الإصلاح والشرق العربي

 

عظة ألقيت في كنيسة الميلاد في 1/11/1987 – 31/10/1993

 

 

تحتفل الكنيسة اللوثرية في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر من كل عام بعيد الإصلاح.

وفي مثل هذا العيد تقف الكنيسة وقفة إجلال لذاك المصلح الكبير مارتن لوثر

الذي حمل مشعل الإنجيل عاليا ماحيا الظلام عن وجه الكنيسة المسيحية

معلنا عن إشراق ِِ فجر جديد في تاريخ الكنيسة.

 

ومرت الأيام بل لقد مضى قرابة خمس قرون على ذلك اليوم الحاسم من تاريخ كنيستنا.

والسؤال الذي يطرح اليوم نفسه هو: هل انتهى عصر الإصلاح بموت المصلح؟

هل أصلحت حال الكنيسة فعلا؟ هل قضي على الفساد الديني حقا؟

 

أم أن الكنيسة اليوم بحاجة ماسة إلى إصلاح جديد؟

وأنظر حولي فأرى الفساد وقد دب في جسد الكنيسة من جديد، فتدهورت

حالها وساءت أحوالها. نخال كنيسة القرن العشرين قد رجعت إلى الوراء

إلى تلك العصور الوسطى المظلمة لتغط في نومها من جديد.

 

إذا فالكنيسة وأخص بالذكر الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هنا في المشرق العربي

بحاجة اليوم إلى إصلاح جديد. كيف سنستطيع إصلاح هذه الكنيسة؟

وهل تجدي رسالة الإصلاح التي نادى بها مارتن لوثر نفعا لكنيستنا

الإنجيلية اللوثرية اليوم؟ هل من فائدة تجنيها كنيستنا العربية من

قوة الإصلاح التي قام بها مارتن لوثر؟ هل نسطيع أن نضيء مصابيح كنائسنا

من شعلة الإصلاح المتقدة لتنير لنا دربنا؟

 

نادى المصلح الكبير مارتن لوثر بأمور ثلاث أراها ما زالت مهمة لنا نحن

إن أردنا إصلاح كنيستنا الفتية.

 

1)     كهنوت جميع المؤمنين:

إن الفكرة الرئيسية في الإصلاح الإنجيلي هي كهنوت جميع المؤمنين.

لم يكن للفرد العادي، لم يكن للعلماني أي قيمة تذكر في كنيسة القرون الوسطى.

فلم يكن له حق الإتصال المباشر مع لله. لم يكن له الحق في قراءة الكتاب المقدس

ولا تفسيره. بل لم يكن له الحق حتى في التمتع بغفران الله ونعمته.

 

أجل أحتكر رجال الدين في القرون

الوسطى الدين، فراحوا يصدرون الفتاوي والصكوك يكبلون

بها البسطاء من أفراد الشعب، بل ونصب العديد من الكهنة

والفقهاء أنفسهم ممثلين عن لله على الأرض يحللون ما يشاءون

ويحرمون ما يخشون ويكفرون من دعا للتفكير والتغيير والتجديد.

 

 

كان العلماني ضعيفا لدرجة أنه لم يكن بإستطاعته التقرب إلى الله إلا بواسطة

رجال الدين والقديسين فحسب. نعم أحتكر رجال الدين دين المسيح فجعلوه

قصرا عليهم وارتفعت قيمة الكاهن حتى أضحى ممثلا الله على الأرض

يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء.

 

فثار مارتن لوثر وأبى أن يقيد نفر من المنتفعين بالدين حرية

فكره وعقله وضميره، وأصر على حرية التفكير في زمن التفكير.

فحرية الضمير هي من حرية المسيح...

 

 

وجاء لوثر ثائرا معلنا نهاية الإحتكار الديني في الكنيسة. جاء لوثر يبشر

بكنيسة جديدة كل مؤمن فيها كاهن لله. جاء لوثر مناديا إن

بإمكان كل إنسان أن يقترب إلى الله في أي وقت شاء ودون الحاجة إلى

واسطة بشرية إذ أن المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس.

أفرحوا أيها الشعوب، فكل مؤمن فيكم كاهن لله بالمسيح يسوع.

 

تهللوا أيها الجموع فلا فضل للكاهن على علماني بعد اليوم إلا بالإيمان.

 

لا مكان بعد اليوم للسيطرة الكهنوتية ولا للهيمنة الإكليركية.

جميع المؤمنين كهنة: هذه الحقيقة التي وصل إليها لوثر عن طريق

قراءته للكتاب المقدس مهمة جدا لكنيستنا الفتية في هذه البلاد بالذات.

