مرور 450 عاما على وفاة المصلح مارتن لوثر - 1996

 عيد الإصلاح

 

 

تحتفل الكنيسة اللوثرية في الحادي والثلاثين من

شهر أكتوبر من كل عام بعيد الإصلاح. وفي مثل هذا

العيد تقف الكنيسة وقفة إجلال وإكبار لذلك

المصلح الكبير الدكتور مارتن لوثر الذي حمل مشعل

الإنجيل عاليا ليبدد ظلام القرون الوسطى عن أوروبا

معلنا عن إشراق فجر جديد في تاريخ الكنيسة المسيحية.

ويصادف هذا العام مرور أربعمائة وخمسين عاما

على وفاة المصلح مارتن لوثر، ففي صبيحة الثامن عشر

من شهر شباط سنة 1546 توفي مارتن

لوثر عن عمر يناهز ثلاثا وستين سنة.

 

وبهذه الذكرى لا بد من أن نقف لحيظة نتأمل في حياة

هذا المصلح من نهايتها. فالإنسان لا يعرف على حقيقته

إلا ساعة موته، وإن أردنا أن نفهم حياة

إنسان على حقيقتها فما من سبيل أفضل

 

من أن نتأمل مماته. فكما أن الصليب هو مفتاح

حياة الناصري، كذلك كان الرقاد هو مفتاح حياة

مارتن لوثر. كيف؟

 

لم يواجه مارتن لوثر الموت مرة واحدة، بل إنما

تقابل معه مرات ومرات. وأمام شبح الموت هذا

كان لمارتن لوثر مواقف لا تنسى. ونستطيع

أن نحصي على الأقل أربع مرات تقابل فيها مارتن لوثر مع

الموت وجها لوجه وتعارك معه فانطلقت

شخصيته وامتحن معدنه وبان صدق دعوته.

 

1)     المرة الأولى كانت عام 1505 وكان لمارتن

لوثر من العمر فيها أثنين وعشرين عاما. كان

مارتن لوثر ما زال في ريعان شبابه، كان قد أنهى

لتوه رسالة الماجستير في العلوم

وانخرط في دراسة القانون وتدريس الفلسفة.

 

في ذلك العام توفي وفجأة ودون سابق إنذار

أحد أقرب أصدقائه وأحبهم على قلبه، فتسلل الخوف

إلى قلب مصلحنا وراح يسأل نفسه ماذا سيكون

 

مصيره لو إنقضت حياته بهذه السرعة وبدون سابق إنذار،

فراح شبح الموت يلاحقه ليل نهار ويطرد النوم من عينيه.

وفيما كان سائرا في الغابة وهو في حالة نفسية مضطربة

يفكر في سر عدو الإنسان المخيف هذا، إذا بصاعقة

رهيبة تباغته ولا تبعد عنه سوى قيد

أنملة، وها هو مارتن لوثر يلقي بنفسه على الأرض وخيل

له أن يد الموت قد طالته أخيرا فصرخ مستنجدا

بالقديسة حنة ونذر أنه إن سلم من خطر الموت فسيهجر

العالم ويصير راهبا.

 

هذه كانت مقابلة مارتن لوثر الوحيدة قبل إكتشافه

مغزى الإنجيل الجديد وبشرى التبرير بالإيمان وجاءت

هذه المقابلة إثنا عشر عاما قبل إنطلاق شرارة الإصلاح.

وإذا تساءلنا عن موقف لوثر أمام الموت قبل

الإصلاح نقول أن مارتن لوثر كان يرتعب

من الموت، يهرب، يستنجد، كان كثير الهلع

يرتجف، يخاف على حياته، وهذا هو نفس موقف

مارتن لوثر من الله قبل الإصلاح، فقد كان الشاب اليانع

 

مارتن لوثر يرتعد من الله، يموت خوفا منه، وكان يسأل

دوما: كيف أنجو من عقاب الله، وكيف أحظى بإله رحيم

ومن ينقذني من يد الدينونة. فأمام شبح الموت تظهر

علاقة الإنسان بالله على حقيقتها.

 

2)     أما المرة الثانية التي تقابل فيها مارتن لوثر مع الموت فكانت

بعد الإصلاح بأربع سنوات وذلك أمام مجمع فورمس الشهير

في 28-1-1521. فقد عقد هذا المجمع بناءا على رغبة

البابا بهدف التخلص من مارتن لوثر بأية وسيلة. لم يكن

هذا مجمعا بقدر ما كان جلسة محاكمة للمصلح وآرآئه.

ولقد حضر هذا المجمع عدد كبير من الملوك والأمراء

وما يربو على الخمسة آلاف مشاهد.

 

في هذا المجمع طلب السفير البابوي من الملوك والأمراء

محاكمة مارتن لوثر لأن مؤلفاته تحوي من الأخطاء والأضاليل

ما يكفي لحرق مئة ألف هرطوقي. وكان هذا بمثابة حكم بالأعدام

على مارتن لوثر. وأنهى السفير

البابوي كلامه بأن توجه إلى مارتن لوثر قائلا:-

 

"يا مارتن، هل تعرف بأن هذه الكتب، مشيرا إلى حوالي

عشرين مجلدا موضوعة على طاولة، هي من تأليفك، وهل

أنت مستعد أن تسحب هذه الكتب وما تحتوي عليها، أم تصر

عليها؟ فأجاب مارتن لوثر على السؤال الأول بالإيجاب،

أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني، فقد طلب مهلة للتفكير في الإجابة

عليه. وأعطي لوثر هذه المهلة على أمل أن يتراجع

عن أفكاره وينجو من الموت المحتم.

