حتى لا تجرح مشاعرهن وتحتقرهن. لم يبرّرها ذلك العمل لكنها لكونها بارّة قامت به بحرّية وطواعيّة. وهكذا يجب علينا ان نفعل افعالنا ، ليس طلباً للتبرئة ، فقد سبق وتبرّأنا بالإيمان، بل علينا ان نفعل كل شيء بمحض الحرّية والابتهاج من اجل الآخرين.

 

وأيضاً القديس بولس جعل تلميذه تيموثاوس يختتن ( اعمال 16 : 3 ) ليس عن احتياج تلميذه الى التبرير ، بل رجاة ان لا يجرح مشاعر اليهود او يستخفّ بهم، إذ كانوا ضعفاء في الإيمان ولم يقدروا بعد على استيعاب حريّة الإيمان. ولكن من الناحية الأخرى ، عندما استخفوا بحرّية الإيمان وألحّوا بإصرار على ضرورة الختان للتبرير ، قاومهم ولم يُجزْ لتيطس ان يختتن ( غلاطية 2 : 3 ). فقد كان في أحد الأوقات يعترض على الإساءة الى ضعف ايمان أيّ من الناس وعلى الازدراء به ، وكان يُذعن لإرادتهم ، وأما في وقت آخر فقد كان يعترض على الإساءة الى حرّية الإيمان والاستخفاف بها مِن قِبَل اناس معاندين يقولون بتبرير الأعمال. فاختار الأمر الوسط بين الأمرين ، أي انه كان يُحافظ على الضعفاء حيناً ، ولكنه لم ينثنِ ابداً عن مضادّة المعاندين ولم يُذعن لهم بالخضوع ولا ساعة، لكي يهدي الجميع الى حريّة الإيمان. وما علينا إلاّ ان نأتي افعالنا بهذه الغيرة عينها، نؤازر من كان ضعيفاً في الإيمان، كما هو مكتوب (رومية 14 : 1 ) ، إنما نقاوم بحزم معلمي الأعمال العُنُد. وسنأتي بالمزيد على هذا الكلام في ما بعد.

 

وكان المسيح يتصرف على هذا النحو ايضاً ( متى 17: 24 – 27) ، عندما طالب الجباة تلاميذه بدفع الجزية ، راجع القديس بطرس في شأنها وسأله أإذا ابناء الملوك هم مُعفون منها أم لا. فردّ  بطرس بالإيجاب. ومع ذلك أمره المسيح بأن يمضي الى البحر وقال له: "لئلاّ نعثرهم اذهب الى البحر وألقِ صنارة فأوّل سمكة ترفعها افتح فاها فتجد استاراً (قطعة نقود) فخذه وأعطهم عني وعنك". هذه الحادثة توافق موضوعنا موافقة حسنة. فالمسيح هنا يدعو نفسه وخاصته بأبناء الملوك الذين لا يُعوزهم شيء. ومع ذلك خضع من تلقاء نفسه وأدّى الجزية غير مُكرهٍ عليها. فمثلما كان هذا العمل ليس نافعاً ولا ضرورياً الى صلاح المسيح او خلا صه، كذلك هي كل اعماله الأخرى أو اعمال اتباعه ، فكلها لا تنفع للتبرير بشيء ، لأنها كلها تتبع التبرير ، فهي اعمال حرّة لا يُقصد بها إلاّ خدمة الآخرين فتكون لهم قدوة في الأعمال الصالحة ليقتفوها.

 

