تعظّم . . .

 

أنشودة العذراء مريم

 

 

 

 

 

 

 

 

للمصلح مارتن لوثر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ترجمة الأستاذ فهد أبو غزالة

 


 

تقديم

 

يسرّ كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية أن تنشر الترجمة العربية الأولى لكتاب المصلح الكبير مارتن لوثر والذي يشرح فيه أنشودة العذراء مريم "تعظّم نفسي".

وإذ تنشر كنيسة الميلاد هذه الترجمة إنما تفعل ذلك إيماناً منها بأن كتابات المصلح مارتن لوثر لغنيّة وعميقة وغزيرة، وإنها ما زالت قادرة على مخاطبة إنسان القرن الحادي والعشرين فتجيب على تساؤلاته الروحية وتطفئ ظمأ نفسه وتغذّيه لينمو في محبة الله ومخافته.

ويشكّل هذا الكتاب الحلقة الأولى في سلسلة ترجمات لكتابات المصلح مارتن لوثر تأمل كنيسة الميلاد أن تغني بها المكتبة المسيحية العربية.

ولا يسعني إلاّ أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان إلى الأستاذ فهد أبو غزالة الذي كرّس جلّ وقته لترجمة هذا الكتاب من الألمانية والإنجليزية إلى العربية إيماناً منه بأهمية هذا العمل للمسيحيين العرب، وكما أتقدم بالشكر إلى مجموعات الحجاج في الكنيسة اللوثرية في أمريكا Missouri Synod والذين تبرعوا مشكورين بتكاليف طباعة هذا الكتاب.

 وصلاتي إلى الله أن يستخدم هذا الكتاب كي يصل من خلاله إلى قلوب وعقول الكثيرين فيجدوا فيه زاداً لحياتهم الروحية ومعيناً لا ينضب ينعشهم في مسيرتهم مع الله في هذا العالم.

 

القس الدكتور متري الراهب   

راعي كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية

 

                                       


 

مارتن لوتر

 

" تعظّم "

                

مقدّمة المترجم

هذه ترجمة كتاب مارتن لوتر "تعظّم" وهو أول كتاب من كتب هذا المصلح نقلته من اللغة الأصلية أي الألمانية إلى العربية. وسأحاول بعونه تعالى أن أتبعه بترجمات كتب أخرى. ومما دعاني إلى هذا العمل عدم وجود كتابات لهذا المصلح باللغة العربية إلاّ الكاتيخسموس الصغير، أي التعليم المسيحي على طريقة السؤال والجواب، والذي يستعمل في المدارس والكنائس الإنجيلية اللوترية. وقد أشار علي حضرة القس الدكتور متري الراهب بأن أفتتح عمل الترجمة بِ "تعظّم"، وإني شاكر له هذه النصيحة، لأن هذا الكتاب بالذات يؤكّد احترام المصلح والدة الإله وتكريمه إياها اللذين داوم عليهما طيلة حياته، عكس ما كان يعتقده البعض. وهناك أيضاً التقارب بين الكنائس المختلفة في العالم أجمع عامة وفي بلادنا العربية خاصة، والمتمثّل بالنشاطات واللقاءات الكثيرة التي يشترك فيها ممثلون عن هذه الكنائس مثل يوم الصلاة العالمي للنساء، ولجنة المدارس المسيحية في بلادنا وغيرها. إن "تعظّم"  بمثابة رسالة وجّهها لوتر إلى أمير ساكسونيا وضمّنها نصائح للذين لهم منصب في الحكم أو أوتوا مسؤوليات يكونون بها مطالبين عن أعمالهم.

أختم بشكري الجزيل لكل الذين قدموا لي التشجيع والعون المعنوي والمادي وأخذوا على عاتقهم طباعة هذا الكتاب، وأخص بالذكر حضرة القس الدكتور متري الراهب راعي الكنيسة الإنجيلية اللوترية في بيت لحم الذي تفضّل وكتب مقدمة الكتاب.

 

14/5/1999

فهد أبو غزالة

 

 

 

 

 

 

 

 

تعظّم

 

تفسير الدكتور مارتن لوثر، راهب أوغسطيني

 

يسوع

 

إلى صاحب السمو الأمير الوقور يوهان فريدريك، دوق ساكسونيا، ووالي إمارتي تورنجن ومايصن.

 

الكاهن المطيع        د. مارتن لوتر

سيدي وحاميّ الكريم،

صاحب السمو، مولاي الفاضل، أقدم ولائي، وأذكر سموكم في صلواتي.

لقد تسلمت كتاب سموّكم منذ عهد قريب، وطالعت مضمونه الباعث على السرور والبالغ في المكارم والمعاني، وعزمت على الرّدّ عليه بهذا الكتيّب الذي ضمّنته تفسيراً لِ "تعظم"، وكنت قد وعدت سموّكم به قبل أمدٍ بعيد، لكن منازعة المعارضين وخصومتهم حالتا بالتكرار دون أن أصدق الوعد. وأخشى إن أنا مضيت على التأجيل، لواريت وجهي خجلاً إذ لم يبقَ هناك عذرٌ يشفع لي. كما أن تأجيلاً كهذا من شأنه أن يصرف سموّكم عن محبة الكتاب المقدس وعن التضلّع منه، لما يتحلّى به سموّكم من حيوية الفتوّة وروح متشوّقة وحماس شديد. إني أدعوه تعالى أن تدوموا على هذه وتزدادوا فيها بعونه ونعمته.

 أجل، هناك حاجة ملحّة لبلوغ هذا القصد، لأن سعادة أناس كثيرين وهناءهم يتوقفان على شخص أمير عظيم مثل سموّكم، إذا جرّد عن أنانيّته وانقاد لله. وإنه من الناحية الأخرى يكون مسؤولاً عن دمار الكثيرين وتعاستهم، إذا تصرّف وفق مشيئته وأهوائه، ولم يخضع لرضى الله. ومع أن قلوب جميع الناس بيد الله، لكن الكتاب المقدس خصّ الأمراء بهذا الأمر ولم يكن ذلك عبثاً، إذ قال (أمثال 21: 1): "قلب الملك في يد لرب. فحيثما شاء يميله".وهكذا يطبع الله مخافته على قلوب السادة العظام، فيعلّمهم أنهم يعجزون عن التفكير في أيّ أمر إن لم يكن هو قد أوحى اليهم به وحياً خاصاً. إن أعمال عامة الناس تؤاتي الخير أو الشرّ إلى انفسهم أو إلى قليلين آخرين، وأما الحكام فقد أقيموا في مركزهم إما للإساءة إلى الناس الآخرين أو لمنفعتهم، وتزداد الإساءة أو المنفعة كلّ ما اتّسع مجال حكمهم. لذلك يدعو الكتاب المقدس الأمراء الصالحين والخائفي الله "ملائكة الله" ( 1صمو 29: 9)، وزيادة على ذلك يدعوهم أيضاً "آلهة" كما ورد في (مز82: 6): "أنا قلت أنكم آلهة وبنو العليّ كلّكم". أما الأمراء الأذيّون فإنه يدعوهم "أسوداً زائرة" (صفنيا 3: 3)، و"تنانين" (إر 51: 34)، و "وحوشاً ضارية" (حز 14: 21)، وهذه التسمية الأخيرة هي أحد الأحكام الشديدة الأربعة التي يذكرها في (مز14: 13 و 19وكذلك رؤيا6: 8): وهي الوبأ والجوع والحرب والوحوش الضارية.

إنما قلب الإنسان دم ولحم، ومن طبائعه أن يكون عرضة للغرور، وإن حصل فوق ذلك على السلطة والغنى والجاه، التي من شأنها أن تحثّه على أن يستكبر ويُعجب بنفسه، فإنه ينسى الله ولا يبالي برعاياه. وكونه ذا حصانة تمنع مقاضاته فإنه يرخي من عنان نفسه ويصبح حيواناً يعمل كل ما يحلو له، إنه يتسمّى سيّداً ولكنه وحش في الحقيقة. وقال بَياس (وهو أحد حكماء اليونان السبعة في القرن السادس ق.م.) هذا القول الصادق: "في الحكم تتكشّف حقيقة الحاكم". وبما أن الرعيّة لا تجرؤ على حرّيّة التصرّف خوفاً من الحكومة، وأيضاً بما أن الحكام لا يحتاجون إلى أن يهابوا الناس، لذلك يتوجّب عليهم أن يخافوا الله أكثر من غيرهم، ليعرفوه ويعرفوا أعماله، ويسلكوا بفطنة وعناية كما يقول القديس بولس (رو 12: 8): "المدبّر فبالعناية".

 

وإني لا أجد في الكتاب المقدس كلّه ما يلائم موضوعنا، كهذه الأنشودة المقدسة التي أنشدتها والدة الإله المباركة أسمى البركات، والتي يجدر بكل من أراد أن يجيد الحكم وأن يكون سيداً معيناً للناس، أن يتعلّمها ويحتفظ بها. فلا عجب من أن حسن الفهم والكياسة تتجلّيان فيها إذ تتغنّى فيها بمخافة الله وصفاته الفريدة، وخاصة بأفعاله مع الذين هم في مناصب وضيعة وعالية. وإن كان يصغي عاشق إلى لحن دنيويّ تؤاتيه إليه معشوقته، فكم بالأحرى خليق بهذه العذراء التقيّة أن يصغي إليها الأمير أو السيّد، وهي تتلو عليه ترتيلتها الروحية الطاهرة المنعشة القلب؟! وليس من قبيل الخطأ أن تنشد هذه الأنشودة يومياً في جميع الكنائس أثناء الصلاة المسائية، مميّزة بلحن لائق بها وقد وُضع خصيصاً لها.

 

ليت والدة الإله تتلطف وتنعم عليّ بروح الحكمة والفهم، فأقوم بتفسير نشيدها تفسيراً تاماً وذا نفع عميم. وليحلّ هذا الروح على سموّكم وعلينا جميعنا، فيصبح النشيد منهلاً للمعرفة النافعة والحياة الحميدة، وهكذا يمكننا أن نمجّد الله ونتغنّى بأنشودة "تعظّم" في السماء أبداً. ليساعدنا الله على ذلك. آمين.

 

ها إني أعهد بنفسي إلى سموّكم، وأرجو متواضعاً أن يتقبّل سموّكم مجهودي الضئيل.

حرر في فيتنبرغ Wittenberg في 10 آذار، 1521.

 

 

                                                    تعظّم               لوقا 1: 46 – 55

 

1 – تعظّم نفسي الربّ

2 – وتبتهج روحي بالله مخلّصي

3 – لأنه نظر إلى اتضاع أمته. فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوّبني.

4- لأن القدير صنع بي عظائم، واسمه قدوس.

5 – ورحمته إلى جيل الأجيال، للذين يتقونه.

6 – صنع قوّة بذراعه. شتّت المستكبرين بفكر قلوبهم.

7 – أنزل الأعزّاء عن الكراسي، ورفع المتّضعين.

8 – أشبع الجياع خيرات، وصرف الأغنياء فارغين.

9 – عضد إسرائيل فتاه، ليذكر رحمة.

10 – كما كلّم آباءنا، لإبراهيم ونسله إلى الأبد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدّمة

 

إذا أردنا أن نفهم هذه الأنشودة حق الفهم، علينا أن نتنبّه على أن ما تتكلّم به العذراء المباركة إنما ينبع من خبرة شخصيّة نتجت من إنارة الروح القدس وتلقينه. فإن أحداً لا يتسنّى له أن يفهم الله أو كلمته إن لم يتسلّم الفهم من الروح القدس مباشرة. وكذلك لا يمكن لأحد أن يحصل على ذلك الفهم إلاّ إذا خبره وامتحنه واحسّ  به. فالروح القدس يعلمنا من خلال هذه التجربة كما لو كنا في مدرسته الخاصة، وليس هناك في سواها إلاّ الهذر وتافه الكلام. وهكذا كان الأمر مع العذراء القديسة، فعندما أدركت أن الله صنع بها عظائم، رغم كونها عديمة الأهمية ومتّضعة وفقيرة وذات مكانة غير مرموقة، ألهمها الروح القدس هذه الحكمة وهذا الإرشاد، أي أن الله هو ذلك الرب الذي ليس همّه إلاّ أن يرفع ما اتّضع، وأن يضع ما ارتفع، وباختصار انه يحطم ما هو كامل، ويعمل على إتمام ما هو محطّم.

