عيد الإصلاح

 

متى 5: 2-10

3/11/1991

 

أيها الأحباء في الرب،

إن قلب العهد الجديد هي عظة يسوع على الجبل،

أما قلب العظة الخالدة فهي التطويبات....

 

في التطويبات يتحدث يسوع عن أصحاب السعادة،

وهنا لا بد من أن نرهف السمع فنحن جميعا صغيرا وكبيرا

شيبا وشبابا رجالا ونساء كلنا نبحث عن السعادة.

 

نتساءل: من هم أصحاب السعادة؟ الصحف تقول أنهم أصحاب الملايين

أصحاب المال والجاه والنقود؟ ولكن هل نصدق الصحف وقد

أضحت أفيونا للشعوب، تستخدمهم وتعدهم وتبيعهم كلاما في كلام؟

 

نقول ونتساءل: من هم أصحاب السعادة؟ يسوع الناصري يقول: أنهم الفقراء

والودعاء، الجياع والعطاش، الرحماء والأنقياء القلب، أنهم المطرودون من أجل البر.

 

نود أن نصدق كلمات الناصري، فكلماته عذبة، وأنغامه جميلة

وصوته رنان رخيم.

 

نود أن نصدق الناصري ولكن فكرنا يثور، يتمرد، يرفض الإصغاء...

نود أن نؤمن بتطويبات الناصري ولكن تجاربنا ماضينا إختياراتنا

كلها تضج، تكذب الناصري، تقنعنا بأن كلماته طوباوية

رومانسية، سكرية، لكن ليس لها مكان في الواقع المعاش.

 

طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض...

نود أن نصدق هذا، ولكن ما أن نفتح أعيننا إلا ونرى الأقوياء

وقد راحوا يسيطرون على الأرض وعلى مواردها.

 

طوبى للجياع والعطاش إلى العدل، فإنهم يشبعون....

جميلة هي هذه الكلمات، ولكن مرة هي الحقيقة،

فالجياع والعطاش إلى العدل يصرخون، يتذللون، ومن ثم يموتون

جوعا وعطشا في صحراء الكون وغاباته.

 

طوبى للمطرودين من أجل قضية عادلة، فإن لهم ملكوت السموات،

عظيمة هي هذه العبارة، ولكن مؤلمة هي التجارب والاختبارات.

فإخوتنا الذين طردوا، وشردوا وهجروا، ما زالوا يقبعون

في المخيمات، ما زالوا يعيشون في الأكواخ ما زالوا صامدين ليس

لهم أين يسندون رؤوسهم.

 

 

طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون،

ما أروع هذه الآية، ولكن ما أشبهها بالخيال،

فالناس تمجد هذه الأيام صانعي الحروب، وتتذلل لهم وتهادنهم

وتبجلهم وتكيل لهم المديح تلو المديح.

 

أجل، أيها الأحباء،

ما أجمل التطويبات وما أبعدها عن واقعنا المعاش.

ما احلاها، ولكن ما أمر ما نختبره ونحياه ونراه.

ولكن هل نترك التطويبات؟

وإن تركناها فهي لن تتركنا، بل ستلاحقنا، تبقى تطن في آذاننا

تظل حية في ضميرنا ووجداننا....

 

فيسوع الناصري هو الذي صاغ هذه الكلمات،

ولأنه هو الذي نادى بها فلا بد أن تكون صادقة، أمينة وصحيحة تلك الكلمات!

طوبى للجياع والعطاش إلى البر فإنهم يشبعون....

 

أو لم نختبر مرارا صحة هذه الكلمات؟

رأيت أناسا يترددون على الكنيسة، يأتون إليها الأحد تلو الآخر،

يخرجون منها كما أتوا خالي الوفاض،

ولكن كان هناك إنسان أتى إلى الكنيسة جائعا إلى كلمة من الله، أتى نفسه

يابسة، روحه ناشفة، تشتاق إلى رحمة الله، أي كما يأتي الإيل إلى جداول المياه،

جلس في الكنيسة، أعترف إلى الله بجفاف ثماره، أخبره بحاجاته إلى رحمته وبره.

أستمع إلى العظة، إلتهمها كما يلتهم الجائع كسرة من الخبز، فاطمأنت نفسه،

وشبعت روحه، أشترك في عشاء الرب فتجددت عزيمته وقوي إيمانه

وتعزى ضميره، وخرج من الكنيسة خليقة جديدة، خرج يشكر الله

مرددا: أعين الكل إياك تترجى، وأنت تعطيهم طعامهم في حينه.

تفتح يدك فتشبع كل حي رضى.

 

طوبى للجياع والعطاش إلى البر، فإنهم يشبعون...

أو لم نختبر هذه الحقيقة في مثل الفريسي والعشار.

الفريسي الذي جاء إلى بيت الله واثقا ببره، معتزا بأعماله

فرحا بتدينه، أو لم يخرج خالي الوفاض؟

 

أما العشار الذي شعر بفراغ نفسه وبحاجة روحه،

العشار الذي أحس باشتياقه إلى الله وإلى بره وغفرانه

هذا خرج مشبعا فرحا مطمئنا دون ذاك.

 

طوبى للجياع والعطاش إلى العدل فإنهم يشبعون...

الجياع إلى المال سيجوعون،

والعطاش إلى السلطة سيظمؤون،

الجياع إلى الثأر، سيهلكون والعطاش إلى الظلم يظلمون،

أما الجياع والعطاش إلى العدل فهم وحدهم سيشبعون.

 

إن الذي أستمع إلى كلمات شامير، في مؤتمر مدريد المليئة بالحقد والغش،

يدرك أن شامير لن يشبع أبدا ولن يرتاح أبدا ولن يفرح أبدا.

بعكسه كانت كلمات الوفد الفلسطيني، التي عبرت عن جوع هذا

الشعب إلى العدل وعن عطشه إلى الحرية، إن شعبا يعطش إلى

العدل كشعبنا لا بد أن يرى العدل ولا بد أن يحظى بالحرية.

 

ولا تغتروا أيها الحباء،

فما زال هناك إله يرى ويسمع، ينظر ويعمل وإن أمهل فلن يهمل،

الجياع إلى العدل سيشبعون لأن هناك إلها حيا،

إلها عادلا، يسمع أنين المظلوم ويميت المتكبر في غطرسته،

 

أجل، طوباكم أيها الجائعون إلى البر الإلهي فإنكم ستشبعون،

وطوباكم أيها العطاش إلى العدل الإنساني، فلا بد

وأن تنالوا حقوقكم.

 

فالناصري لا يكذب، بل يصدق بوعده،

يشبع الجياع برا وعدلا،

ويرسل الأقوياء فارغين.

 

فلنطلب البر ولنسعى وراء العدل في كل لحظة

من لحظات حياتنا فترتوي نفوسنا من بر الله،

ونحظى أخيرا بالعدالة والحرية.

 

آمين