وعلى هذه الطريقة كتب الرسول بولس مذكّراً وموصياً ( رومية 13: 1  وتيطس 3 : 1 ) : بأن يخضع المسيحيون للرياسات والسلاطين ،وأن يكونوا متأهبين لكل عمل صالح، لا بقصد التبرئة فإنهم قد سبق وتبرّأوا بالإيمان ، بل عليهم ان يعملوا هذه الأعمال في حرّية الروح بقصد ان يخدموا الآخرين وحتى السلطات نفسها، ويطيعوهم بدافع المحبة وغير مكرهين. إن اعمال المؤسسات الدينية والأديرة والكهنة ينبغي ان تكون على هذا المثال فيؤدّي كل واحد ما يتولاّه من الأعمال بمقتضى منصبه أو نَذره الرهباني، ويجدّ ويبذل وسعه لا من أجل الحصول على البرّ ، بل كي يضبط جسده بواسطة هذه الأعمال ، ويكون قدوة للآخرين ممن هم أيضاً في حاجة الى السيطرة على اجسادهم ، وأخيراً يخضع للآخرين وينقاد لهم في حرّيّة المحبة الخالصة التي تتسم بها اعماله. ولكن على المرء ان يكون دائماً شديد الحذر من التصورات المضللة ، فيتوهّم أن هذه الأفعال تقوده الى التبرير او تُكسبه اهليّة او خلاصاً ، لأن هذه الأمور ليست إلاّ من اعمال الإيمان وحده، كما سبق وذكرت مراراً وتكراراً.

 

يسهل على كل من أدرك ذلك إدراكاً واضحاً ان يكيّف نفسه وفق تلك التعليمات والوصايا، وهي لا تُعدّ ولا تُحصى ، وهي الصادرة عن البابا والأساقفة والأديرة والكنائس والأمراء والحكام ، مما يُصرّ عليها بعض الرعاة الجهلة زاعمين انها ضرورية للتبرئة والخلاص ويدعونها " الوصايا الكنسية" ، مع انها ليست كذلك ابداً. فالمسيحي وهو الإنسان الحرّ يقول: "اني ارغب في ان أصوم وأصلّي وأن اعمل هذا الأمر وذاك ، وفق ما يأمره الناس ، لا لأن هذه الأفعال ضرورية الى تبرئتي من المعاصي والى خلاصي، لكنها ضرورية كي يتسنّى لي أن أؤدّي واجب الاحترام الى البابا أو الأسقف او المجتمع او الحاكم او الى قريبي ، وان أعطيهم مثلاً يُحتذى به. إني أريد ان اعمل هذه كلها واحتملها، متشبّهاً بالمسيح ، الذي عمل وقاسى من أجلي الى حدّ ابعد بكثير مما انا فاعله ، بالرغم انه لم يكن محتاجاً الى أيّ من تلك الأعمال من أجل نفسه، وقد صار هو تحت الناموس من أجلي ، مع انه لم يكن تحت الناموس. ومع ان هناك طغاةً ممن يطلبون مطالبهم عنفاً وجوراً ، فلا بأس بذلك، طالما هم لا يُطالبون بشيء يخالف مشيئة الله".

 

(29)

هذا الكلام الذي سبق ذكره ييسّر لكل واحد ان يصدر حكماً موثوقاً على جميع الأعمال والقوانين وأن يميّز بعضها من بعض تمييزاً جديراً بالثقة والاعتماد، وان يتعرّف ايضاً مَن هم رجال الدين العميان الجهلة ومَن هم الأصفياء المخلصون . فإن كل عمل لا يُقصد به ضبط الجسد أو خدمة القريب فحسب، لا يكون عملاً صالحاً او مسيحياً، هذا ما دام القريب لا يَطلب أمراً يُخالف الله . ولهذا السبب اني اخشى جداً ان ليس هناك على الإطلاق، او ليس هناك الاّ القليل فقط ، من المؤسسات الدينية والأديرة والقداديس والخدمات الكنسية الأخرى مسيحية بالحقيقة في يومنا هذا، زِد على ذلك الأصوام والصلوات وخصوصاً تلك التي تُقام في أعياد بعض القديسين. أقول اني اخشى اننا لا نسعى بهذه جميعها إلاّ الى ربحنا الخاص ، ظانين انها تؤاتينا تطهير الخطايا واننا نجد فيها الخلاص. وعلى هذا السبيل تفنى الحرّية المسيحية وتهلك هلاكاً تاماً ، وذلك بسبب جهلنا الإيمان المسيحي والحرّية المسيحية.