 

وكما أن الله خلق العالم في البدء من العدم، وبهذا الاعتبار يدعى الخالق والقادر على كل شيء، فإنه لا يزال يعمل كل أعماله كما عملها في السابق دون تغيير. وها إن اسلوبه هوهو أيضاً الآن والذي يستمر إلى الأبد، إنه يحوّل العدم والتافه والمحتقر والتعس والمائت، إلى ما هو ثمين وكريم ومبارك وحيّ. وعكس ذلك، إن كل ثمين وكريم ومبارك ونابض بالحياة، يجعله متلاشياً ومحتقراً وتعساً ومائتاً. إنّ أحداً من المخلوقات لا يقدر أن يعمل هذه الأعمال، فالمخلوق لا يقدر أن يخرج من العدم شيئاً. وفي سبيل ذلك تتّجه عينا الرب إلى الأسفل فقط لا إلى الأعلى، كما يقول دانيال النبي، وكما يقول صاحب المزمور (مز138: 6): "لأن الرب عالٍ ويرى المتواضع. أما المتكبّر فيعرفه من بعيد".وأيضاً (مز113 : 5 و 6): "مَن مثل الرب إلهنا الساكن في الأعالي الناظر الأسافل في السموات وفي الأرض". وبما أنه في أقصى مرتبات السموّ، ولا يعلوه شيء، فليس هناك ما يمكن أن يراه مما هو أعلى منه، ولا ما هو بجانبه، لأنه لا مثيل له. إنه بحكم الضرورة ينظر إلى ذاته وإلى ما تحته، وكلّما انحطّ وضع المرء فإن الله يعاينه معاينة أفضل.

 

أمّا أبصار العالم والناس فهي خلاف ذلك، لأنها تتّجه إلى ما هو أعلى منها تكبّراً، كما هو مكتوب في سفر الأمثال (30: 13): "جيل ما أرفع عينيه وحواجبه مرتفعة". ونختبر هذا الشيء كل يوم، فكل واحد يسعى إلى ما هو أعلى منه، إلى المجد والسلطة والغنى والعلم والعيش الرغد وإلى كل ما هو رفيع وعظيم. وحيثما وجد مثل هؤلاء الناس هناك الأتباع الكثيرون ينقادون إليهم، والعالم كلّه يلتفّ عليهم، فيخدمهم بطيبة، ويركن إليهم ويشاركهم الرفعة. ولهذا ليس من قبيل العبث أننا نرى الكتاب المقدس لا يصف الحكّام والملوك بالصلاح إلاّ قلّة منهم. ومن الناحية الأخرى لا يشاء أحد أن يتّجه ببصره إلى أسفل، حيث الفقر والعار والبؤس والكمد. فعن هذه يُشيح كل واحد وجهه، وينفر من صحبة من حلّت بهم هذه النازلات، ويهجرهم ويتجنّبهم ويهملهم ويتركهم، ولا يخطر على باله أن يمدّ لهم يد المساعدة أو يبدل حالهم حالاً أخرى. فقد قضي عليهم أن يبقوا في الأعماق وفي حالهم الوضيعة الحقيرة، إذ ليس هناك بين الناس خالق يشاء أن يكوّن شيئاً من لا شيء. أما القديس بولس فإنه يعلّمنا في رسالته إلى رومية (12: 16): أيها الإخوة الأحباء، لا تهتموا لأنفسكم بالأعالي، بل ميلوا إلى ما هو أسفل."

 

لذلك كان الله وحده الذي ينظر إلى الأعماق، حيث حالات الضيق والشقاء، وأن يكون قريباً من جميع الرازحين والساقطين فيها، كما يقول القديس بطرس (1بط 5: 5): إن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة". وهذا هو سبب حبّ الناس لله وحمدهم له. فإن أحداً لا يقدر أن يحمد الله إذا لم يحبّه أولاً. كما أن أحداً لا يقدر أن يحبّ  الله إن لم يعلنه الله ذاته بأصدق حبّه وأعزّ ألفته. وهذا الإعلان لا يتمّ إلاّ عن طريق أعماله التي يظهرها فينا، فنحسّ بها ونختبرها في داخلنا. وحيث وُجد هذا الاختبار بأنّ قصده هو النظر إلى الأعماق ومساعدة الفقراء والمحتقرين والمنكوبين والتعساء والمتروكين الذين لا يُحسبون شيئاً، فهناك تتولّد المحبة المتأجّجة له، ويستفيض القلب ابتهاجاً ويقفز طرباً من أجل المسرّة العظيمة التي لاقاها بالله. وهناك الروح القدس يكون حاضراً، فإنه هو الذي يرشدنا عن طريق هذا الاختبار إلى مثل هذه المعرفة وهذا الابتهاج العظيمين في لحظة واحدة من الزمن.

 

وبسبب ذلك أيضاً فرض الله الموت على عباده كلهم، ووضع صليب المسيح والآلام والبلايا التي لا تحصى على أولاده المحبوبين والمسيحيين. بل إنه يسمح أحياناً بأن يقعوا في الخطيئة، حتى يكثر الذين يعاينهم في الأعماق، فيزداد عدد الذين يساعدهم ويعمل لهم الأعمال الحسنة الجزيلة المختلفة، فيظهر على حقيقة ذاته أنه الخالق الحقيقي الجدير بالحب والحمد. ولكن العالم وللأسف يقاومه باستمرار، فنظراته المستكبرة تعترض بينه وبين معاينة الله وعمله وعونه، كما تعترض بيننا وبين معرفتنا ومحبتنا وحمدنا إياه، وتحول دون التمجيد اللائق به، ومن ثم يفقد العالم الفرح والابتهاج والخلاص. وإن الله أيضاً ألقى بابنه الوحيد الحبيب المسيح إلى أعماق الويل، وأظهر به أكثر من أيّ شيء آخر إلى أين يتّجه ببصره وعمله وعونه وطرقه ومشورته وإرادته. وبما أن المسيح قد اختبر هذه كلها اختباراً شخصياً، فإنه يبقى دائماً في معرفة الله ومحبته وحمده التي تفوق الوصف وتستمر إلى الأبد. كما يقول المزمور 21: 6 (الطبعة اليسوعية مز20: 7): "تسرّه بابتهاجه مع وجهك"، أي برؤياك ومعرفتك. وبمثل هذا المعنى  يقول المزمور 45: 18 وكذلك المزمور 44: 7 و 8: أن جميع القديسين في السماء دائبون في حمد الله لأنه نظر إليهم لما كانوا في الأعماق، وعرّفهم بذاته فصاروا يلهجون بحبّه وحمده.

 

وأما والدة المسيح المكرّمة فإنها تعمل هنا ذات الشيء، فهي تعلّمنا بكلامها، وتجعل اختبارها مثالاً نتّبعه في معرفة الله ومحبته وحمده. فهي فرحانة وقد انشرح صدرها، وترنّمت في قلبها للرب، وفخرت بأنه نظر إليها رغم كونها وضيعة الحال وعديمة الاستحقاق. ومما يستنتج من ذلك أن أبويها كانا فقيرين من عامة الناس العاديين. ومن أجل توضيح الأمر وتسهيله أيضاً للبسطاء، نقول أنه لا شك كان في القدس بنات رؤساء الكهنة والمشيرين، وكنّ غنيّات يافعات مع حسن الشباب ومثقّفات، وكنّ يستمتعن بالسمعة الطيّبة لدى جميع الناس، كما هي الحال اليوم من جهة بنات الملوك والأمراء والأغنياء. وإذا قسنا هذه الحال بحالات المدن الأخرى المعاصرة آنذاك، ومدينتها الناصرة بالذات، فإنها لم تكن ابنة أحد رؤساء حكامها، بل أحد المواطنين العامة، ولم تكن تحظى بالتوقير أو الاهتمام الخاص. ولم تتعدّ علاقتها بجيرانها وبناتهم علاقة فتاة وادعة تُعنى بالماشية وبأعمال المنزل، فلا ريب أنها لا تختلف عن أية شابّة تخدم في البيوت في يومنا هذا، التي تقوم بالأعمال البيتية بموجب ما يُطلب إليها.

 

وفي ذلك كانت بشارة اشعياء (11: 2): "يخرج قضيب من جذع يسّى وينبت برعم من أصوله، ويحلّ عليه الروح القدس". أما الجذع والأصول فهما ذرّيّة يسّى وداود وخصوصاً العذراء مريم. والقضيب والبرعم هما المسيح. وكما أنه يستبعد بل لا يُعقل أن ينبت قضيب رطب وتتفتح عنه نوّارة يانعة من جذع وجذور جافّة ذابلة، كذلك كان مستبعداً أن تصبح مريم العذراء أمّاً لطفل كهذا الطفل، وفي اعتقادي أنها سمّيت جذعاً وجذراً لا من قبيل انها أصبحت أمّاً بأعجوبة البتولية فحسب، كما أنه من المعجزات أن ينمو غصن من جذع شجرة ميّتة، بل للسبب التالي: إن جذع داود وأصله كانا على زمنه وزمن سليمان يفرخان ويزهران على جانب عظيم من المجد والكرامة والعزّة والغنى والسعادة والشهرة العالمية، لكن وقت مجيء المسيح كان الكهنة قد اغتصبوا هذا الشرف لأنفسهم، إذ كانوا حكام أهل زمانهم المنفردين الذين لا نظير لهم ، وأصبحت ذريّة داود تُعاني الفقر والاحتقار، تماماً كأنها كانت جذعاً مائتاً، ولم يكن هناك أيّ أمل او توقّع بأن ملكاً ذا مجد عظيم سينحدر منه. وبينما كانت كل الدلائل تبدو مستحيلة، جاء المسيح وولد من الجذع المحتقر، من عذراء فقيرة وضيعة -! أجل، إنها أفرخت القضيب وأطلعت النوّارة، وهي التي لم تكن إحدى بنات السيدين حنان وقيافا ليقبلن بها خادمة ذليلة. وهكذا نرى أن عمل الله وعينيه تتّجه إلى الأعماق، بينما أعين الناس وأعمالهم تتّجه إلى الأعلى. هذا هو بيت القصيد في أنشودتها. يكفي هذا القدر من الكلام عن أنشودة مريم. وسنستمع إليها الآن تفصيلاً الكلمة تلو الأخرى.


 

1 – تعظّم نفسي الرّبّ

 

تعبّر هذه الكلمات عن الفيض من الشعور المتّقد والفرح العظيم الذي أخذ بمجامع قلبها وسما بكل روحها وحياتها إلى اعلى. فهي لا تقول: "ها أنا أعظّم الربّ" لكن: "تعظمه نفسي". كأن مقصدها أن حياتي وكل حواسي قد أولعت بأقصى الحب لله، وإن صدري قد فاض بالأفراح العلائية، فلا أطيق كتمها ولا أتمالك عن تسبيح الرب. إن جميع الذين ارتووا من العذوبة الإلهية وانقادوا إلى روح الله يختبرون هذا الأمر بعينه، إنهم يعجزون عن التعبير عما في نفوسهم بالكلام، لأنّ اللهج بالتسبيح لله ليس من صنع البشر، بل الله وحده هو الذي يشرح صدر الإنسان لقبول الفرح العارم، كما أن أحداً لا يقدر أن يدرك ذلك أو يعلمه إلاّ أن يختبره بنفسه، كما يقول داود في المزمور 34: 8: "ذوقوا وانظروا  ما أطيب الرب، طوبى للرجل المتوكّل عليه." إنه يضع الذوق قبل النظر، لأنه ليس بمقدور المرء أن يعرف هذه الطيبة إلاّ إذا وضع كل اتكاله على الله وسط الضيقات والتيهان في الأعماق، لذلك يردف داود بقوله: "طوبى للرجل المتوكّل عليه". لأن هذا الإنسان الذي قد اختبر عمل الله في داخله وتذوّق هذه الطيبة، هو قد وصل بالتالي إلى كل الفهم والمعرفة.

