عيد الإصلاح

 

عظة ألقيت في كنيسة الميلاد بتاريخ :

31/10/1988

القس د. متري الراهب

                                                                            

 

كان ذلك في مثل هذا اليوم من عام ألف وخمسمائة وسبعة عشر....

المكان مدينة Wittenberg  في مقاطعة سكسونيا الواقعة الآن

ضمن حدود المانيا الشرقية..... كانت الشمس ذلك النهار قد عادت

لتجمع أشعتها المبعثرة وراح الظلام الدامس يخيم على شوارع المدينة

وأزقتها.... غط الجميع في نوم عميق فخلت الطرقات من المارة

وخيمت على البلدة سحابة من الصمت والسكون.

 

وفجأة سمع صرير باب ضخم يفتح، تسلل منه راهب بدين

راح يقطع الطرقات المقفرة راكضا باتجاه مركز المدينة....

أقترب الراهب من ساحة المدينة ومر من أمام تلك البئر الجاثية

هناك ليقف أخيرا أمام كثدرائية المدينة العظيمة. جثا الراهب

عند درجات الكثدرائية وبعد أن رسم علامة الصليب على صدره

صعد تلك الدرجات الأربع ليقف أمام بوابة الكثدرائية.

وهناك وبينما أنفاسه تتراكض ودقات قلبه تتسارع مد الراهب

يده في جيب سترته ليخرج منها منشورا كبيرا كتب باللغة

اللاتينية .....أمسك الراهب بذلك المنشور بيده اليسرى بينما

أمتدت يده اليمنى لتثبت ذلك المنشور على باب الكثدرائية.

 

بقي الراهب منتصبا في مكانه لبضع ثوان وكأنه أراد التأكد من أن

المنشور قد ثبت في مكانه ولن يتزعزع، وبعد أن ألقى عليه

نظرة أخيرة نزل درجات الكثدرائية واختفى في ظلام الليل ليعود

من حيث أتى....

 

لم يطل ظلام تلك الليلة إذ سرعان ما بزغت شمس الحادي

من نوفمبر مبشرة بحلول عيد جميع القديسين.

وتوافدت جموع الحجاج المسيحيين من كل حدب وصوب إلى مدينة

Wittenberg لتشترك في صلاة العيد في كثدرائية المدينة....

 

وما أن وصلت طلائع الحجاج إلى باب الكثدرائية حتى فوجئوا بذلك

المنشور المعلق هناك....

 

قرأ الحجاج المنشور بل قل لقد ألتهموه إلتهاما فسرى في

نفوسهم سريان النار في كومة قش.... وتناقلت الألسن خبره

فذاع وشاع وانتشر ..... وبين ليلة وضحاها وبلا تلفاز

ولا مذياع ولا جرائد سرى ذلك المنشور الغريب، منشور

الراهب مارتن لوثر.....

 

أجل، أيها الأحباء، لقد بدأ الإصلاح بمنشور واحد علقه الراهب

الكاثوليكي مارتن لوثر على أبواب كنيسة Wittenberg .....

منشور واحد غير تاريخ الكنيسة وتاريخ أوروبا بل وكل تاريخ العالم....

منشور واحد خافه حكام روما أكثر من مئة جيش ومئة كتيبة....

منشور واحد أرتعب منه باباوات روما أكثر من ألف حصان بألف فارس.

 

لكن لماذا كل هذا الخوف والرعب من ذلك المنشور؟

خافت روما منشور ذلك الراهب لأنه دعا فيه إلى إنتفاضة شعبية

عارمة...أجل نادى لوثر بضرورة حدوث إنتفاضة في حياة الأمة وإنتفاضة

في حياة الكنيسة وإنتفاضة في حياة الفرد.

 

فالأمة كل أمة بحاجة مستمرة لأن تنفض عن ظهرها معالم الظلم

والجهل والطغيان....الأمة كل أمة بحاجة ماسة لأن تنفض عن

نفسها روح التعصب والضغينة والأحقاد....

 

والكنيسة كالأمة بحاجة دوما إلى إنتفاضة وإصلاح....

ما أشقى الكنيسة التي تظن أنها قد وصلت وصارت تناطح السحاب،

ما أشقى كنيسة تعيش في وادي الأحلام فتظن أنها لم تعد بحاجة

إلى إصلاح.....

 

الكنيسة وطالما هي على هذه الأرض ستظل بحاجة إلى إصلاح بعد إصلاح

كنيسة القرون الوسطى كانت بحاجة إلى إصلاح وكنيستنا اليوم بحاجة إلى إصلاح

كهنتنا وأنا منهم بحاجة إلى إصلاح.... شعبنا وأنتم جزء منه بحاجة

إلى إصلاح، مؤسساتنا مدارسنا شبيبتنا كلهم بحاجة إلى إصلاح....

 

كنيستنا بحاجة إلى إنتفاضة للنفض عنا خطايا عديدة، فنتخلص

من رواسب الصراعات الذاتية المختلفة والأحقاد الحزبية المختلفة والضغائن الطائفية المختلفة.

ليس عيبا أن ننتمي إلى كنيسة بحاجة إلى إصلاح، لكن العيب

كل العيب أن نبقى كما نحن وحيث نحن رافضين إجراء تعديلات وإصلاحات.

 

وأخيرا نادى لوثر بضرورة حدوث إنتفاضة مستمرة في حياة كل فرد،

لذلك كتب في الحجة الأولى من منشوره بأن الله يريد أن تكون حياة

المؤمن حياة توبة مستمرة.   التوبة هي إنتفاضة، فيها

ينفض المؤمن عن قلبه شوائب الخطية.

 

أيها الأحباء، من منا يتجاسر أن يدعي انه لم يعد بحاجة إلى إنتفاضة

روحية؟ من يتجاسر أن يدعي بأنه ليس بحاجة إلى توبة قلبية حقيقية؟

 

بشارة الإصلاح هي دعوة لكم يا من تعبتم من ثقل خطاياكم،

بشارة الإصلاح هي دعوة لكم يا من يئستم من أفكاركم وحياتكم،

بشرى الإنجيل تقول لكم بأنه ما زال هناك وقت للتوبة،

ما زال اليوم متسع من الوقت لتتخلصوا من ذنوبكم وتنفضوا عنكم أوباءكم.

بشرى الأنجيل تؤكد لنا اليوم بأن الله سيقبل توبتنا إن كانت صادقة،

أجل سيقبل الله توبتنا رغم ضعفنا وآثامنا وذلك إكراما لفادينا

يسوع المسيح، الذي يشفع لنا عند الآب.

 

في هذا اليوم دعونا نردد مع المرنم قائلين:

 

أتوب فتوبني              أعود فرجعني

إليك لا سواك             أسترني بدماك

أتوب اعود أتوب         إليك لا سواك

أنت يا من فديت                    نفسي بالصليب

وعن خطيتي              ذقت الموت الرهيب

كيف أنا أحزنت                    روحك حبيبي

أمامك أعود                ولأجدد العهود

 

آمين