 

هناك رعاة عميان كثيرون ممن يجدّون ويبذلون وسعهم في الحضّ على جهالة الحرّية هذه وإخمادها. فهم يحثّون رعاياهم ويحملونهم على هذه الممارسات، فيحسنون الثناء عليها ويبالغون في مدحها عن طريق منحهم غفراناتهم، وبدون ان يعلّموا الإيمان على الإطلاق. أما انت، إذا أردت ان تصلي او تصوم او توقف وقفاً في سبيل الكنيسة، فإني أشير عليك ان تتحذّر من ان تقوم بأي من هذه الأفعال للحصول على المنفعة، سواءً كانت منفعة زمنية ام أبديّة، لأنك ان فعلت ذلك توصل الأذى الى إيمانك، لأن الإيمان وحده هو الكافل الضامن بان يوصل اليك جميع هذه الأمور. فليكن همّك الوحيد بان ينمو الإيمان، سواءً أإذا تدرّبت على الأعمال أم على المشقّات. واصنع صدقاتك وهباتك دون اعتبار أيّ أمر من الأمور إلاّ ان ينتفع بها الآخرون وأن يصيبوا نجاحاً بفضلك وبفضل جودتك. هذا هو السبيل الى ان تكون بالحقيقة فاضلاً ومسيحياً. فماذا تنفعك الأفعال الصالحة إذا لم تكن أنت محتاجاً اليها لضبط جسدك؟ فإن ايمانك كافٍ لك، إذ به قد اعطاك الله كل شيء.

 

انظر وتأمّل ! من شأن هذه القاعدة ان تجعل جميع الأشياء الجيدة التي لنا من الله  تجري جرياناً من الواحد الى الآخر، وتُصبح مشتركة بين الجميع. وهكذا يمكن لكل واحد ان يقبل بقريبه و"يمتثله" كأنه يمزجه بذاته، ويتخذ صورته ، ويسلك نحوه كأنه هو نفسه صار ذلك القريب. ان المسيح دفّق الأشياء الجيده فينا ولا يزال يدفّقها ، وقد "امتثلنا" او "لبسنا" وقام بمهامنا التي ليست مهامه في الأصل، وأخذ مكاننا كأنه اصبح واحداً منا. وبالتالي تتدفّق هذه الأمور منا الى اولئك الذين يحتاجون اليها، فيجب عليّ إذاً ان اضع امام الله إيماني وبرّي حتى يغطّيا خطايا قريبي ويتشفّعا فيه الى الله، وأن اجعل خطاياه التزاماً عليّ كأنها خطاياي اقترفتها انا بنفسي. وهذا ما صنعه المسيح من أجلنا. وهذا هو الحب الحقيقي. وهذه هي القاعدة الأصيلة التي تُبنى عليها الحياة المسيحية. فالمحبة الحقيقية الأصيلة تكون حيث الإيمان الحقيقي الأصيل. وبناءً عليه يقول الرسول عن المحبة ( 1 كورنثوس 13: 5 ): "انها لا تطلب ما لنفسها".

 

(30)

نستنتج إذاً ان المسيحي لا يعيش في ذاته ، بل يعيش في المسيح وفي قريبه ، وإلاّ فلا يكون مسيحياً. انه يعيش في المسيح بالإيمان ,يعيش في قريبه بالمحبة. بالإيمان يترفّع فوق نفسه ويتّحد بالله، وبالمحبة ينزل دون نفسه ويتّحد بقريبه، ولكنه يبقى دائماً في الله وفي محبته. كما يقول المسيح ( يوحنا 1 : 51) : "الحق الحق اقول لكم ، انكم سترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان".

 

لنكتفِ الآن بهذا القدر عن الحرّية. وكما ترى انها حرّية روحية وحقيقية، التي من شأنها ان تحرر قلوبنا من جميع الخطايا والقوانين والوصايا، كما يقول القديس بولس ( 1 تيموثاوس 1 : 9 ) : "مع علمنا ان الناموس لم يُشرّع للبار". انها حرّيّة تفوق كل حرّيّة أخرى خارجية بالفضل الى حدّ بعيد ، كما تفوق السماوات الأرض. ليعطِنا المسيح هذه الحرّيّة لنفهمها وايضاً لنتحفظ بها . آمين.