 

ولنتأمّل الكلمات الواحدة تلو الأخرى، ونبدأ بكلمة "نفسي". (إن كلمة نفسي تسبق كلمة تعظّم في اللغة الألمانية). يقسم الكتاب المقدس الإنسان إلى ثلاثة أقسام استناداً إلى قول القديس بولس في (اتس5: 23): "وإله السلام يقدّسكم بالتمام، ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم بلا لوم إلى مجيء ربنا يسوع المسيح". وهناك تفسير آخر، فكل جزء من هذه الثلاثة ينقسم إلى قسمين هما الروح والجسد، كما أن الإنسان بأكمله ينقسم إلى هذين القسمين. وليست لهذه التجزئة صلة بطبيعة الإنسان وكونه بل بصفاته وخصائصة. وكما ذكرنا يتكوّن الإنسان بحسب طبيعته من هذه الثلاثة: الروح والنفس والجسد. وكل واحد منها قد يكون صالحاً أو شريراً وبعبارة أخرى قد يكون روحانياً أو جسدياً. ولكننا لن نتعرّض في كلامنا الآن لهذا التقسيم الأخير.

 

الجزء الأوّل هو الروح، وهو أعظم الثلاثة نبلاً وعمقاً ورفعةً. يه يستطيع الإنسان أن يدرك الأمور الغامضة والغير منظورة والأبدية، إنه باختصار مسكن الإيمان وكلمة الله. وقد عناه داود بقوله في (مز51: 10) والترجمة اليسوعية مز 50: 12): "وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي"، أي إيماناً صادقاً وثابتاً. أما غير المؤمنين فيقول عنهم في (مز78: 37) والترجمة الأخرى (مز77: 37): "أما قلوبهم فلم تكن مستقيمة، ولم تكن روحهم أمينة في عهده".

 

القسم الثاني هو النفس، وهي بحسب الطبيعة الروح نفسه ولكنها تتولى وظيفة خاصة بها، إنها تمدّ الجسم بالحياة وتعمل من خلاله. ويعبّر بها الكتاب المقدس عن الحياة في عدّة اماكن. لأن النفس تحيى بدون الجسد، ولكن الجسد لا حياة له بدون النفس. وتستمرّ النفس تحيى وتعمل حتى في المنام، ومن طبيعتها أنها لا تدرك الأمور غير المعقولة، بل الأمور التي يتدبّرها المنطق ويفهمها، لأن المنطق هو في الحقيقة هذه الدار وهذا النور. وإن كان الروح وهو مالك نور الإيمان الأسمى لا يضبط نور المنطق، فلا غرو من هذا الأخير أن يتردّد في الضلال، إذ هو ضعيف لا يقوى على التعامل مع الأمور الإلهية. وإلى هذين الجزأين من أجزاء الإنسان ينسب الكتاب المقدس صفات كثيرة كالحكمة والمعرفة، فالحكمة يعزوها إلى الروح والمعرفة إلى النفس. وكذلك هناك البغضاء والحب، والبهجة والرعب، وما أشبه.

 

والقسم الثالث هو الجسد بأعضائه، ولا تتجاوز مهامّه عن أن يسلك ويعمل بما تعرفه النفس وما يؤمن به الروح. ومثالاً على هذه التجزئة ما رواه الكتاب المقدس عن خيمة الاجتماع التي نصبها موسى وجعلها ذات ثلاثة أخبية: (خروج26: 33 وخروج 40: 1 – 11): دُعي الخباء الأول قدس الأقداس وكان مسكن الله ولم تكن فيه إنارة. ودعي الثاني القدس، وكانت فيه منارة جُعل عليها سبعة سرج. أما الخباء الثالث فدعي الدار أو الساحة وكان تحت السماء وتشرق عليه أشعة الشمس. إن رسم خيمة الاجتماع هو تمثيل الإنسان المسيحي. فروحه هو قدس الأقداس حيث يسكن الله في ظلمة الإيمان وليس هناك نور، لأنه يؤمن بما لا يراه أو يحسّ به أو يفهمه. ونفسه هي القدس، حيث تضيء سبعة السرج وهي كناية عن كل ما ينضوي إلى فهم الأمور الجسدية والمنظورة وتمييزها ومعرفتها. أما الجسم فإنه الساحة أو الدار، وهي مكشوفة لجميع الناس، حتى يستطيعوا أن يروا أعماله وأسلوب حياته.

 

وها القديس بولس يدعو الله، الذي هو إله السلام، أن يقدّسنا ليس تقديساً جزئياً، بل جملةً وبالتمام، كي تكون الروح والنفس والجسد كلها مقدسة. وبإمكاننا أن نذكر أسباباً عديدة دعته إلى مثل هذه الصلاة، لكننا نكتفي بما يلي. إذا فقدت الروح القداسة، لن يكون هناك شيء مقدس. ومن هنا كانت قداستها عرضة لأشدّ النزاعات ومصدر أعظم الأخطار، إذ هي لا تقوم إلاّ على الإيمان المجرّد النقي، كما أنّ ا لروح لا شأن لها بالأمور التي يمكن إدراكها، كما رأينا سابقاً. فإن هناك المعلمين الكذبة يأتون ويغرون الروح لإبعادها عن الرشد، منهم من يعتقد هذا الأسلوب والآخر ذاك لبلوغ الصلاح، وإذا لم تكن الروح محميّة وحكيمة فإنها تخرج من مأمنها وتنقاد لهؤلاء الناس وتأخذ تتهافت على الأعمال والقوانين الخارجيّة وتتخيّل أن بواسطتها ستصل إلى الصلاح. وفي لحظة سهو يضيع الإيمان وتموت الروح في نظر الله.

 

فمن هنا تنشأ الطغمات والفرق الدينية المتعددة، فأحد الناس يلتحق بطغمة السكوت، والآخر يصبح من الذين يمشون حفاة، وهذا يبالغ في الصلاة وذاك في الصوم سعياً للخلاص، وكل واحد ينادي بعمل أو بآخر، ولكن هذه الأعمال والأنظمة كلها من بدع الناس ولم يأمر بها الله البتّة. إنما أتباعها يزاولونها وينهمكون فيها حتى تتفرّق بهم الطرق، ويذهب كل منهم في سبيله مدّعياً أنه يفوق الآخرين ومزدرياً  بهم. وشأنه شأن الرهبان المتشددين المعاصرين، الذين يتباهون ويتفاخرون. وأما بولس فإنه يخالف هؤلاء القديسي الأعمال والمعلمين المتظاهرين بالصلاح، فهو يدعو الله إله السلام والوفاق، الذي لا يمكن لهؤلاء القديسين المشاكسين أن يحظوا به إلهاً  ويعتصموا به إلاّ إذا رجعوا عن غيّهم وطرقهم التي ابتدعوها وإذا اتحدوا معاً في الروح الواحد والإيمان الواحد، وإذا أدركوا أن الأعمال لا تنشئ إلا التفرقة والخطية والنفور، بينما الإيمان وحده هو مصدر الصلاح والاتحاد والمسالمة. كما يقول المزمور (133: 1) (132: 1): "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معاً".

 

إنه لا يكون هناك سلام إلاّ إذا عُلّم الناس أننا نصير صالحين ومبرّرين ومخلّصين ليس بالأعمال والمظاهر الخارجية، بل بالإيمان فحسب، أي بالأخذ بثقة تامة في نعمة الله الغير منظورة والموعودين بها، وقد بيّنتُ ذلك مفصّلاً في بحثي في قضيّة "الأعمال الصالحة". وحيث يُعدم الإيمان لا بدّ من الأعمال ان تكثر والتي من شأنها أن تطرد السلام والوفاق، ولا بد من أن الله يتوارى هناك. ولذا لا يكتفي القديس بولس بأن يقول "روحكم ونفسكم" فقط، بل يقول "روحكم بالتمام"، لأن كل شيء يتوقّف عليها ويستعمل العبارة اليونانية الرائعة: “to olokleron pneuma emon” وتعني "روحكم المالكة كل الميراث"، وكأنه عنى بما قاله هذا أن: لا يضلّكم أيّ تعليم قوامه الأعمال، لأن الكل ملك للروح المؤمنة وحدها، وكل الأشياء إنما تعتمد على إيمانها. وأضرع إلى الله أن يحفظ فيكم هذه الروح عينها، التي هي "وارثة كل شيء"، ويقيكم من التعاليم الكاذبة التي تقول بأن الأعمال أساس ثقتنا بالله، وهي تعاليم مضللة لأنها لا تضع نعمة الله المجرّدة أساساً لهذه الثقة. وإذا كانت الروح "الوارثة كل شيء" مصونة فبالتالي تكون النفس والجسد كلاهما مصونين من الخطأ والأعمال الفاسدة. وأمّا إذا كان الأمر خلاف ذلك وكانت الروح عديمة الإيمان، فلا مفرّ للنفس بل وللحياة كلها من الوقوع في الخطية والضلال، مهما يكن هناك من التجاهر بالنيّة الحسنة والرأي الصائب، ومهما يبدو من الشعور بالوقار والارتياح الذاتي. ونتيجة ضلال النفس هذا ورأيها الخاطئ تصبح جميع أعمال الجسد شريرة ومرفوضة، حتى لو بالغ المرء في الصوم حتى الموت وتمم أعمال جميع القديسين، لذلك، كي لا تذهب أعمالنا وحياتنا سدىً، وكي نصير قديسين حقّاً ، كان من الضروري أن يحفظ الله روحنا أولاً، وثم نفسنا وجسدنا، وليس من الخطايا العلنية فحسب، بل بالأولى من الأعمال الزائفة والتي تظهر وكأنها صالحة.

 

يكفي هذا القدر من تفسير الكلمتين الروح والنفس، إذ لا يتكرر ذكرهما معاً في الكتاب المقدس. وسنستعرض الآن الكلمة "تعظّم" والتي تعني التبجيل والإجلال وإعلاء مقام من كانت له القدرة على أعمال عظيمة وصالحة كثيرة، وكانت لديه المعرفة والرغبة فيها، كالأعمال التالي ذكرها في هذه الأنشودة. وكما أن عنوان الكتاب يُستدلّ به على محتوياته، كذلك اتخذت مريم كلمة "تعظّم" لتدلّ على موضوع انشودتها، وهو أعمال الله وصنائعه العظيمة التي من شأنها تقوية إيماننا وتعزية منحطّي القدر ورعب كل متشامخي الأرض. ومن الواجب علينا أن نحافظ على هذه الأنشودة في فوائدها الثلاث، فإنها لم تنشدها لأجل نفسها فحسب، بل لأجلنا جميعنا كي نتّبعها ونترنّم بها. لكن أعمال الله العظيمة هذه لن تخيف أحداً أو تعزّيه إلاّ إذا كان هناك الإيمان، ليس الإيمان بمعرفة الله وقدرته على هذه الأعمال وعلمه بها فحسب، بل الإيمان برغبته الأكيدة وإرادته الصادقة أيضاً فإنه لا يكفيك أن تؤمن بأنه يريد عمل هذه الأعمال للآخرين من دون أن يعملها لك. فإنك بذلك تستثني نفسك كما يفعل الذين لا يخافون الله لجبروتهم، وكذلك قليلو الإيمان الذين اشتدّ عليهم الغمّ ووقعوا في قبضة اليأس.

 

إن إيماناً من هذا النوع ليس إيماناً صحيحاً، فهو ميت وضرب من آراء الخرافات. وإنه لحريّ بك أن تزيح كل شك أو تردّد وتكون ثابت اليقين بأن الله يريد أن يؤاتيك هذه الأعمال العظيمة وعن طيبة خاطر، هذا هو الإيمان الحق ذات الحياة والكيان، وهو يستحوذ على الإنسان ويغيّره تغييراً كلياً. إنه يلزمك بأن تخاف إذا كنت متكبّراً وأن تتعزّى إذا كنت وضيعاً. فكلما بالغت في التكبّر وجب خوفك بالأكثر، وكلما اشتد عليك الذلّ والاتّضاع قُدّرت لك تعزية أعظم. ليس هناك نوع آخر من أنواع الإيمان يعمل هذه  الأعمال. فما الحيلة ساعة موتك؟ حينها لا يكفيك الإيمان مما لديه القدرة والمعرفة فحسب، بل عليك أن تثق بأن لديه أيضاً الرغبة في مساعدتك، لأن الحالة لا ريب تتطلب عملاً من عظائم الأعمال القادر أن ينجّيك من الموت الأبدي ويخلّصك ويجعلك ابناً ووارثاً. هذا الإيمان يستطيع كل شيء، كما يقول المسيح (مر9: 23): "كل شيء ممكن للمؤمن". وهو وحده الذي يدوم، وبه يعلم الإنسان أعمال الله بحقيقتها، وهكذا يدرك تماماً محبة الله ومن ثم يطفق مترنّماً ومعترفاً له، ويُخلص له الإجلال الفائق والتعظيم الصادق.