 

ليت الله يوقظ أفراد طائفتنا ليعوا حقوقهم. أنتم كهنة الله. لكم الحق

كل الحق في قراءة الكتاب المقدس وتفسيره. لكم الحق في الاشتراك

في إتخاذ القرارات التي تخص مستقبل كنيستنا. أنتم كهنة الله....

لكم الحق في المساهمة الفعالة والجدية في بناء هذه الكنيسة.

 

أنتم كهنة الله....لكم حقوقكم فلا تفرطوا بها، ولكم واجباتكم فتقيدوا بها.

أنتم كهنة الله...فأنتم مسؤولون أمام الله عن نشر ملكوته بين البشر.

أنتم كهنة الله... فبشروا بعضكم بعضا بإنجيل المسيح عيشوا ككهنة

قديسين. لا تنظروا إلى الراعي وتطلبوا منه، لا تطلبوه من أنفسكم

فكلكم سواسية أمام الله. كل ما أردتم أن يعمل القس بكم، أفعلوا

هكذا أنتم أيضا ببعضكم البعض.

 

إن عقيدة كهنوت جميع المؤمنين أعطت للحياة معنى جديدا،

إذ أعطت كل عمل بشري بعدا روحيا،

فالمعلم كاهن في مدرسته، ينتظر منه الله أن تكون خدمته قربانا مرضيا،

والعامل عليه أن يبدع ليصير عمله قطعة فنية تنال رضى الله،

 

والطبيب الذي يعالج مرضاه إنما يكهن لله ويخدمه،

فالحياة برمتها أصبحت قداسا مقدسا، وصغائر الأمور أضحت

قرابين مكرسة، والعمل اليومي أصبح صلاة تصعد إلى قلب الله.

 

هذه هي رسالة الإصلاح، ما زالت حية تتكلم لنا نحن أبناء القرن

العشرين، نحن أبناء المشرق العربي.

 

 

2)     أما الأمر الثاني فهو أن الإصلاح إنما هو حاجة يومية وثورة مستمرة.

عاشت كنيسة القرون الوسطى مؤمنة بأنها قد حوت بين أضلاعها

الحق الكامل، واعتقدت بأنها قد وصلت إلى قمة مجدها وأنها أضحت

كنيسة مقدسة لا غضن فيها ولا ضعف.

 

ونسيت الكنيسة أن من ظن أنه قد وصل فهو بالحقيقة تائه،

وأن الذي يفكر أن الكنيسة تستطيع أن تكمل مسيرتها

"كما كان في البدء وهو الآن وسيبقى إلى الأبد" لم يدرك كنه وسر الكنيسة.

 

فالكنيسة بحاجة إلى إصلاح مستمر، وتجديد لخلاياها

بلا إنقطاع، فهي إن سمرت في مكانها ماتت وفقدت حيويتها،

وإن هي بقيت على حالها أضاعت جوهرها.

 

وإن لم تنفض عنها غبار الأيام أمست مؤسسة ليس إلا.

فالكنيسة بحاجة إلى إصلاح مستمر،

كما أن المسيحي يفتقر إلى إنتفاضة يومية، وهي ما أسماها

لوثر بالتوبة.

 

قال لوثر في حجته الأولى أن الله يريد أن تكون حياة المؤمن

حياة توبة مستمرة، فما أسهل أن يعتاد الإنسان على عمله وعلى خدمته وعلى نمط تفكيره، وما أسرع أن يتحجر الإنسان في روتين عمله، فلا يعود يفكر في ما يعمل

ولا يراجع نفسه ولا ضميره ويحيا حياته كسفينة تمخر عباب البحر

ولكن بلا هدف تقصده أو ميناء تسير بإتجاهه.

 

حياة التوبة هي ما ينتظره الله منا، حياة، كل يوم فيها يجلب معه تحديا جديدا

وكل ثانية فيه تحثنا على إعادة التفكير، وعلى فحص الضمير وعلى تقييم

المسيرة.

 

 

3-       أما الحقيقة الثالثة والتي نادى بها والمهمة لكنيستنا بالذات فهي الإستقلال الكنسي.

جاء لوثر ورأى الكنيسة مستعبدة لروما. كان البابا قد جعل من نفسه رأس

الكنيسة، ما يقرره هو على كرسيه في روما يطبق في المانيا. بل أن الكتاب المقدس

نفسه كان ما زال يقرأ باللغة اللاتينية، بلغة لم يكن أحد من أفراد الشعب يفهمها.

وكذلك كان الحال مع خدمة العبادة الأحدية واليومية إذ كانت الطقوس واللوترجيات

لاتينية اللهجة رومانية الطابع.

 

ورأى الترانيم وقد أكل عليها الدهر وشرب، فنظم ترانيم بكلمات جديدة

وألحان رخيمة وكأنه أراد أن يجعل من الصلاة الأحدية عرسا ألماني الطابع،

قريبا إلى القلب ومحببا إلى النفس.