 

                                       

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

الملحق

 

 بهذا تنتهي رسالة الدكتور مارتن لوتر الى محافظ

 Hermann Muhlphordt Zwickauأما في ما يلي فهي الخاتمة التي ضمنها لوتر رسالته الى البابا ليو العاشر باللغة اللاتينية عن الموضوع نفسه ، حرّية المسيحي.

 

آ - أخيراً ، هناك امر يصح ان يكون معلوماً ويجب اضافته من أجل اولئك الناس الذين من شأنهم ان يسيئوا فهم كل ما يُقال لهم وأن يعملوا على إفساده مهما كان ذلك الكلام حسناً. ومن المشكوك فيه ان يفهموا حتى هذا الكلام الآتي.  فهناك الكثير الكثير من الناس الذين إن يسمعوا عن حرّيّة الإيمان هذه يحوّلوها فوراً الى فرصة ينتهزونها من أجل الجسد، فهم يعتقدون ان كل شيء قد أصبح الآن مباحاً لهم. انهم يريدون ان يظهروا انهم اناس أحرار ومسيحيون وذلك عن طريق ازدرائهم الطقوس والتقاليد والقوانين التي يفرضها البشر وانتقادهم اياها وتعييبها  كأنهم لا يكونون مسيحيين إلاّ لأنهم لا يصومون في أيام معيّنة حين يصوم فيها الآخرون بل يأكلون فيها لحماً، أو لأنهم لا يتلون الصلوات المعتادة ، وهم ينظرون بازدراء الى مبادئ السلوك والتعاليم الأخلاقية التي يعلّمها الناس ، مع انهم لا يكترثون البتّة بكل الأمور الأخرى المتعلّقة بالديانة المسيحية.

 

أما نقيض هؤلاء المتطرفين في آرآئهم والذين جاوزوا حدّ الاعتدال الى أبعد حدّ، فهم اولئك الناس الذين لا يتكلون في أمر خلاصهم إلاّ على تقيّدهم بالطقوس الدينية تقيّد تعظيمٍ وتكريمٍ ، كأن خلاصهم رهين بصيامهم في أيام محددة ، او في امتناعهم عن اللحم ، او في تلاوتهم الصلوات المعيّنة. فهم يباهون ويفاخرون بوصايا الكنيسة وتعاليم الآباء ، ولا يكترثون على الإطلاق بالأمور الجوهرية التي هي عماد ايماننا والتي يقوم بها الإيمان. والقول بصراحة ان الفريقين كلاهما حادا عن الصواب، لأنهما اهملا الأمور الأعظم شأناً والتي هي ضرورية للخلاص. وها هما يتنازعان ويتماحكان بضجيج شديد في أمور تافهة لا طائل فيها.

 

ب – ما أحسن تعليم الرسول بولس بهذا الصدد! فهو افضل بكثير من تعليم الفريقين المذكورين اعلاه ، لأن الرسول يوصينا بأن نأخذ الوسط بين الأمرين ، فهو يشجب موقف كلا الطرفين ويستنكره عندما يقول: "لا يزدرِ مَن يأكل من لا يأكل، ولا يدِن من لا يأكل من يأكل" (رومية 14: 3). وهكذا ترى هنا ان الرسول يعلّمنا ان لا نحتقر الذين يتمسّكون بالطقوس الدينية، ويؤنّب الذين يهملونها ويحطّون من قدرها لا عن تقوى بل عن قلّة الاحترام. مثل هؤلاء قد نفخهم العلم وتكبّروا. وأما من ناحية ثانية فإنه يعلّم الذين اصرّوا على الطقوس وعقدوا الضمير على الثبات عليها أن لا يدينوا الآخرين ، لأن ليس أيّ واحد من كلا الفريقين يسلك مع الآخر بدافع المحبة التي تبني الآخر وتُحسن اليه. لذلك من الواجب علينا ان نُصغي الى الكتاب المقدس الذي يعلّم ان لا نزيغ يميناً او شمالاً (تثنية 28: 14) ، بل ان نطيع وصايا الرب التي هي "مستقيمة تفرّح القلب" (مزمور 19 : 8 ). اذاً مثلما لا يكون المرء بارّاً لملازمته الأعمال والشكليات ولتعلّقه بها ، كذلك لا يُحسب المرء باراً لمجرّد اهماله الأعمال والشكليات واحتقارها.