 

لكننا لا نعظم الله باعتبار طبيعته، وهو الغير متبدّل، إنما نعظمه بحسب معرفتنا أو خبرتنا،  فإن تبجيلنا وزيادتنا في توقيره هما وقف على نعمه وأفضاله. لذلك لا تقول الأم القديسة: "إن صوتي يعظّم الرب، أو إن فمي أو يدي أو أفكاري أو عقلي أو إرادتي تقوم بذلك التعظيم". لأن أناساً كثيرين يسبحونه بصوت عال، ويعظون عنه بالترنين وكثرة الكلام، ويفكرون ويتأمّلون ويتجادلون فيه ويكتبون عنه ويصوّرونه، أو يكون موضع ظنّهم وتخيّلهم. والعديد من هؤلاء يعظّمونه ويعبدونه بعبارات مزيّفة ونوايا مغشوشة. أمّا مريم فإنها تقول: "إن نفسي تعظّمه". أي إن كل حياتي وكياني، وعقلي وقوتي تجلّه إجلالاً عظيماً، إن نفسها تعلّقت به وسما بها الوجد إليه فغمرها بإرادته المنعمة الصالحة، كما يقول العدد التالي. ومثل هذا الإحساس يدركنا عندما يولينا أحد معروفاً متميّزاً، فنصبو إليه بكل جوانحنا ونقول: "ما أعظم تقديرنا إياه". هذا معنى العبارة "تعظّمه نفسي". وكم بالأحرى جداً  أن يتيقّظ فينا الشوق الحارّ إلى الله عندما نختبر لطفه الفائق في أعماله. حينئذٍ تعجز أفكارنا وأقوالنا عن التعبير عما يضطرب في صدورنا، كأن كل حياتنا ونفسنا هبّتا تلهجان بالحمد والترنيم.

 

يوجد هناك نوعان من الأرواح المضللة لا يسعهما أن تنشدا "تعظّم" على الوجه الصحيح. النوع الأول هم هؤلاء الذين لا يعترفون بالله ولا يحمدونه إلاّ عندما يحسن إليهم. كما يقول داود في (مز 49: 18):"يمدح على رغد العيش".ويبدون كأنهم يحمدونه بالغ الغاية، أما في الحقيقة فإنهم لا يرضون بمقاساة الاضطهاد وبالحالة الوضيعة، ولذلك لا يقدرون أبداً أن يختبروا أعمال الله كما ينبغي حتى يبلغوا إلى حبّه الصادق وحمده الخالص. وإن عالم اليوم مكتظّ بالحمد والخدمات التعبديّة، وبالأناشيد والوعظ، وبعزف الأراغن ونفخ الأبواق، وبترتيل "تعظّم" في روعة وبهاء. ولكننا وللأسف نؤدّي هذه الأنشودة وهي أثمن الأناشيد وأروعها، دون طعم أو رائحة، لأننا لا نرتلها إلاّ عندما نكون في رغد العيش. فإذا ساءت أحوالنا نتوقّف عن الترتيل ولا نعود نجلّ الله الإجلال العظيم، بل نظنّه عاجزاً عن عمل أي شيء لنا أو أنه لا يرغب في ذلك. وعندها تفتر "تعظّم" ولا يعود لها مكان.

 

أما النوع الآخر فإنه أشدّ خطراً من هؤلاء، إنهم الذين يضلّون إلى الجانب الآخر. إنهم يزهون بنعم الله وهباته، ولا ينسبونها إليه وحده، بل يرغبون في أن يكون لهم حصّة فيها، كي يمجّدهم الناس ويُعلوهم فوق الآخرين. وعندما يتبصّرون في الصالحات التي نالوها من الله، يتعلّقون بها ويضمّونها إليهم ويعتبرون أنفسهم أفضل ممن لم يرزقوا مثلها. وفي الحقيقة يكمن هنا خطر يسهل فيه الانحدار والزلل، لأن عطايا الله الصالحة من شأنها أن تولّد قلوباً ذات كبرياء وعُجب بالنفس. ولذلك يستوجب الالتفات إلى كلمة مريم الأخيرة في هذه الجملة، ألا وهي كلمة "الرب". إنها لا تقول "تعظم نفسي ذاتها"، أو "ترفع مقامي أنا"، بل تعطي المكانة الرفيعة والمجد لله وحده، ولا تطلب شيئاً مما يعتدّ به ولا تخص نفسها بشيء من الأفعال الحميدة، بل تنسب الفضل لذلك الذي تسلمتها منه. ومع أنها شعرت في داخلها بصنائع الله الفائقة الوصف، إلاّ أنها احترست دائماً من أن تتكبّر على أذلّ إنسان على وجه الأرض، إذ لو فعلت ذلك لهبطت إلى هوّة الجحيم، كما هبط ابليس (اش14: 12).

 

ولم يخطر ببالها إلاّ هذا الفكر، انه لو نالت أيّة فتاة أخرى مثل هذه الهبات الإلهيّة، لطابت نفسها بذلك ولفرحت معها عين الفرح، ولكانت غبطتها دون أن تريد زوال هذه الهبات عن تلك الفتاة. أجل، إنها كانت تحسب نفسها الوحيدة التي لا تستحقّها وأن جميع الناس الآخرين يستاهلونها، وكانت لترضى بطيبة خاطر لو انتزع الله عنها هذه النعم وأسبغها على فتاة أخرى أمام عينيها، لأن قناعتها كانت بدون حدود ولم تدّعي بأي حق، بل تركت هذه النعم وديعة دفعتها إلى يدي الله وإلى مشيئته المطلقة، إذ هي لم تكن إلاّ مخدعاً تضيف فيه هذا الضيف العظيم. لذلك كانت هذه جميعها نصيبها الدائم. هذا هو عين تعظيم الله وحده، واعتباره الكبير الواحد، وعدم الادّعاء بشيء لأنفسنا. وهذا يرينا أيضاً الحافز الذي اعترضها ليوقعها في الخطية، ويا له من حافز، لكن امتناعها عن الاستكبار والعُجب بالنفس لهو في الحقيقة عجيبة تفوق عجباً حصولها على الهبات. اليست هذه الفتاة غاية في سلامة القلب؟ ها هي تجد نفسها أماً للإله وارتقت إلى درجة تفوق جميع البشر، ومع ذلك ظلت الفتاة العادية البعيدة عن التكلف، وإلى مقدار لا تعتبر به أية خادمة حقيرة دون منزلتها. يا لنا نحن البشر من مساكين! فإن أوتينا قدراً ضئيلاً من الغنى أو القوة أو الإكرام، أو تمتّعنا بشيء يسير من الجمال أكثر من الآخرين، لما رضينا عن أن نساوى في ذلك من هم دوننا، ولكان انتفاخنا إلى أقصى حدّ الانتفاخ. فكيف تكون إذن حالنا إذا حصلنا على هبات عظيمة وسامية كهذه؟

 

لذلك يلزمنا الله البقاء في الفقر والشقاء، لأننا لا نحافظ على نعمه التي يوصلها إلينا ولا نعاملها برفق بل ندنّسها ونتلفها، وإننا لا نواظب على اتّزان رأينا وشعورنا، بل تتأرجح حالنا النفسية بين الشجاعة والتهيّب حسب ما ينيلنا من النعم أو يأخذها منا. أما مريم فإن قلبها ثابت دوماً، إنها تستسلم لمشيئة الله من حيث تستمدّ أحسن العزاء والفرح والاتكال عليه. وهذا الأمر وجب علينا أيضاً إن أردنا أن يكون إنشاد "تعظّم" إنشاداً على الوجه الصحيح.

 

                  


 

وتبتهج روحي بالله مخلّصي

 

لقد رأينا ما معنى الروح. إنه يستوعب الأمور الغامضة عن طريق الإيمان. ولذلك تسمي مريم الله بمخلّصها أي سعادتها، حتى وإن لم تشعر بهذا الخلاص أو هذه السعادة لكنها كانت واثقة كل الثقة بأنه كذلك. وقوام الإيمان هو العمل الإلهي الذي حصل لها. أما وقد استهلّت قولها بأن الله هو ربّها قبل أتدعوه مخلّصها، وكذلك تدعوه مخلّصها قبل أن تحدّث بأعماله، فإنها قد جعلت الأمور في مرتبتها الصحيحة، وتعلّمنا بذلك أنه ينبغي لنا أن نحب الله ونحمده من أجل ذاته فقط، وأن نتبع الترتيب الحق، فلا تنفعنا الأنانية في طلب مصلحتنا لديه. ذلك لأن الإنسان لا يُخلص الله الحب والحمد إلاّ إذا كان الحمد من أجل جوده فقط ولا يهتم إلاّ بهذا الجود الذي يرى فيه وحده فرحه وسعادته. ما أسمى وما أصفى هذا النحو في الاعتراف لله وحمده. وكم هو خليق بروح هذه العذراء السامي اللطيف الطاهر.

 

أما المحبون المنافقون الذين ليسوا إلاّ طفيليين ممن يسعون إلى مصلحتهم الشخصية لدى الله، فإنهم لا يحبونه المحبة المطلقة وليسوا مخلصين في حمدهم له وليس اعترافهم بإحسانه المطلق، بل اهتمامهم الوحيد هو بعطاياه عندما يجعلهم يحسّون بها وينعمون بخيره الجزيل. وما دام هذا الإحسان موجوداً يغمرهم الفرح ويأخذون بإعلاء قدره واللهج بحمده. لكن حالما يحجب وجهه، ويغيب إشراق جوده عنهم، يصبحون مفتقرين تعساء، وينتهي ذلك الحب ويتوقّف ذلك الحمد. لأنهم يعجزون عن حبّ صلاحه المحض وغير المحسوس، دلالةً على عدم ابتهاج روحهم بالله مخلّصهم، وعلى عدم وجود محبتهم الخالصة واعترافهم الصادق لمجرّد صلاحه ولا في يوم من الأيام، بل إنهم كانوا يفرحون بالخلاص أكثر جداً من فرحهم بالمخلّص، وبالعطاء وبالعطيّة أكثر من المعطي، وبالمخلوق أكثر من الخالق. لا هم يقدرون على أن يثبتوا  على حال واحدة في الوفر والعوز، وفي الغنى والفقر، كما يقول القديس بولس (في4: 12): "تدرّبت أن استفضل وأن أنقص، أي أن أرغد وأن أعوز".

 

في مثل هؤلاء يصح قول صاحب المزمور (49: 18): يحمدونك إذا أحسنت إليهم"، ويعني بذلك أنهم لا يحبونك أنت بل يحبون أنفسهم، وما بغيتهم إلاّ ما توفّر لهم مما هو جيّد وممتع، وأما أنت فما تخطر ببالهم، وكما قال أيضاً المسيح للذين كانوا يطلبونه (يو6: 26): الحق الحق أقول لكم، إنكم لم تطلبوني لأنكم عاينتم الآيات، بل لأنكم أكلتم الخبز وشبعتم".

 

هذه الأرواح الشائبة المنافقة من شأنها أن تفسد عطايا الله وتحول بينها وبين أن يسبغ عليها نعمه الجزيلة، وخاصة نعمة الخلاص. وفي ما يلي مثال يظهر ذلك بوضوح: رأت ذات مرة امرأة تقيّة في رؤيا ثلاث عذارى جالسات قرب المذبح وفي أثناء القداس، وإذا بصبي جميل قفز من على المذبح وأسرع إلى العذراء الأولى، فلاطفها وأفرط في مداعبتها وملاعبتها وابتسم هاشّاً في وجهها. ثم دنا من الثانية، ولكنه لم يؤانسها كما آنس تلك ولم يداعبها، بيد أنه رفع غطاء وجهها وتبسّم لها بسمة سارّة. وأما العذراء الثالثة فلم يظهر لها أية علامة لطف، بل لطمها ونتف شعرها ودفعها بشدّه وعاملها بكل جفاء. ثم عاد مسرعاً إلى المذبح واختفى.

