عيد الإصلاح 2004

 

 

تحتفل الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الحادي والثلاثين من أكتوبر من كل عام بعيد الإصلاح...

وهي ذكرى تعليق المصلح الكبير مارتن لوثر حججه الخمس والتسعين على أبواب كنيسة Wittenberg في ألمانيا.

هذا المنشور الذي زلزل أركان القرون الوسطى محدثا بركانا فاضت لججه معلنة طوي صفحة من صفحات التخلف ليبزغ معها فجر العالم الحديث.

لوثريو اليوم وللأسف لا يقدرون الإصلاح حق قدره....

ولا يدركون أحيانا أهمية هذا الحدث....وغنى التراث الذي بنيت عليه هويتهم...

وخاصة اللوثريون في الشرق الأوسط......هويتنا وأحيانا كثيرة يحددها الآخرون بأسئلتهم:

هل تؤمنون بالعذراء مريم؟ هل تصومون؟ كيف ترسمون علامة الصليب؟

وللأسف تحدث هذه الأسئلة ما يشبه عقدة النقص عندنا.....فتصبح مهمتنا أن ندافع عن أنفسنا وأن نثبت أرثوذكسيتنا وننسى من نحن....وننسى أن الإصلاح تراث يفخر به....

فقد أنهض الكنيسة من كبوتها....وغير معالم العالم وكان منارا سطع وسط ظلام القرون الوسطى ناقلا أوروبا من عصر الانحطاط إلى عصر النهضة.

 

أولا سأحاول أن أجيب عن بعض الافتراءات التي يوجهها الحاقدون إلى تراث كنيستنا:

 

1-     يقول الحاقدون أن الكنيسة اللوثرية ليست كنيسة أصيلة بل هي غربية بل ويرتبط نشأتها قي الشرق بالاستعمار الغربي للوطن العربي....

ونقول ردا على ذلك ليست اللوثرية أكثر غربية من الكنيسة الكاثوليكية والتي تسمى بحق:

"الكنيسة الكاثوليكية الرومانية  نسبة إلى روما.....كما وتسمى الكنيسة الأرثوذكسية باليونانية نسبة إلى اليونان....فالكنيسة اللاتينية هي من مخلفات الإمبراطورية الرومانية كما أن الكنيسة الأرثوذكسية هي من مخلفات الإمبراطورية البيزنطية، ولم تكن هاتين الكنيستين أبدا أصلا من فلسطين، بل كانتا أيضا من نتاج استعمار هذه المنطقة من قبل روما وبيزنطة.

وعلينا أن نتغلب على عقدة النقص عندنا.....فليس الآخرون أكثر أصالة منا....بل ألم يكن الإسلام جزءا من استعمار عربي لمنطقتنا ؟ حقا أننا ندعوه بالعربية فتحا ولكنه أيضا جزء من استعمار....لكن استمراره جعل منه فتحا.

وإن كان لا بد أن نرجع للأصل ...فعلينا أن نرجع إلى جذورنا الآرامية .....فهم الأصل أن صح التعبير.....ولكن الرجوع إلى الماضي غير ممكن....بل علينا النظر إلى المستقبل....

فهذا هو خيارنا الوحيد.

 

2-     يقول الحاقدون أن لوثر كان السبب في تقسيم الكنيسة......

وهذا افتراء محض وجهل بالتاريخ وقول ينم عن غباء....

فقبل لوثر بألف سنة كانت هناك انقسامات في الكنيسة بين كنائس خلقدونية وأخرى غير خلقدونية ..... بل إن المجامع المسكونية الأولى جميعا أظهرت انقسامات واضحة حول شخص المسيح وعلاقته بالآب في القرن الرابع والخامس ونشأت الكنيسة الأرمنية والسريانية والقبطية ككنائس قومية مستقلة، وأخرى يونانية ورومانية . وفي القرن التاسع نشأت الكنيسة المارونية منفسخة عن الشرق مرتبطة بروما.