 

ج -    ان ايماننا بالمسيح لا يعفينا من الأعمال ، بل يحررنا من الاعتقاد الخاطئ في ما يتعلّق بالأعمال. فإنه لضربٌ من التوهّم السخيف ان البرّ يُكتسب بالأعمال . ان الإيمان يفتدي ضمائرنا ويعتقها ويؤدّبها ويحفظها لكي ندرك ان الأعمال ليست رهينة بالبرّ ولا ضامنة له، مع انه لا يمكن الاستغناء عنها ولا بدّ من وجودها ، كما اننا لا نقدر على ان نستغني عن الطعام والشراب وجميع الأعمال التي يقوم بها هذا الجسد الفاني، على الرغم من ان برّنا لا يكمن فيها لأنه يكمن في الإيمان، ولكن يجب علينا ان لا نحتقر تلك الأعمال او نغفل عنها بسبب عدم ضرورتها للبرّ. اننا نلتزم احتياجات حياتنا الجسدية ونوجبها على انفسنا في هذا العالم، ولكننا لا نتبرّأ بها. "مملكتي ليست من هذا العالم" (يوحنا 18: 36)، يقول المسيح. لا حظ انه لا يقول "مملكتي ليست هنا، أي في هذا العالم". ويقول بولس : "فإنّا وإن كنا نسلك في الجسد ، لا نحارب بحسب الجسد" (2كورنثوس 10 : 3) ، ويقول ايضاً ( غلاطية 2 : 20)  : "وما لي من الحياة في الجسد انا حيّ به في الإيمان بابن الله". إذن ليست الأعمال التي نعملها والطقوس والشعائر الدينية التي نقيمها، وما لنا من الحياة ، إلاّ بسبب احتياجات هذه الحياة وبسبب مسعانا الى ضبط جسدنا. وانها مع ذلك لا تبررنا لأن الذي يبررنا هو الإيمان ، الإيمان بابن الله.

 

د من ثمّ يجب على المسيحي ان يأخذ الوسط والاعتدال بين هاتين الفئتين من الناس ويواجهما. وسيقابل اوّلاً فئة المتمسّكين بالطقوس تمسّك المعاندة وعدم الانثناء عنه. انهم كالأفاعي الصمّاء يسدّون آذانهم ولا يريدون ان يُصغوا الى صوت حق الحرّية ( مزمور 58 : 4 ). ليس لهم ايمان فلذلك يباهون بالطقوس ويفرضونها ويصرّون عليها كوسيلة للبرّ. هكذا كان اليهود في الزمان القديم ، الذين كانوا معاندين وكارهين أن يتعلّموا كيف يصنعون الخير. فينبغي للمسيحي ان يُقاوم هؤلاء ويُعارضهم كل المعارضة ويُهاجمهم بدون هوادة أو لين، كي لا يُزيغوا بآرائهم العديمة التقوى الشعب الكثير وراءهم ويجرّونه معهم الى الضلال. فمن المستحسن ان يأكل المرء اللحم وأن يُقلع عن الصيام بحضور هؤلاء الناس، وأن يقوم بأعمال أخرى في سبيل حرّية الإيمان، مما يعتبرونها هم اعظم الخطايا، وما علينا ان نقول عنهم إلاّ : "تنحّوا عنهم واتركوهم، انهم قادة عميان". ان الرسول بولس وِفقاً لهذا المبدأ ابى ان يختن تيطس لمّا أصرّ اليهود على ختانه ( غلاطية 2 : 3) . وكذلك عذر المسيح التلاميذ في قطفهم السنابل في السبت (متى 12: 1 – 8 ). وهناك امثلة مشابهة كثيرة.