 

وفيما بعد أخبرت المرأة بتعبير الرؤيا، فالعذراء الأولى تمثّل الأرواح المنافقة والساعية وراء مآربها، وعلى الله أن يجزل لها العطايا الجيّدة، وتطالبه بأن يتمم إرادتها عوضاً من أن تتمم هي إرادته. إنها لا ترضى عن المكابدة ولا تقنع بصلاحه المجرد، بل بأن ينعم عليها بالمسرّة وقرّة العين دائماً. وتمثل العذراء  الثانية الأرواح التي بدأت بخدمة الله وقنعت بأن تستغني عن بعض الأمور ولكن ليس عن جميعها، ولم ترضَ التخلّي عن الأنانية وعن الاستمتاع، فلا بدّ من أن يبتسم الله لها من حينٍ إلى حين آخر، فيجعلها تشعر بفضله وتتعلّم أن تحبّ برّه التام المتجرّد وتحمد أياديه. وأما العذراء الثالثة فهي سندريلا الفقيرة، ليس نصيبها إلاّ العوز والبؤس، ومع ذلك لا تبحث عن التمتّع بأي شيء، بل تقنع بمعرفة صلاح الله، حتى وإن لم تختبر هذا الصلاح أبداً (ولا شك أن هذا أمر مستحيل). وهي دائمة على وتيرة واحدة وثابتة على محبة الله والاعتراف له بفضله في كلتا الحالين، إن شعرت بهذا الفضل أو لم تشعر به. وهي لا تسارع إلى الهجوم على العطايا الجيّدة إذا تيسّرت ولا تقع في اليأس إذا غابت عنها. إنها عروس المسيح الحقيقية التي تقول له: "لا أريد ما لك بل إياك، وإنّ اعتزازي بك لا ينقص إن ساءت حالي، وبالعكس لا يزيد إن طابت الحال".

 

هذه الأرواح تتمم ما كتب (أش30: 21): "لا تضلوا طريق الله المستقيم المستوي، إذا يامنتم وإذا ياسرتم". أي يجب عليها أن تحب الله وتحمده بالاستقامة والاستواء، وأن لا تسعى لمصلحتها ولمسرّتها. وقد كانت روح داود كهذه الأرواح لأنه عندما طرده ابنه أبشالوم من القدس، وصار عرضة لخطر فقدان مملكته ورضى الله فقداناً دائماً، قال (2صم15: 25و26)، الترجمة اليسوعية (2ملو15: 25 و26): "إن وجدت نعمة في عيني الرب فإنه يرجعني، وإن قال: إني لم أرضَ منك فها أنذا ليصنع بي ما يحسن في عينيه". فيا لطهارة هذه الروح! إنها لم تكفّ عن حب جودة الله والثناء عليها والانقياد إليها، حتى في مقاساة أشدّ البلايا. وإن روحاً كهذه تجلّت أيضاً في مريم والدة الإله، فهي إذ كانت محاطة بالخيرات والنعم الفائقة، لم تنقضّ عليها جشعة، ولم تطلب فيها مسرّتها الشخصية، بل أبقت نقاوة روحها في محبة صلاح الله وحمد جوده غير ناظرة إلى سواه. وكانت لترضى حتى بأن يسترجع منها هذه الهبات ويترك روحها فقيرة عارية محتاجة.

 

ولما كان اللزوم بالاعتدال في حالة الغنى والعلوّ والقوّة أصعب كثيراً منه في حالة الفقر والعار والضعف، لأن الحالة الأولى حافز قوي يغري بعمل الشر، فإن روح مريم الفائقة النقاوة أهل لمديح أعظم وأوفر، لأنها لما كانت وسط فيض هذه النعم لم تجعلها تنقاد للتجربة، بل سلكت وكأنها لم ترها، وحافظت على "الاعتدال والاستقامة في الطريق" وتمسّكت فقط بجود الله، حتى وإن لم تكن تنظره أو تشعر به، وأغفلت تلك الخيرات التي كانت تشعر بها فلم تطلب أن تتحسس البهجة والمتعة بها. لذلك استطاعت أن تنشد بحق وجدارة: "تبتهج روحي بالله مخلّصي". فإن روحها هي بالفعل روح الإيمان التي تهلل فرحاً لا بسبب العطايا التي لمستها، بل من أجل الله وحده الذي لم تلمسه، وهو خلاصها الذي أدركته بالإيمان فقط. هكذا تكون الأرواح التي هي في الحقيقة أرواح وضيعة وعارية وجائعة وخائفة الله، كما سنرى ذلك في ما يلي.

 

يمكننا أن نرى من ذلك ونحكم في كثرة الوعاظ الكذبة والقديسين الغششة الذين امتلأ العالم منهم في هذه الأيام، والذين يبالغون في تعليم الناس الأعمال الصالحة. وإن كان هناك حقيقة القليلون ممن يحسنون التعليم، غير أن أكثرهم ينادون بعقائد وأعمال بشريّة من ابتداعهم واشتراعهم، حتى إن أفاضلهم للأسف بعيدون كل البعد عن الطريق الصائبة المستقيمة ويعملون باستمرار على تضليل الناس عن طريق إرشادهم، لأنهم لا يتوخّون تعليمهم الأعمال والحياة الصالحة من أجل جودة الرب دون سواها، بل يوجّهونهم لمنفعتهم الشخصية. فلولم يكن هناك سماء وجحيم، ولولم يكن نفع بعطايا الله الحسنة لأخلوا سبيلها لا محبوبة ولا محمودة. ليس هؤلاء إلاّ طفيليين وأجراء، وعبيد لا أبناء، وهم غرباء لا ورثة. يولّون أنفسهم منصب الآلهة ويلزمون الله بان يحبهم ويحمدهم ويؤدّي لهم تلك الأمور عينها التي كان لازماً عليهم أن يؤدّوها له. إنهم بلا روح، وليس الله مخلصهم، إنما مخلصهم خيراته، وعليه أن يخدمهم بها خدمة العبد. هم بنو اسرائيل الذين لم يقنعوا بأكل الخبز النازل من السماء في البرّيّة، بل أرادوا أيضاً اللحم والبصل والثوم. (سفر العدد11: 4-6).

 

مما يدعو إلى الأسف أن العالم كله والأديرة والكنائس ملآنة أناساً كهؤلاء. وجميعهم يسلكون بالروح الكاذبة الشاذّة المعوجّة. ويبالغون في الاهتمام بتحصيل الأعمال الصالحة ظانين أنهم يستحقون  السماء بسببها. وكان الأحرى تعريف جودة الله والتبشير بها فوق كل اعتبار، وعلينا أن نعلم أن مثلما يخلصنا من مجرد نعمته دون استحقاق الأعمال، هكذا علينا نحن أن نعمل الأعمال من دون طلب المكافأة والمصلحة الشخصية، بل من أجل جودة الله فحسب، وأن لا نتوخّى بالأعمال إلاّ مرضاته ومسرّته غير مبالين بالأجر، لأن الأجر يأتي من تلقاء نفسه بدون طلبنا. ومع أنّ غياب الأجر أمر محال إذا كانت أفعالنا الصالحة تنبع من روح نقيّة مستقيمة وتخلو من البال بالأجر والمصلحة، لكن الرب يرفض روحاً غير طاهرة، همّها بطلب المنفعة، فمثل هذه لا تحصل على الجزاء. هكذا يخدم الابن أباه عن طيبة خاطر ومجاناً لكونه وارثاً له، ولا يفعل ذلك إلاّ حباً بأبيه. أمّا ذلك الابن الذي يخدم أباه من أجل الإرث والملك فقط، فلا ريب من أنه ابن عاقّ لا خير فيه ويستاهل أن يطرده أبوه.


 

لأنه نظر إلى اتّضاع أمته، هوذا جميع الأجيال تطوّبني

 

ترجم لوتر الكلمة اللاتينية humilitas  بمعنى التذلل وتُفوه الحظ، أما بعض الترجمات الأخرى كالعربية مثلاً فيستدلّ بها على التواضع أو الاتضاع، كأن العذراء مريم قصدت الإشارة إلى تواضعها والمفاخرة به، ومن أجل ذلك اتّخذ بعض المقدّمين وأصحاب الرتب في الكنيسة لقب المتواضع humiliati ، كما دعيت إحدى رهبنات القرون الوسطى بهذا الاسم. لكن الحقيقة بعيدة عن هذا كله، لأن أحداً لا يقدر أن يفاخر بأي صلاح لا يخلو في نظر الله من الخطية والهلاك. إنما يستوجب أن نفخر أمامه بجوده ونعمته دون سواهما، وإنه يسبغهما علينا نحن الغير مستحقين، حتى لا نتفاخر بأنفسنا ونتمدّح بها بل كي تسكن فينا محبته وحمده ويحفظانا، كما يعلمنا سليمان الحكيم (أمثال25: 6و7): "لا تتفاخر أمام الملك ولا تقف في مكان العظماء. لأنه خير أن يقال لك ارتفع إلى هنا من أن تحطّ أمام الأمير الذي رأته عيناك". فكيف يمكن أن يُعزى كهذا التكبّر والتباجح إلى هذه العذراء الطاهرة البارّة، كأنها تفخر بتواضعها في حضرة الله؟ لأن التواضع أسمى الفضائل ولا يتسنّى لأحد أن يبتهي به أو يدّعيه ولا يفعل ذلك إلاّ أكثر الناس كبرياء. إن الله وحده يعرف التواضع وهو وحده يحكم فيه ويظهره. ليس هناك من يجهل التواضع إلاّ من كان في الحقيقة متواضعاً.

 

وفي عرف الكتاب المقدس تعني كلمة humiliare التذلّل والتعنّي، وهو يدعو المسيحيين مراراً بالفقراء والذين لا قيمة لهم والمحتقرين. كما يقول المزمور (116: 10): "أنا تذللت جداً". (وفي الترجمة اليسوعية مز 115: 10: "إني عنّيت جداً"). فلا تدل هذه الكلمة إلاّ على منزلة الاحتقار والاستهانة وضعة النفس، كمنزلة الفقراء والمرضى والجياع والعطاش، والمأسورين والمتألمين والمشرفين على الموت. وفي مثل هذه الحالات كان أيوب في بلواه، وداود حين عزل عن مملكته، والمسيح مع جميع المسيحيين في ضيقاتهم. إنها الأعماق التي سبق وذكرناها أعلاه، والتي لا يتّجه الله بناظريه إلاّ نحوها، وأما نواظر البشر فتتّجه إلى العلوّ أي إلى الأمور الرفيعة والفاخرة والباهرة. من أجل ذلك سمّيت القدس في الكتاب المقدس بالمدينة التي عينا الله مفتوحتان عليها (زكريا12: 4)، أي بما معناه أن المسيحية تقع في الأعماق ويقابلها العالم بالاحتقار، لذلك يُعنى الله بأمرها، ويديم النظر إليها، كما يقول في (مز31: 8): عيني دوماً ترعاك".

 

ويقول أيضاً القديس بولس (1كو1: 27و28): إختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، واختار أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود". وهكذا يحوّل العالم عن كل حكمته وقدرته إلى جهالة، ويعطينا حكمة أخرى وقدرة أخرى. ومن قبيل ذلك لمّا كان أسلوبه الالتفات إلى الأعماق والأمور المهملة، نقلتُ كلمة humilitatis إلى الألمانية بكلمة تعني حالة العدم والكائن الذي لا يُشتهى منظره، إذ عنت مريم بقولها "ان الله نظر إلي، أنا الأمة الفقيرة والمحتقرة والوضيعة المنزلة، وكان بإمكانه أن يجد إحدى الملكات الغنيات الشهيرات والنبيلات شدائد البأس، أو إحدى بنات الأمراء والشرفاء. وكان بإمكانه أن يجد ابنة حنان أو قيافا اللذين كانا يتولّيان أعلى منصب في البلاد. لكنه أشرق علي بعينيه المنعمتين الخالصتي الطهارة، واستخدمني أنا الأمة المعوزة والمحتقرة كي لا يتفاخر أحد في حضرته كأنه أهل لذلك الإشراق، فعليّ أنا أيضاً أن اعترف بالفضل كله وأعزوه إلى مجرّد نعمته وجودته، ولا بأي حال من الأحوال إلى استحقاقي وأهليتي".

 

تقدّم وسبق أن أسهبنا في وصف مقدار حطّ منزلة هذه العذراء اللينة الخلق اللطيفة وكيف وصلت إلى هذا الشرف على غير توقّع، لأن الله نظر إليها بفيض نعمته. من أجل ذلك لا تفاخر باستحقاقها ولا بعدم استحقاقها، بل باللفتة الإلهية التي حباها بها والتي جاوزت الحد من جانب الجود والكرم، حتى تنازل من عليائه لينظر إلى أمة وضيعة مثلها نظرة العزّ والرفعة. ولذلك يجور عليها القائلون أنها ما كانت لتتباهى بعذراويتها بل باتضاعها. أمّا تباهيها فلم يكن بأي هذين الاثنين، إنما بالنظرة الإلهية المنعمة لا غير. فالتشديد لا يقع على كلمة "اتضاع" بل على كلمة "نظر"، لأن ليس اتضاعها هو الخليق بالمدح بل النظر الإلهي. حين يصافح الأمير مستعطياً فقيراً، لا يُثنى على حقارة المستعطي بل على لطف الأمير وكرم نفسه.