 

في ذلك اليوم صلى مارتن لوثر صلاة تعتبر من أجمل

مؤلفاته قال فيها:

 

"رباه، ما أفظع هذا العالم. فقد فتح فاه ليبتلعني أنا المسكين

إذا أنا إتكلت على قوة هذا العالم فقط، فشلت وضاع كل شيء.

لقد صدر علي الحكم...ولكنني لن أتركك ولو أحترق

جسدي ولو قطعت إربا أربا. إن القضية ليست قضيتي،

بل قضيتك...أنت إخترتني لهذا العمل وأنا أعرف ذلك

يقينا. قف يا إلهي إلى جانبي من أجل خاطر يسوع المسيح أبنك

الحبيب. فهو قوتي وحصني الحصين. آمين."

 

في اليوم الثاني أستأنف المجمع أعماله وسأل سفير البابا لوثر

إن كان سيدافع عن كتبه ومعتقداته أم يتخلى عنها.

 

فأجاب لوثر، لست أستطيع أن أخضع إيماني لا للبابا

ولا للمجامع، لأن البابوات والمجامع تخطئ بل كثيرا،

تناقض قراراتهم بعضها البعض. ولكن إذا أثبتم لي في الكتاب المقدس

وبالمحبة والمنطق بأن ما كتبته هو خطأ

فسأتراجع وإلا فلن أستطيع أن أتصرف ضد ضميري.

وبعد أن وجه نظره إلى من حوله قال بشجاعة وثبات:

 

"هذا هو موقفي الثابت ولا أستطيع أن أتراجع فليساعدني

الله. آمين."

 

يا للبر: لوثر قد تغير. الإصلاح لم يغير الكنيسة إلا

بعد أن غير لوثر نفسه. لم يعد مارتن يخاف الموت،

"أين شوكتك يا موت، أين مخالبك يا هاوية.."

 

الموت فقد أنيابه. لوثر تأصل في الإنجيل

وثبت فيه فلم يعد يزعزعه الموت.

هذا هو موقفي الثابت. من يستطيع

أن يصمد أمام حكم الإعدام هذا الصمود

لا بد وان يكون مستندا إلى صخر الدهور.

 

3)     المرة الثالثة التي تقابل فيها لوثر مع الموت كانت

بين أعوام 1525-1528 . كانت هذه أعوام صعبة

في حياة المصلح. فأوجاع ناتجة على حجارة في الكلى راحت

تنخر جنبي المصلح. والطاعون راح يحصد العديد من

جيرانه وأصدقائه بل وحتى طال أفراد عائلته.

 

بل وراح أتباع البابا يحرقون أتباع لوثر في الأسواق

العامة. إذا ها هو الموت يحيط بالمصلح. في هذا

الوقت بالذات كتب مارتن لوثر ترنيمة الإصلاح الشهيرة التي تقول:

 

"الله ملجأ لنا الأعداد 1+3+5+6

إذا كانت هذه الترنيمة هي رد المصلح على الموت،

على الطاعون والإضطهاد والمرض.

 

ترنيمة نشتم منها رائحة النصر، لوثر

لم يعد يخاف أي شيء لماذا؟ لأنه موثق

بأن الله معه وأنه كان الله معنا فمن علينا:

وكأن لسان حالنا يقول مع الرسول بولس:

 

لأنني متيقن أنه لا موت ولا حياة. لا علو ولا عمق

لا رياسات ولا سلاطين تقدر ان تتفصلنا عن محبة الله التي

في المسيح يسوع.

 

4)     أما المرة الرابعة والأخيرة والتي تقابل فيها لوثر مع الموت

فكانت عندما اقتربت منيته. أتباع المصلح أصابهم

الخوف عندما إقترب شبح الموت من زعيمهم. أرادوا الاطمئنان

سألوه: "هل تريد أن تموت على عقيدتك، أم تريد

أن تتراجع؟ لقد إقتربت من المثول أمام سيدك؟

وستقف أمام الديان، فراجع نفسك؟ ولكن مارتن بقي

ثابت الجأش، وعلى فراش الموت نظم قصيدة آخرى شهيرة

تقول:-

 

"بسلام وفرح أنا أسير على هدى الله

قلبي ونفسي مطمئنة تحظى بسلام

وكما وعدني الله فإن موتي لن يكون أكثر من رقاد."

 

ثم تمتم قائلا: "أيها الآب في يديك أستودع روحي،

وأسلم الروح."

 

حياة المصلح لن نفهمها إلا إذا فهمنا هذا الصمود أمام الموت

وهذا السلام أمام المنية. الأصلاح لن نسبر غوره

إلا إذا أدركنا هذا الثبات وسط الزلازل.

 

ما أحوجنا إلى روح الإصلاح أيها الأحباء،

فقد أصبحنا نغير معتقداتنا وكنائسنا كما نغير ملابسنا

أصبحنا كسفينة تائهه تتلاطمها الأمواج المزبدة

تلعب بها يمنة ويسرى، تقذفها حينا هنا وحينا

هناك، ونسينا أن الذي يبقى رهينة للأمواج

سيتعب ولن يصمد أمام شبح الموت، بل سيبقى

الخوف والهلع يحيطان به، لن تجد الطمأنينة طريقا إلى قلبه،

لأن قلبه يتعلق بما يفنى ولم يكتشف بعد أن الارتباط

بالله أقوى وأحلى من أي شيء آخر.  آمين