 

أما الفئة الأخرى من الناس التي يلتقيها المسيحي فهم السذّج البسطاء والضعفاء في الإيمان، ممن هم غير قادرين بعد على استيعاب حرّيّة الإيمان، حتى لو كانوا راغبين في ذلك ( رومية 14: 1 ). فمن واجب المسيحي ان يتنبه إلى ان لا يجرح مشاعرهم ، بل ان يخضع ويرضى عن ضعفهم، الى ان يزدادوا وينموا في التعليم والإرشاد. ولما كانو يعملون ويفكرون على حالهم هذه، ليس لكونهم ملازمين للشر معاندة، بل بسبب ضعف ايمانهم، فمن الواجب التقيّد بحرص بالأصوام والأمور الأخرى التي يعتبرونها ضرورية لئلاّ توضع لهم معثرة. هذه هي وصية المحبة التي لا تسيء الى أحد، بل هي وصية الخير والمنفعة لجميع الناس. لا يستحق هؤلاء الناس اللوم على ضعف ايمانهم ، انما رعاتهم هم الملومون في ذلك، الذين اسروهم وقيّدوهم بحبال تقاليدهم. فأساؤوا استعمال التقاليد استعمالاً بغيضاً، فجعلوها عصيّاً يضربون بها الناس الذين كانوا جديرين بأن يتحرروا من الرعاة إياهم، وذلك بأن يتعلّموا الإيمان والحرّية. وهكذا يعلمنا الرسول في (رومية 14: 21 ، و1 كورنثوس 8 : 13) : "إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً الى الأبد". ويقول ايضاً ( روميا 14 : 14) : "اني عالم ومتيقّن في الرب يسوع ان ليس شيء نجساً بذاته  إلاّ من يحسب شيئاً نجساً فله هو نجس".

 

هـ لذلك ، إن كان يستوجب ان نُقدم على معلّمي التقاليد ونقاومهم بشدّة، وأن نجابه القوانين التي يسنّها البابوات ونستهجنها وننكرها عليهم بحدّة وعنف، إذ بها يقهرون شعب الله وينهبونه، فإنه يجب علينا مع ذلك ان نراعي عامّة الناس المتواضعين، ونلين لهم الجناح ونأخذهم بالملاطفة، وهم الذين يأسرهم اولئك الطغاة البعيدون عن الورع بتلك القوانين، فنعنى بهؤلاء الأصاغر الى ان يصبحوا احراراً. إذن حارب الذئاب محاربة بدون هوادة ، إنما محاربة من أجل الخراف وليس ضدّها. إنك لفاعل ذلك إذا كنت تندّد بالقوانين وبمشترعيها، وإذا كنت في الوقت ذاته تتقيّد بالقوانين مع الضعفاء كي لا يعثروا وتُجرح مشاعرهم، الى ان يتعرّفوا هم ايضاً حكم الطغيان ويفهموا حرّيتهم. أرغبت في استعمال حرّيتك ، فافعل ذلك في السّرّ ، كما يقول الرسول بولس ( رومية 14: 22) : "ألك اعتقاد فليكن لك في نفسك امام الله." ولكن احذر من استعمال حرّيّتك على مرأىً من الضعفاء. وأما من الناحية الأخرى فاستعمل حرّيّتك على مرأىً من الطغاة العُند، دائباً في ذلك على رغم منهم، حتى يتعلّموا هم ايضاً انهم أثمة بعيدون عن التقوى ، وأن قوانينهم ما هي بطائلة ولا يُنتفع بها من أجل التبرير بشيء ، وأنهم ليسوا أهلاً لِسَنّها.

 

و حيث اننا لا نقدر على ان نعيش حياتنا بدون الطقوس والتقاليد والأعمال، وحيث ان هناك الحاجة الى كبح مَن كانوا في سنّ الشباب من المنحرفين والغير مثقّفين ، والى كفّهم عن الأذى ، ووقايتهم بمثل هذه القيود، وكذلك حيث ان المرء مُلزم بأن يُحافظ على السيطرة على جسده عن طريق استخدام هذه الأعمال، فإن كل هذه الأسباب تُلزم خادم المسيح بأن يكون بعيد النظر وأميناً. إنها لأسباب توجب عليه ان يقوم بأمر المسيحيين ويُعلّمهم في كل هذه الأمور ، لئلاّ يتأذّى ضميرهم وإيمانهم، ولئلاّ تطلع فيهم ريبة مُضرّة، أو ينبت أصل مرارة يتدنّس به كثيرون، كما ينصح الرسول بولس العبرانيين محذّراً ( عبرانيين 12: 15) ، أي لئلاّ يفقدوا الإيمان ويتدنّسوا بتخمين قيمة الأعمال وأهميّتها تخميناً مضللاً ، ظانين ان الأعمال لا محالة من ان تبررهم . وما لم يتمّ تعليم الإيمان ملازماً الأعمال باستمرار ، فإن ذلك الخطر يحدث بسهولة ويُدنّس الكثيرين الكثيرين ، كما حدث في الماضي ولا يزال يحدث الى يومنا هذا، بسبب تقاليد البابوات واللاهوتيين وتعاليمهم، تلك التعاليم والآراء إياها ، الضارّة بالأخلاق والمتّسِمة بعدم التقوى، والتي من شأنها ان تدُمّر النفس. وقد جرّت هذه الفخاخ نفوساً لا تُعَدّ ولا تُحصى الى اسفل الجحيم حتى أصبح بإمكانك ان ترى فيها عمل المسيح الكذاب.