 

من أجل دحض ذلك التصور الخاطئ والتمييز بين التواضع الصحيح والمزيّف، يستوجب أن نستطرد قليلاً وننتقل إلى موضوع التواضع، لأن كثيرين يترددون فيه في الضلال. التواضع والاتضاع ترجمة الكلمة التي استعملها القديس بولس باليونانية tapeinophrosyne وباللاتينية affectus vilitatis seu sensus humilium rerum أي الرغبة في الأمور الوضيعة والمحتقرة والميل إليها. وهناك العديد من الناس نجدهم ينقلون الماء إلى البئر، وبكلام آخر يتظاهرون بالتواضع رياءً بثيابهم ووجوههم وإيمائهم وأماكنهم وكلامهم، ويرمون بتصرفهم وحديثهم إلى اجتذاب أنظار أهل البأس والأغنياء والعلماء والقديسين بل الله نفسه، كأنهم مسرورون بالأمور المتواضعة. ولو عرفوا أن أحداً لا يعير أفعالهم أيّ اهتمام لأقلعوا عنها لا محالة. إنهم يتكلّفون التواضع ويظهرون على ما ليس فيهم، لأن عينهم الماكرة تتجه إلى الأجر على تواضعهم ونتيجته، لا إلى الأمور الوضيعة بمعزل عن الجزاء. ولذلك إن كف الجزاء عن الاستهواء، إنكفّوا عن تواضعهم. مثل هؤلاء الناس لا يمكن الحكم عليهم بأنهم يجعلون قلوبهم وإرادتهم على الأمور الحطيطة، إنما يبالون بها فقط بأفكارهم وألسنتهم وأيديهم وثيابهم وسلوكهم الظاهري، بينما القلب يوجّه نظره إلى فوق إلى الأمور العالية العظيمة، التي يأمل الوصول إلها بسيمة التواضع. ومع ذلك يعتبرون أنفسهم أناساً متواضعين وقديسين.

 

أما المتواضعون الحقيقيون فلا ينظرون إلى ما ينتج من التواضع بل ينظرون ببساطة القلب إلى الأمور المنحطة الحال ويألفونها بفرح ولا يخطر ببالهم أبداً  أنهم متواضعون. هنا تنبع الماء وتخرج من العين، ومن الطبيعي أن هنا يتهيّأ لهم أن يُعنوا بالسلوك المتواضع والكلام المتواضع وكذلك الأمكنة والمسلك والثياب وأن يتجنبوا بقدر المستطاع الأمور الكبيرة العالية دون حثّهم على ذلك أو إكراههم عليه. وهكذا يقول داود في (مز131: 1): "يا ربّ لم يرتفع قلبي ولم تستعلِ عيناي". وأيوب 22: 29: "من اتضع تقول له ارتفع، ويخلّص المنخفض العينين". لذلك يأتيهم الشرف دائماً بغتةً والرفعة على غير توقّع، لأنهم كانوا قانعين بمنزلتهم المتواضعة ولم يطمح بصرهم إلى العلياء. لكن المتواضعين الزائفين يأخذهم العجب من إبطاء وصولهم إلى الشرف والرفعة ولا يقنع كبرياؤهم المستتر بوضعهم المتواضع، إنما يطمحون سرّاً إلى أعلى وأعلى.

 

إذاً، وكما سبق وقلت، المتواضع الحقيقي لا يحسّ بأنه متواضع أبداً، لأنه لو أحسّ بذلك لحال متكبّراً يزهو برفيع مقام هذه الفضيلة ويمعن النظر في جمالها، لكنه يتعلّق بالأمور المتضعة بكل قلبه وفكره وحواسّه، فيضعها نصب عينيه باستمرار وهي دائماً على باله. وبما أنها تتمثّل أمام عينيه ولا تفارقه، فإنه لا يقدر أن يرى ذاته أو يدري بها، وكم بالأقل الأمور العالية. ولذلك عندما يجيء إليه الشرف والرفعة لا بدّ من أن يفاجئاه وتجداه منهمكاً في أفكار أخرى تختلف عنهما. وهكذا يقول لوقا (1: 29):" فلما رأت مريم الملاك اضطربت من كلامه، وفكّرت ما عسى أن تكون هذه التحيّة؟" فإنها لم تتوقّع أبداً أمراً كهذا. ولو أتت هذه التحية ابنة قيافا لما فكّرت ما عسى أن تكون، ولما تردّدت في قبول الأمر هذا في الحال وفكّرت: "إن هذا لحسن ومقبول وعين الصواب".

 

وعلى العكس من ذلك لا يحسّ المتواضع الدّجّال بأنه متكبّر، لأنه لو أحسّ بذلك لحال وضيعاً من أجل تأمّله بهذه الرذيلة الذميمة. إنما هو يتعلّق بكل قلبه وفكره وحواسّه بالأمور العالية، ويضعها دائماً نصب عينيه فلا تبرح مخيّلته وذاكرته، ومن شأن ذلك أن يعجز عن رؤية نفسه ولا يدري بها. ولذلك لا يجيئه الشرف والرفعة مفاجأة لأنهما يجدانه منهمكاً في التفكّر بهما. غير أن العار والذلّ يأتيانه على بغتة ويجدانه متأمّلاً في أمور تختلف عنهما كل الاختلاف.

 

من ثمّ لا يجدي أن تعلّم الناس التواضع بتوجيه أبصارهم إلى الأمور المتضعة، وأيضاً لا يصبح الإنسان متكبّراً إذا توجّه بنظره إلى الأمور العالية. ليس الواجب أن يتغيّر المنظر بل أن تتغيّر عيوننا، لأن حياتنا هنا تستدعي أن نقضيها وسط الأمور العالية والوضيعة معاً. فالعين هي التي يجب قلعها كما يأمرنا المسيح (متى5: 29). كذلك لا يخبرنا موسى (تك3: 7) بأن آدم وحواء صارا ينظران أشياء مختلفة بعد سقوطهما، لكنه يقول "انفتحت أعينهما فعلما أنهما عريانان"، مع أنهما كانا عريانين من قبل ولكنهما لم يشعرا بذلك. وها هي الملكة استير كانت تلبس تاجاً ثميناً، لكنها قالت عنه: "إني أكره سمة أبّهتي ومجدي التي أحملها على رأسي…وأمقتها كفرصة طامث"(أي خرقة قذرة)، سفر استير 14: 16)، لم تكن الأشياء الرفيعة الشأن مستترة عن عينيها بل كانت تمثل وافرة أمامها لكونها ملكة عظيمة، ولم يكن هناك شيء حقير بمرأى منها، لكن عينيها كانتا متواضعتين، فلم يلتفت قلبها وفكرها إلى كل الأمور المرتفعة، ولذا أجرى الله بواسطتها العجائب. إذاً ليست هي الأشياء التي يجب تغييرها بل يجب أن نتغيّر نحن قلباً ونيّةً. وعندها نعرف بأنفسنا أن نحتقر الأمور المرتفعة ونتجنّبها وأن نقدّر الأمور المتّضعة ونسعى وراءها، فيكون التواضع إذ ذاك حقيقياً وراسخاً بكل معنى الكلمة، لكنه لا يدري أبداً بأنه متواضع، وتسير الأعمال كلها في بهجة وسرور، ويبقى القلب ساكناً مطمئناً، مهما تبدّلت الأحوال، ومهما كانت وضيعة أو رفيعة، أو كانت صغيرة أو كبيرة.

 

أيّ تكبّر فاحش يكمن في أزياء التواضع وأقواله وتصرّفاته، مما يملأ أصحابها العالم اليوم! إنهم يحتقرون أنفسهم بيد أنهم لا يرضون أن يحتقرهم الآخرون، ويتكلّفون الهرب من تمجيد الناس غير ان الهدف  الذي يرمون إليه هو الحصول على التكريم والتمجيد، ويتجنّبون الأمور العالية لكن غرضهم التقدير والمدح، فلا يصبح تواضعهم عند الناس واطئاً أكثر مما ينبغي. لكن هذه العذراء القديسة لا تشير إلاّ إلى اتضاعها، وكانت لترضى به كل حياتها، ولم تسعَ قطّ إلى تشريف الناس وتعظيمهم، ولا خطر ببالها مرة واحدة أنها متواضعة. لأن التواضع رقيق الحواشي وغالي الثمن لا يطيق النظر إلى ذاته، لأن ذلك خاص بالله وحده، كما يقول المزمور 113: 6: ألناظر الأسافل في السموات وفي الأرض". فلو استطاع أحد أن يرى تواضعه الخاص، لقضى أنه أهل للخلاص، واحتسب حكم الله مقدّماً لأننا على يقين من أن الله يخلّص المتواضعين. وهكذا كان ينبغي لله أن يحتفظ لنفسه حق معرفة التواضع والنظر إليه، وأن يحجبه عنا واضعاً أمام أعيننا الأمور الطفيفة الحقيرة ليدرّبنا بها حتى ننسى النظر إلى أنفسنا. ومما يشغلنا عن ذلك أيضاً الآلام الكثيرة والموت والمصائب الشتّى التي تبلينا على هذه الأرض فتسبب لنا المعاناة والهموم وتدعونا إلى ان نقلع العين الشريرة ونلقيها عنا.

 

وهكذا تبين لنا بكلمة "تواضع" وبكل وضوح أن العذراء مريم كانت أمة فقيرة قاصرة اليدين لا يؤبه لها. وكانت وحالها هذه، تخدم الله دون أن تعلم أنه يولي تواضعها الاستحسان الرفيع. إن هذا من شأنه أن يعزّينا ويعلّمنا أنه وإن كان علينا أن نقاسي الوضع والاحتقار طوعاً، فإننا مع ذلك يجب أن لا نيأس كأن الله غضبان علينا، بل الأحرى علينا أن نضع أملنا في نعمته ونحذر من أن يكون تقبّلنا الاتضاع ليس عن رضىً وسرور كافيين، ومن أن تنفتح العين الشريرة بطموحها وتخدعنا، فنُغر بشهوة علياء الأمور وإرضاء الذات، لأن في ذلك هلاك التواضع. ماذا ينفع الهالكين ذوي النصب والتعب وإن هووا إلى الدرجات السفلى، ولم يكونوا راضين وقانعين بما هم عليه؟ وأيضاً ماذا يضير جميع الملائكة الذين بلغوا أعلى المرتقى طالما لا يتشبّثون به بشهوة باطلة؟ وبالاختصار يعلمنا هذه العدد أن نعرف الله معرفة الصواب، لأنه يرينا أنه ينظر إلى المتواضع والمحتقر، وهذه المعرفة الحقة تنشئ في الإنسان الولاء لله والاعتماد عليه والاستسلام لطاعته حُبّةً وكرامة.

 

يقول إرميا النبي في صدد ذلك (إر9: 23 و24): "لا يفتخر أحد بحكمته ولا بجبروته ولا بغناه، بل بهذا فليفتخر المفتخر بأنه يفهم ويعرفني". وكما يعلّم القديس بولس (2كو10: 17): وأما من افتخر فليفتخر بالرب". كذلك والدة الإله، فبعد أن حمدت ربها ومخلّصها بروح الصدق والصفاء، وتغنّت بجودته غير مفتخرة بعطاياه، تحوّلت الآن واتجهت أيضاً إلى أعماله وهباته وشكرت أياديه ونعمه، وكما قد رأينا علينا أن نمتنع عن التهافت على عطاياه الجيدة والتعلّق بها، بل نتخذها سبيلاً نصعد بها إلى حضرته الإلهية ونعتصم به وحده ونجلّ جوده كلّ الإجلال. وعند ذلك نحمده أيضاً على أعماله التي أظهر بها جودةً هذا مقدارها وهي أهل لمحبتنا واتكالنا وشكرنا. فأعماله ليست سوى الحوافز الكثيرة التي تحثّنا على محبة جوده المحض وهو الذي يتولّى الحكم علينا ويحملنا على الثناء عليه وحمده.