ومن ثم جاء الانقسام الكبير بين الكنيسة الشرقية اليونانية والغربية الرومانية عام 1054 ميلادية والذي جاء في سياق الحروب الصليبية. كل هذا حدث قبل مارتن لوثر بقرون عديدة....بل أن لوثر لم يكن أصلا يريد أن يترك كنيسته الرومانية الكاثوليكية، لو لم تكن هذه حينها قصيرة البصر، رافضة قول الحق، رافضة فكرة الإصلاح جملة وتفصيلا ...فرفضته وأصدرت حكم الحرمان بحقه....فلم يكن هو الذي انشق عن كنيسته بل هي التي لفظته وأخرجته خارجا فلم يكن له من بديل سوى أن يؤسس كنيسة جديدة دعيت فيما بعد بالكنيسة اللوثرية وهو أسم رفضه المصلح نفسه.

بل والحق يقال أن الكنائس الإنجيلية هي التي أسست الحركة المسكونية في القرن العشرين...

بل وحتى هذه اللحظة فإن الكنائس الإنجيلية عامة واللوثرية خاصة هي الكنائس التي تمول 100% من مصاريف الأطر المسكونية.

فلا الكنيسة الكاثوليكية التي رفضت حتى الآن الانضمام إلى مجلس الكنائس العالمي، ولا الكنائس الأرثوذكسية هي المحرك وراء المسكونية بل الكنائس الإنجيلية هي التي تبدي انفتاحا على الآخر، وتحترم عقيدته وتراثه غير محتكرة الإيمان القويم لنفسها.

ولم يكن هذا الانفتاح المسكوني على الآخر يوما نتيجة ضعف بل عن قوة وعن اقتناع وجزءا من حضارة تقبل الآخر والتواصل معه كجزء مهم من الإيمان الراسخ الذي لا يخشى الآخر ولا يتعالى عليه.

إن تراث الإصلاح، أيها الأحباء، لا يعيب بتاتا....

بل هو مفخرة يشيد بها البعيد قبل القريب.....

 

في الأسبوع الماضي وإبان اشتراكي في مؤتمر لرابطة مراكز المؤتمرات المسيحية في الشرق الأوسط....ألقى الأستاذ أنطون مسرة وهو أحد أهم 100 شخصية فكرية لبنانية، وربما سمعتموه على الفضائيات اللبنانية إذ كثيرا ما يستضيفه التلفاز في برنامجه......وأنطون مسره هو من كنيسة الروم الملكيين في لبنان .....وفي معرض حديثه أشار إلى أن ما ينقص شرقنا العربي كي يتقدم إنما هو مارتن لوثر عربي، وبدون ظهور مارتن لوثر عربي لن تجد الديموقراطية ولا التقدم ولا الحداثة طريقا إلى مجتمعاتنا المتخلفة.

كما كتب مؤخرا الفيلسوف العربي المعاصر جورج طرابيشي في كتابه من النهضة إلى الردة تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، إن العالم العربي ما زال ينتظر ولادة لوثر مسلم." فبدون شخصية فذة كشخصية لوثر....تأتي بالإصلاح النوعي....لن يتخلص الإسلام المعاصر من تراكمات الجاهلية والتخلف التي تحيط به.

 

حسنا إن الغرباء وغير اللوثريين بل وقادة الثقافة العربية والعالمية المعاصرة هم الذين يقدرون الإصلاح، مع أنهم ليسوا جزءا منه. فلا داعي أن يكون لنا عقدة نقص، ولا داعي أن نفتخر افتخارا لا يليق بنا كمسيحيين، بل علينا أن نعي أهمية تراثنا الإصلاحي، وأن نبني عليه هوية مسيحية إنجيلية معاصرة تنقل مجتمعنا من جاهلية التخلف إلى فضاء الإيمان الرحب، فضاء الحرية والديموقراطية والبناء.

فإن كان الإصلاح قد غير وجه أوروبا ونقلها إلى عصر التمدن...فما زلنا هنا في الشرق نئن تحت وطأة تخلف قائم على تدين عقيم أساسه الخوف، وعلى ركود فكري أساسه الجهل، فنحن مدعوون إلى أن نكون دعاة إصلاح في مجتمعنا....هذا هو تراثنا وهذا هو مستقبلنا .

 

آمين