 

ز وبالإيجاز ، كما ان الغنى هو مِحَكّ الفقر، والعمل محكّ الأمانة، وارتفاع القدر محكّ التواضع ، والولائم محكّ الاعتدال ، والمتع باللذّات محك العفّة، هكذا الطقوس الدينية هي مِحَكّ برّ الإيمان لاختباره. ويسأل سليمان : "أيأخذ إنسان ناراً في حضنه ولا تحترق ثيابه؟" (امثال 6 : 27). ومع ذلك كما ان الإنسان لا مفرّ له من العيش وسط الغنى والعمل وارتفاع القدر والمتع والولائم، هكذا لا بدّ له من العيش وسط الطقوس الدينية ، أي وسط الأخطار. ولا غروى من ذلك ، فكما ان الصبيان الأطفال حاجتهم الحائجة ان يترعرعوا في إعزاز ودلال في أحضان الفتيات وبين ايديهن، وقايةً لهم من الهلاك، لكنهم عندما يصبحون بالغين يتعرّض خلاصهم للخطر إذا كانوا يعاشرون الفتيات ، هكذا يجب كبح الشباب المنحرفين ومَن لا خبرة لهم وإخضاعهم للتدريب ، وذلك بأن يُحجزوا وراء قضبان الطقوس الحديدية ، لئلاّ يدفعهم نزق الشباب الغير مكبوح في ارتكاب رذيلة تلوَ رذيلة. وأما من الناحية الأخرى فإن استمرارهم أبداً تحت نير عبودية الطقوس ظَنّاً بأنها تؤاتيهم التبرير، يكون بمثابة الموت لهم. فالأحرى هو عكس ذلك، أي ينبغي ان يعلّموا انهم سجنوا في سجن الطقوس لا ليتبرروا او ليحصلوا على استحقاق عظيم، بل كي يرتدعوا عن ارتكاب المعاصي ، وكي يسهل ارشادهم الى برّ الإيمان ، وأن إرشادهم على هذا النحو لما كان لهم طاقة به لو كانت نزوة شبابهم غير مُقيّدة.

 

ح إذاً يجب إعطاء الطقوس في حياة المسيحي المنزلة ذاتها التي تقوم بها التصاميم والمخططات لدى البنائين والمحترفين الحاذقين. انها لا تُعَدّ للبناء الدائم، لكن بدونها لا يُمكن انشاء أمر ما او إنجازه . وعندما يكتمل البناء تُترك وتوضع جانباً. انك لا شك ترى ان قدرها لا يُستصغر، بل على العكس إنها رائجة جداً والاهتمام بتحصيلها شديد، إنما ما نستخفّ به هو تخمينها التخمين الباطل ، فإن احداً من الناس لا يعتبرها البناء الحقيقي الدائم.