 

أمّا مريم فإنها تبدأ بما يتعلّق بها فتتغنّى بما عمله الله لها، وتعلّمنا بذلك درسين اثنين، أولهما أن المرء عليه أن ينتبه لما يعمله الله له، مفضّلاً ذلك على الانتباه لجميع الأعمال التي يعملها للآخرين. لأن الخلاص ليس بما يعمله الله لإنسان آخر بل بما يعمله لك. عندما سأل القديس بطرس عن يوحنا (يو21: 21): "وهذا ما له؟ أجابه المسيح وقال (يو21: 22): فماذا لك، أنت اتبعني". كما لو أنه عنى بما قاله: "ما تجدي عنك أعمال يوحنا، بل عليك بشأنك، وترقّب ما أنا فاعل لك". لكن العالم قد تفشّت فيه المفسدة المروّعة في هذه الأيام، وهي بيع الأعمال الصالحة وتوزيعها، إذ يقوم بعضهم وهم ذوو الروح المجترئة المتطاولة، بمساعدة الآخرين ويقدمون المساعدة خاصة للذين هم من الأعمال الصالحة خلاء في حياتهم ومماتهم، وإنهم يتمادون في غيّهم كأنهم يملكون فائضاً من الأعمال الصالحة. لكن القديس بولس يقول (1كو3: 8): "كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه"،حتماً ليس بحسب تعب إنسان آخر.

 

لو كان هؤلاء  يصلّون من أجل الآخرين أو أتوا أعمالهم أمام الله شفاعة في الآخرين، لكان الأمر محتملاً لا بأس فيه. لكنهم يتعاطون أعمالهم كأنها هدايا للتفريق والتبديد، مما يجعل ذلك من الأفعال المشينة. وأسوأ الأمور لأنهم أنفسهم يجهلون قيمة تلك الأعمال في نظر الله. فالله لا ينظر إلى الأعمال بل إلى القلب والإيمان. لأنه يعمل فينا بواسطتهما. لكنهم لا يفطنون لذلك أبداً، بل يعتمدون على الأعمال الخارجيّة فحسب، مضلّلين أنفسهم وكل الناس بالأماني الكاذبة. وبلغ في بعضهم المدى إلى ترغيب الناس في أن يلبسوا برنس الرهبنة وهم على فراش الموت، مدّعين أن كل من يموت متسربلاً بهذا اللبس المقدس، يحصل على غفران جميع ذنوبه ويخلص. وهكذا أخذوا في تخليص الناس ليس بأعمال الآخرين فقط بل بثياب الآخرين أيضاً.

 

وأخشى، إن لم نكن محترسين، أن تدفعهم الروح الشريرة إلى أبعد من ذلك، آخذين بقيادة الناس إلى السماء باستعمال طعام الرهبانية وصومعاتها ومدافنها. يا إلهي! أيّ ظلام مضلل هذا! أبرنس الرهبنة يصيّر الإنسان صالحاً ويؤاتيه الخلاص؟ فلِمَ الحاجة إلى الإيمان بعد؟ هلمّ بنا نصبح كلنا رهباناً أو نموت كلنا ببرنس الرهبان! وما مقدار القماش الذي سيستنفد في هذه الحالة في صنع البرانس؟! حذاريك الذئاب في مثل ثياب الحملان هذه! إنها ستخدعك وتمزّقك إرباً إرباً! أذكر أن الله أيضاً يعمل فيك. فلا تبنِ خلاصك على أيّة أعمال إلاّ تلك التي يعملها الله فيك وحدك، كما ترى مريم العذراء تفعل هنا. فإذا أردت أن تستعين بالآخرين يشفعون لك، فذلك حق وجيد، لأنه يجب علينا جميعنا أن نصلّي ونعمل من أجل بعضنا البعض. إنما لا يعتمد أحد على أعمال الآخرين استغناءً بها عن أعمال الله فيه. بل على كل واحد أن يسعى جاهداّ إلى اعتبار الله ونفسه كأنهما الكائنان الوحيدان في السماء وعلى الأرض، وكأن الله لا يكترث إلاّ له وحده. وعندئذٍ بإمكانه أن ينظر إلى أعمال الآخرين.

 

أما الشيء الثاني الذي تريد أن تعلمنا إياه، أن على كل واحد أن يبذل جهده في أن يكون سابقاً في حمد الله، بادئاً بإظهار الأعمال التي عملها له، ومن بعد يحمده على الأعمال التي عملها للآخرين. مثال ذلك نقرأ في سفر أعمال الرسل (15: 12): أن بولس وبرنابا حدّثا الرسل بما أجرى الله على أيديهما من الأعمال"، وجاء بعدهما الرسل وشرحوا  جميع ما عمل الله بواسطتهم. وكمثلهما فعل  التلاميذ أيضاً (لو24: 34و35): بخصوص ظهور المسيح بعد قيامته. وهكذا نشأ فيما بينهم ابتهاج عام وطفق كل واحد يحمد الله على النعمة التي وهبت للآخرين، ولكن أكثر ما يكون على النعمة التي أسبغها عليه هو، ومهما كانت النعمة متواضعة بالنسبة إلى ما حصل عليه الآخرون. وكانوا بسطاء القلب جداً حتى أن كلاً منهم كان يودّ أن يكون الأول لا في حيازة العطايا بل في حمد الله وفي حبّه، لأن الله وحده وجوده المنفرد كانا كفاية له مهما صغرت العطية. أما الأجراء الأنانيون فليس همهم إلاّ الربح، وينظرون بعين الحسد عندما يلاحظون أنهم ليسوا الأوائل والمقدّمين في الحصول على العطايا. وعوضاً من الحمد والاعتراف يتذمّرون على أنهم جُعلوا مساوين للآخرين أو أقلّ مرتبة منهم، كالفعلة في (متى20: 11و12): الذين تذمّروا على ربّ البيت ليس لأنه ظلمهم بل لأنه ساواهم بالعمال الآخرين وأعطى الجميع ديناراً ديناراً.

 

كذلك نجد اليوم أناساً يجحدون جود الله لأنهم لا يرون أنهم حصلوا على ذات الأشياء التي حصل عليها القديس بطرس أو غيره من القدّيسين أو هذا أو ذاك من الناس ممن يعيشون على الأرض، ويظنون أنهم لو حازوا هذه الأشياء لحمدوا الله وأحبّوه، فهم يزدرون عطايا الله الجيدة التي أسبغها عليهم بوفرة ويتغاضون عنها، كالحياة والجسد والعقل والممتلكات والشرف والأصدقاء وما تسديه إليهم الشمس وسائر المخلوقات. ولو أوتوا من العطايا كل ما أوتيت مريم لما رأوا فيها الله ولما اعترفوا له وحمدوه عليها، لأنه كما قال المسيح (لو16: 10): "الأمين في القليل يكون أميناً في الكثير، والظالم في القليل يكون ظالماً في الكثير".إذاً هم لا يستاهلون الكثير والكبير في القدر لأنهم يحتقرون القليل والصغير. ولو كانوا يحمدون الله على القليل لكان الكثير يزاد لهم. إنهم يسلكون على هذه الطريقة لأنهم ينظرون إلى فوقهم لا إلى دونهم، ولو نظروا إلى دونهم لوجدوا العديد من الناس ممن ليس لهم نصف ما أصابوا منه هم، ومع ذلك هؤلاء قنعون بالله ويترنمون بحمده. ها العصفور يصفر أغنيته سعيداً بمواهبه ولا يتذمّر على حرمانه موهبة النطق. وها  الكلب يتقافز مرحاً وراضياً مع أنه غير عاقل. والحيوانات كلها تعيش راضية بما قسم لها الخالق وعابدة إياه بالحب والحمد. فليس هناك سوى عين الإنسان الشريرة الدنيئة التي لا ترضى بعيشها ولن ترضى به أبداً بسبب كفرها النعمة وبسبب كبريائها. فتتخيّر في كل دعوة أوّل المتّكآت ومنزلة ضيف الشرف (لو14: 8)، وتأبى على الله التكريم، بل تتحرّى أن يكرّمها هو.

 

هناك قصة حدثت أيام مجمع كونستانس، حصل أن اثنين من الكرادلة كانا يطوفان في الحقل على فرسيهما، فأبصرا أحد الرعاة واقفاً يبكي. أما أحدهما، وكان كريم النفس، فلم يرضَ أن يمرّ بالراعي ويتركه خلفه دون أن يسلّيه عن همّه. فأدار بفرسه نحوه وسأله عن أمره. وأما ذلك فمضى على البكاء المرير حتى وقع الكاردينال في الحيرة. وأخيراً  أشار الراعي بإصبعه إلى ضفدع وقال: "أبكي لأن الله قد جعلني مخلوقاً سوياً فائق الحسن وليس كهذه الدبيبة القبيحة. وإنني حتى الآن لم أعرب عن شكري فضله وعن حمدي إياه لعرفانه". أما الكاردينال فقرع على صدره وقد أخذته الرعدة من هذا الكلام واهتزّ بشدّة حتى وقع عن دابته واضطر إلى حمله إلى البيت، وكان يصرخ: "أيها القديس أوغسطينوس، ما أصدق قولك أن الجهّال يهبّون ويأخذون السماء قهرا ً أمام عيوننا. أما نحن الذين على جانب عظيم من العلم فنتقلّب في اللحم والدم". وإني على يقين أن ذلك الراعي لم يكن ذا غنىً أو جمال أو نفوذ، ومع ذلك فقد علم بعطايا الله الجيّدة حق العلم، فشكر له نعمته من كل قلبه وإحساسه، فقد تروّى فيها ووجدها تفوق الوصف والاستيعاب.

 

وتعترف مريم أن أول صنع اختصّها به الله أنه نظر إليها، وهذا أعظم صنائعه حقاً، لأن كل الصنائع الأخرى مبنيّة عليه ومتأصّلة فيه. فإنه حيث يحدث أن يلتفت الله بوجهه لينظر إلى أحد من الناس، فلا يكون هناك إلاّ النعمة والخلاص، ولا بدّ من كل العطايا والأعمال أن تتبع. على مثال ذلك نقرأ في سفر التكوين(4: 4و5): أنه نظر إلى هابيل وقربانه، ولكنه لم ينظر إلى قايين وقربانه". فإن ههنا المنشأ الذي تصدر منه الصلوات العديدة في المزامير التي تدعو الله أن يرفع وجهه نحونا (مز4: 6)، وأن لا يحجب وجهه عنا (مز 27: 9)، وأن يضيء بوجهه علينا (مز31: 16)، وما أشبه ذلك. ودلالةً على أن مريم أدركت بنفسها أن هذا الأمر هو أعظم الأمور، فقد أشعرت ذلك بقولها: "فهوذا منذ الآن (أي بما أنه نظر إلي) جميع الأجيال تطوّبني".

 

إنتبه إلى كلامها! إنها لا تعني أن القول المنتشر عنها في الناس يجعلها الفاضلة من كل شيء، ولا هم يتمدّحون بمناقبها وخصالها أو يبجّلون بتوليّتها وتواضعها أو يتغنّون بما أتته من الأفعال. إنما هناك سبب واحد يحمل الناس على تطويبها، ألا وهو أن الله نظر إليها، وهذا يعني إعطاء المجد لله كاملاً بالغ الكمال. لذلك تشير إلى نظر الله إليها بقولها: "فهوذا منذ الآن تطوّبني الأجيال، أي بدأ التطويب في اللحظة التي نظر فيها الله إلى اتضاعي". هذا المديح لا يثني عليها بل على نعمة الله التي حباها بها. لأنها في الواقع محتقرة وهي تحتقر نفسها إذ تقول أن الله نظر إلى منزلتها المتواضعة. ومن ثمّ تذكر تطويبها قبل أن تعدّد أعمال الله التي عملها لها، وتنسب كل شيء إلى حقيقة نظره إلى اتّضاعها.

 

وبإمكاننا أن نتعلّم من ذلك كيف نؤدّي لها واجب الاحترام اللائق ونوفيها حقّها من التكريم. فكيف ينبغي أن نخاطبها؟ تذكّر كلماتها وهي التي تعلّمك أن تقول: "أيتها العذراء المباركة، ووالدة الإله المنعم عليها، لقد كنت منعدمة ومفتقرة ومحتقرة كلّيّة، ولكن الله نظر إليك بغنى نعمته وصنع بك عظائم لم تكوني أهلاً لواحدة منها، إنما نعمته الفائقة الوافرة حلّت فيك وهي تزيد وتعلو جدّا على كل استحقاقاتك. فطوبى لك، ومغبوطة أنت، منذ الآن وإلى الأبد، إذ وجدتِ هذا الإله". لا ينبغي لك أن تخشى أنها تمتعض من وصفها بما فيها من عدم استحقاق لهذه النعمة فقد أقرّت بنفسها، ولم تكن تكذب في ذلك قطعاً، بعدم استحقاقها وباتضاعها اللذين نظر إليهما الله لا لأجل أهليّةٍ فيها، بل لأجل نعمته وحدها.