 

فالإيمان المسيحي ليس بالشيء المتحجر، بل إنما هو تراث حي يتجسد

في مكان وزمان معَينين، لذلك راح لوثر يفسر قواعد الإيمان المسيحي

بلغة يفهمها المزارع الألماني البسيط فيحيا بموجبها.

 

وثار لوثر، ثار من فرط محبته للكتاب المقدس، أراد أن يصبح هذا الكتاب مقروءا ومفهوما من الجميع وخصوصا من عامة الشعب. فكلمة الله هي للشعب لكل الشعب

وليس لطبقة معينة. كلمة الله هي للشعوب أجمع، وعلى كل شعب، على كل قوم أن

يترجموا الكتاب إلى لغتهم القومية ويقرأوها بلغتهم اليومية.

 

ولهذا نرى لوثر يمضي سنين طويلة جادا في ترجمة الكتاب المقدس من اللغة اللاتينية إلى اللغة الألمانية وكذلك نراه يترجم خدمة الصلاة العامة ويؤلف العشرات من التراتيل

الدينية بلهجة مفهومة  وأشهر هذه الترانيم هي ترنيمة الله ملجأ لنا.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: أين نحن من إستقلال الكنيسة؟

حقا إننا نملك بين أيدينا الكتاب المقدس مترجما بلغتنا العربية التي نعتز بها.

حقا إن خدماتنا الدينية تقام كل أحد بلغة نفهمها....بل ولقد حاربنا زمانا

طويلا ليكون لنا مطرانٌ عربي من أبناء قومنا وحققنا مآربنا سنة 1979.

ولكن هل كنيستنا مستقلة فعلا؟ هل هي حرة فعلا؟

أتريدون الحق؟ لا، إن كنيستنا ما زالت مستعبدة. لقد خطت كنيستنا

أولى خطواتها في طريق الإستقلال ولكن الطريق أمامنا ما زال طويلا صعبا وشائكا.

وكيف ندعي الاستقلال وما زلنا نقتات من الفتات الساقط من موائد

سادتنا الأوروبيين؟ كيف ندعي الاستقلال وما زلنا متكلين على أموال

الصمود الأجنبية لتغطية معاشات قسسنا وموظفينا وتسديد نفقات

كنائسنا ومدارسنا؟

 

إن يوم الإصلاح يذكرنا بأنه لا بد من أن نجلس معا لإيجاد طرق

تساعدنا على أن نستقل ماديا. لا بد لنا أن نتعب لنأكل خبزنا بعرق جبيننا.

ونعلم أولادنا من تعب أيدينا.

 

حقا لقد إستقلينا إداريا وعلينا أن نستقل ماديا والأهم من هذا وذاك

هو لا شك أن نستقل روحيا! إن نظرة واحدة إلى كتاب الصلاة

الحالي وإلى ذاك الكتاب الذي سبقه ترينا أن خدمتنا الأحدية ما زالت

تقام حسب طقوس غربية. لوترجية طوائفنا غربية الطابع غريبة عنا.

 

ولهذا نمل مرارا من تكرارها ولهذا نشعر كثيرا بأنها جامدة لا حياة فيها.

إن كنيستنا بحاجة إلى طقوس عربية شرقية الطابع. وجدت الصلاة

الجمهورية لتكون عرسا مسيحيا، عرسا محليا تعمر أجواؤه صيحات الفرح

والإبتهاج ويسود جوه الإحتفال فأين نحن من ذلك؟

 

ولنرهف آذاننا إلى ما يذاع من على منابر كنائسنا. ألا نشعر

أن اللاهوت الموعوظ به لاهوت مستورد، كتب لإناس آخرين

لا يعنينا إلا القليل منه. لهذا فلا بد من إيجاد لاهوت محلي....

لابد من أن نرهف آذاننا نسمع ما يريد الله أن يقدم لشعبنا الفلسطيني

في محنته وكل فرد فينا في حياته. دعونا نرجع إلى الكتاب المقدس

من جديد لنكتشف المسيح من جديد يتكلم لنا ولكن ليس بلسان غربي

بل بلسان عربي فصيح.

هذه هي أيها الأحباء رسالة الإصلاح لأبناء القرن العشرين في

المشرق العربي. إنها دعوة لنصحى من غفوتنا، ولندرك سر كهنوتنا

ونصغي إلى كلمات الله أبينا علها تقشع عن نفوسنا الغيوم فيشرق

علينا فجر يوم جديد ونحظى بإصلاح جديد.

 

4) - أما الأمر الرابع والأخير والمهم في فكر الإصلاح فهو

التمييز بين ملكوت الله وملكوت العالم.