 

ط لو كان هناك احد من الناس قد بلغ اقصى درجات الحماقة والفضاحة بحيث لا يهتم بشيء طول حياته إلاّ بإعداد الخرائط والمخططات والأشكال الغالية الثمن غاية الغلاء ، ويُعنى بهذه التحضيرات بكل مثابرة وكل حرص، ولا يفكر في البناء ذاته، وكان راضياً بعمله هذا ويتباهى به ، وهو الذي لا يتجاوز صنع الخطط والأدوات المساعدة له ، أفلا تأخذ الشفقة جميع الناس من جنونه؟ ألا يفكّرون في أنه كان بالإمكان إقامة بناء عظيم بما بذّره إسرافاً؟ وبالتالي ، إننا لا نحطّ من قدر الطقوس والأعمال، بل اننا نوليها اهمية كبيرة، أما الأمر الذي نحطّ من قدره فهو ان يغلط المرء في تخمين الأعمال، ونقصد بذلك ان لا يعقد أحد عليها قلبه وضميره بأنها البِرّ الحقيقي ، كما يعتقد اولئك المراؤون الذين يقضون حياتهم كلها ضياعاً ، سعياً وراء الأعمال في شدّة الحماسة والغيرة، ولا يبلغون ابداً ذلك الهدف الذي من أجله ينبغي ان تُعمل الأعمال. مثلهم مثل اولالك النساء اللواتي يصفهنّ الرسول بأنهن: "يتعلّمن دائماً ولا يبلغن معرفة الحق ابداً ". ( 2 تيموثواوس 3 : 7 ). فهم في الظاهر يرغبون في البناء، ويأخذون للأمر عدّته ، ولكنهم لا يبنون أبد الدهر. فقد أخذوا بظاهر الدين وصورته ، واما قوّته فلا يبلغونها ( 2 تيموثاوس 3 : 5) : " لهم ظاهر التقوى لكنهم ينكرون قوّتها". وهم في الوقت نفسه راضون عن مساعيهم، حتى انهم يجترئون على إدانة الآخرين ممن لا يرونهم يتألّقون مثلهم بمظهر الأعمال الخادع. فلو كانوا مفعمين ايماناً ، لاستطاعوا ان يُنجزوا أموراً عظيمة في سبيل خلاصهم وخلاص الآخرين، بتلك المواهب الإلهيّة التي بذّروها وأفسدوها عبثاً.

 

ي بما ان الطبيعة البشرية والمنطق والسجيّة التي جُبل عليها الإنسان تنزع الى تصديق المعتقد الخرافي ، وتميل الى الوقوع في ذلك الوهم أنّ ما تفرضه الشرائع من القوانين والأعمال لا بدّ منه من أجل البرّ ، وعلاوةً على ذلك، حيث ان جميع المشرّعين الدنيويين دائبون في تدريب الناس على القوانين والأعمال، ويؤكّدون الاستمرار على ممارستها  وِفقاً لهذا الاعتقاد او الوهم ، فإنه من المستحيل ان ينجو الناس من ذي انفسهم من عبوديّة الأعمال وأن يُقبلوا الى معرفة حريّة الإيمان. لذلك نحن بحاجة الى الصلاة كي يجود الله علينا ويجعلنا "تلاميذه" أي المتعلمين منه (يوحنا 6: 45 ): "ويكون الجميع متعلمين من الله"، وأن يكتب تعالى بنفسه شريعته على صفحات قلوبنا، كما وعد (ارميا 31:33) : "أجعل شريعتي في ضمائرهم، وأكتبها على قلوبهم". وإلاّ ليس هناك أي أمل لنا. فإذا لم يُعلّم هو نفسه قلوبنا "حكمته هذه في السرّ ، الحكمة المكتومة" (1 كورنثوس 2 : 7 ) ، فإن الطبيعة البشرية لا مناص من ان تدينها وتحكم عليها بأنها ضرب من البدع، لأن الطبيعة تستاء منها وتعتبرها جهالة. وذلك نراه مما جرى في سالف الأيام، كما كان الحال مع الرسل والأنبياء ، ونراه ايضاً في يومنا الحاضر كما يفعله لي ولأمثالي البابوات الكافرون العميان ومالِقوهم والمتوددون اليهم. فمِن بعد ، ليرحمهم الله ويرحمنا ، وليضئ بوجهه علينا ، لكي نعرف في الأرض طريقه ( مزمور 67 : 1 و 2 )، وفي جميع الأمم خلاصه، الله المبارك الى الأبد ( 2 كورنثوس 11 : 31) .   آمين.

 

تم