هذا الفكر جاء ضد الكنيسة الكاثوليكية التي جمع البابا فيها السلطتين معا،

وبهذا كان المصلح ضد أية دولة دينية تجتمع فيها السلطتان معا.

لأن الخلط بين سلطة الدين والدنيا مخيف، لأن السلطة المدنية

إن أعطت لنفسها تبريرا دينيا أصبحت دكتاتورية مخيفة،

لأن من يقف ضد الحاكم إنما يحارب الله، ومن يحارب الله فهو

مرتد، ومن يرتد يسهل قمعه وقتله واستبعاده.

ولكن وفي الوقت ذاته رفض المصلح الفصل الكامل بين الملكوتين،

مثلما فعلت بعض الكنائس الحرة على زمنه، والتي

رفضت النظام المدني كونه لا يعمل حسب القوانين الدينية.

رفض المصلح الحلين وقال بأنه يجب التمييز لا الفصل والإنخلاط

بينهما، وعلينا أن ندرك الوسائل المختلفة للملوكتين.

ملكوت الله لا وسيلة واحدة وهي الإنجيل ومع الإنجيل المحبة

أما الملكوت الأرضي، الدولة، فلها وسائل أخرى كالناموس والقانون

ولذلك هي بحاجة إلى القوة.

وأظن أن هذا التمييز مهم لنشوء نظرية الدولة الحديثة.

وكأننا بالشرق ما زلنا نعيش في القرون الوسطى نخلط ما بين الملكوتين.

أو بين العالم كما هو وبين العالم كما نحلم به.

العالم كما هو يسير على شريعة الغاب، والقوي يأكل به الضعيف،

والمصالح هي، تتحكم بقرارات الدول

أما العالم كما نحلم به فهو عالم العدالة والمحبة والسلام والرخاء

إذا لم نميز بين الأثنين لا نستطيع أن نأخذ القرارات

الشجاعة والصحيحة، بل نبقى في تخبط وإرتباك ةقلق.

أولائك الذين ينتظرون من القمم العربية، أن تأخذ القرارات التي يحلمون هم بها

هم في الواقع لا يميزوا بين العالم كما هو وبين العالم كما هم يحلمون به.

فقط إذا فهمنا هذه المعادلة نستطيع أن نؤثر في صنع القرار

أيها الأحباء، وإلا سنبقى إما فقط نستجدي، أو نحلم ونحمل،

أما إن ميزنا بين العالم كما هو وكما نريده، عندها نستطيع أن

نكون قوة فاعلة ومؤثرة ومغيرة.

 

وهذا هو هدف الإصلاح الأول والأخير. ألا نبقى

متفرجين، بل فاعلين ومؤثرين ومصلحين.

 

وفي بناء مجتمع فلسطيني متميز.

 

 

5-     أما الأمر الخامس الذي نادى به الأصلاح فهو أن الخلاص إنما هو

بالإيمان وليس بالأعمال.

إذ كان عند الكنيسة في القرون الوسطى مجموعة من الفرائض

والمراسيم التي أعتبرت أساسية لخلاص الإنسان

ولازمة لنيل رضى الله....فلقد طغى على القرون الوسطى شعور

بالخوف والرهبة من الأكتشافات الحديثة إرتبطت بخوف من الله فاصدرت

العديد من المحلَللات والمحرمات، وراحت تتفنن بسن شرائع

الأكل واللباس أكثر من إهتمامها بقلب الإنسان بوعيه وبفكره.

 

وقد جرب مارتن لوثر هذه الفرائض جميعا ولكنه لم يحصل على

الشعور بالخلاص الذي كان ينشده...وبعد كفاح روحي طويل

أشرق نور الحق على ذهنه فاكتشف أن الغفران الذي يطلبه

هو عطية الله المجانية التي لا يمكن الحصول عليها بأعمال

الإنسان بل بنعمة الله بالإيمان.

 

فأعمال الإنسان لا بد منها، ولكنها نتيجة تنبع من الإيمان

الحي الحقيقي، ولكنها لا تجلب بحد ذاتها الغفران والرحمة،

وبعبارة أخرى ان الأعمال تتبع الإيمان، وهي دليل على الخلاص

وليست سببا له.  فالإيمان هو الأصل والأعمال هو الثمر.

 

بهذه العقيدة حرر مارتن لوثر الإنسان من الخوف الذي

كان يكبله، ووضع في قلبه بذور الثقة برحمة الله،

وبذور المحبة لله واللإنسان.

 

إن رسالة الإصلاح ما زالت هامة لكنائسنا اليوم،

بل لأمتنا ولأبناء شعبنا، لأنها رسالة خالدة لإصلاح

دائم.

 

 

 

آمين