 

لكنها تكره عظات الثرثارين المزهوّين وكتاباتهم التي يبالغون فيها في ذكر فضائلها، رامين بذلك إلى البرهان على مهارتهم، لكنهم عجزوا عن الرؤية في أنهم قلّلوا أهميّة تعظّم، وجعلوا أم الإله كاذبة، وصغّروا قدر النعمة الإلهيّة. لأن قدر ما ننسب إليها الاستحقاق والأهلية، يساوي قدر ما ننقص من نعمة الله ومن حقّ أنشودة تعظّم. وكما أن الملاك أيضاً قصر تحيّته على إنعامها بنعمة الله، وأن الربّ معها (لو1: 28)، مما يجعلها مباركة في النساء. فمن ثمّ كان جميع الذين يركمون مديحها وتمجيدها حتى يصيرا ركاماً مركوماً ليسوا بُعداء عن تنزيلها منزلة الإله، كما لو أنها كانت تكترث بأن يمجّدها الناس ويتوقّعوا منها الحصول على الخيرات. إنما هي تدفع ذلك عنها، وتريد أن الناس يمجّدون الله بها، ويتوصّلون بواسطتها إلى الثقة التامة بنعمته.

 

لذلك من أراد أن يكرّمها على الوجه الصحيح عليه أن لا ينظر إليها وحدها، بل يجعلها ماثلة بين يدي الله ودونه كثيراً جداً، ويعاينها كما هي خلاءً من كل مفخرة وزينة، ومتّسمة بالتواضع كما تقول هي نفسها. عندئذٍ يُعجب من فائق برّ الله وجوده، لأنه يلتفت إلى إنسان فانٍ وصغيرٍ في القدر ويتحوّطه ويباركه. إن منظراً كهذا من شأنه أن يحرّك قلبك فيتدفّق في حب الله وتمجيده على نعمته، وإنك ترجو فيه كل خير. فهو لا يرفض الناس المحتقرين والمتضعين بل يشملهم بفرط نعمته. وهكذا يتشدد قلبك في الإيمان والمحبة والرجاء. ماذا تظن؟ هل هناك شيء تطيب نفسها به أكثر من مجيئك إلى الله بواسطتها على هذا النحو، والتعلّم منها أن ترجوه وتعتمده، رغم كونك محتقراً ومتّضع المقام في الحياة أو الموت؟ إنها لا تريدك أن تجيء إليها هي بل أن تجيء بواسطتها إلى الله.

 

وتعلّم أيضاً أن خيرة ما هي تحبّه أن تصرف نفسك وجلاً عن كل شيء عالٍ مما تصبو إليه النفوس ويستهويها، حين ترى أن الله لم يجد ولم يرغب في أن يجد شيئاً ذا مكانة مرموقة حتى في أمّه. لكنّ الفنّانين الذين يصوّرون العذراء المباركة بالرسم والوصف معدمة أي شيء حقير، إنما هم يرتفعون بها إلى مثل أعلى تعبيراً عن خالص العلوّ والسموّ، فلا يقابلونها إلاّ بنا نحن بدل أن يقابلوها بالله، ويجعلوننا نشعر بالخوف والقنوط كونهم يحجبون صورة العذراء باعثة العزاء، كما تُحجب صور القديسين على جانبي المذبح في وقت الصوم. وهكذا يحرموننا مثالها المعزّي، ويرفعونها فوق كل مثل يتمثّل به. لكنها لا ترغب إلاّ في أن تكون المثل المخيّر الجدير بها والذي نستهدي به إلى نعمة الله، ويحمل العالم كله على الشوق إلى هذه النعمة وعلى نزوع النفس إلى حبّها وحمدها. حتى تمتلئ قلوب جميع الناس بواسطتها بمعرفة الله فتجاهر متيقّنة: "أيتها العذراء المباركة، يا والدة الإله، ما أعظم التعزية التي أسداها إلينا الله بك، فإنه أبو الرأفة وإله كل لطف، إذ هو نظر إلى عدم استحقاقك وإلى اتضاعك. مما يشجعنا على الثقة بأنه منذ الآن لن يحتقرنا نحن المعدمين المتّضعين، بل سينظر إلينا متعطّفاً".

 

وإذا كان داود والقديسون بطرس وبولس ومريم المجدلية وأشباههم مثالاً يتشبّه به جميع الناس ويمدّهم بالتعزية وتقوية الإيمان والرجاء بالله، إذ أنعمهم الله بالنعمة العظيمة من دون أن يستحقوها، فيا تُرى والدة الإله المباركة، ألا ترغب في أن تشاكلهم وفي أن تكون هي أيضاً مثالاً للعالم أجمع، وهي الجديرة بذلك؟ لكنها غير قادرة على ذلك، لأن المبالغين في المدح والمفرطين في الهذيان يعارضونها، لأنهم لا يظهرون للناس من خلال هذا العدد من الإنجيل كيف تم اللقاء بين غنى الله الواسع وفقرها المدقع، وبين سموّه الإلهي واتّضاع منزلتها، ومجده الإلهي وذلّها، وعظمته الإلهية وصغارة قدرها، وبرّه الإلهي وعدم استحقاقها، ونعمته الإلهية وعدم أهليّتها. فإن هنا منشأ محبتنا لله وودّنا إيّاه وثقتنا الراسخة به. ولهذا السبب عينه قد دوّنت قصة حياتها وأعمالها، كما دوّنت قصة حياة جميع القديسين وأعمالهم. غير أن الكثيرين يأتونها طالبين العون والعزاء كأنها إله، حتى صرت أخشى أن عبادة الأصنام في عالمنا اليوم أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى. ولنكتفِ الآن بهذا القدر.

   

العبارة اللاتينية omnes generationes ترجمتها بالألمانية "ولد الولد"، مع أن معناها الحرفي هو "جميع الأجيال". غير أن كلمة "أجيال" لا تخلو من الغموض وقد شقّ على الكثيرين فهمها إذ تعني أيضاً (بالألمانية) الصنف من الناس، فكيف يمكن أن يطوّبها جميع اجيال الناس أي أصنافهم، فهناك اليهود والوثنيون والكثيرون من المسيحيين الأشرار الذين يتكلمون عليها بالكفر والإهانة، وعلى أي حال يستنكفون من تطويبها، لأن كلمة "أجيال" في تصوّر أولئك المفسّرين تشمل البشرية عموماً مع أن معناها الأصح هنا هو أهل الزمان الواحد أي مدة من الوقت ينشأ فيها نسل طبيعي، فنقول جيل الأب، وجيل الابن، وجيل الحفيد الخ، ويدعى كل عضو من هؤلاء جيلاً. وإن العذراء مريم لم تقصد بما قالته إلاّ أن مدحها سيستمرّ من جيل إلى آخر، فلن يكون هناك زمان من الأزمنة يعدم فيه حسن الثناء عليها. وقد أشارت إلى ذلك بقولها: "هوذا منذ الآن جميع الأجيال…" أي يبدأ الآن ويدوم في كل الأجيال إلى ولد الولد.

 

أما كلمة makariusi أي "تطوّبني" فتعني أكثر من أن ندعوها سعيدة مباركة، بل تتعدّى ذلك إلى معنى الغبطة وجعلها مباركة. ولا يقوم هذا المعنى على مجرّد النطق بالكلام أو حني الركبة أو خفض الرأس أو خلع القبّعة، أو رسم الصور أو بناء الكنائس، فحتّى الأشرار أيضاً يقدرون أن يفعلوا هذه الأمور، بل يقوم ذلك على كل ما أوتي المرء من قوّة، وعلى الإخلاص الخالي من الرياء، أي عندما ينظر القلب إلى اتّضاعها وإلى إيلائها النعمة الإلهية، فتغمره رؤيتها بالفرح بالله ومحبته، ويأخذ يقول أو يفكّر من أعماق قلبه: "طوبى لك أيتها العذراء الميمونة المباركة". فعلى هذا النحو تليق غبطتها، كما رأينا ذلك من قبل.

 

 

لأن القدير صنع بي عظائم، واسمه قدّوس

 

هنا تتغنّى نفَساً واحداً بكل صنائع الله التي أسداها إليها، وقد راعت الترتيب الصحيح، فإنها في العدد السابق تغنّت بنظر الله إليها ورضاه عنها وهما أعظم صنائعه وأهمّها، كما ذكرنا، أما الآن فتذكر الأعمال والهبات. ولا شك أن الله يسبغ العطايا الجيّدة على الكثيرين بسخاء ويؤاتيهم أبهى اسباب الحسن والتزيين كما آتى إبليس في السماء، ويغمر جموع الناس بإحساناته بغير حساب، ولكن هذه كلها لا تعني أنه ينظر إليهم. لأن عطاياه الجيدة ليست سوى هبات تدوم مدةً من الزمن، أما نعمته ونظره فهما الإرث الذي يدوم إلى الأبد، كما يقول القديس بولس في رسالة رومية (6: 23): "إن موهبة الله هي الحياة الأبدية". فهو في العطايا يناولنا ما له، وأما في النعمة والنظر إلينا نتناوله هو بنفسه. في العطايا نلمس يده، وأما في نظرته بالتوسّم فإننا نملك قلبه وروحه وفكره ومشيئته. ولذلك تضع العذراء المباركة النظر في أولى المرتبات وأعلاها، فلا تبدأ قولها: "جميع الأجيال تطوّبني لأنه صنع بي عظائم"، كما جاء في هذا العدد، بل تبدأ بقولها: "انه نظر إلى اتضّاعها"، كما يشير العدد السابق. فحيث حسن التفاته هناك هباته أيضاً، وأما حيث الهبات فليس التفاته وجوباً. ومن هنا جاء تتابع هذا العدد في أثر ما سبقه تتابعاً منطقياً. ونقرأ في سفر التكوين (25: 5 و 6): أن ابراهيم وهب لبني سراريه هبات، أما اسحق ابنه الطبيعي من شريكة حياته الحقيقية سارة، فقد أعطاه كل الميراث. لكن الله لا يشاء أن يضع أولاده الحقيقيون اعتمادهم على أمواله وهباته، روحية كانت أم زمنية، ومهما كانت جزيلة، بل على نعمته وعلى ذاته، ولكن من دون الازدراء بالهبات.

 

كذلك مريم أيضاً، إنها لا تعدد العطايا الجيدة وتخصصها واحدة فواحدة، بل تجمعها معاً في كلمة واحدة "إنه صنع بي عظائم"، أي إن كل ما صنع بي هو عظيم. وهي تعلمنا بذلك أنه كلما زادت عبادة الله والقنوت له كلما قلّت الكلمات التي ينطق بها. وإنها تشعر بأنه مهما حاولت بذل جهدها لا تقدر على التعبير بالكلام عما يجول في نفسها. ولذا فإن كلمات الروح القليلة هذه هي من البلاغة والعمق بمكان، حتى إنّ أحداً لا  يستطيع أن يفهمها إن لم يحسّ بهذا الروح عينه أو على الأقل بشيء منه. وأما غير الروحانيين أصحاب الثرثرة والضّجّة والصّخب فإن كلمات كهذه تبدو لهم لا تكفي ولا تغني وتفتقد جداّ إلى الطعم والملح. ويعلمنا السيد المسيح في متى (7: 6) أيضاً: أن لا نكثر الكلام حينما نصلّي مثل الوثنيين، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم". وهذا الأمر هو نفسه الجاري اليوم في الكنائس، حيث المبالغة في قرع الأجراس، والنفخ في الأبواق، والترتيل، ورفع الصوت ومناغمته، لكنني أخشى أنه ليس هناك إلاّ القليل جداً من عبادة الله والحمد له، وهو الذي يريد أن الساجدين له بالروح والحق يسجدون، كما يقول في يوحنا (4: 24).

 

يقول سليمان في سفر الأمثال (27: 14): مَن بارك صديقه بصوت جهير في الصباح باكراً، تحسب بركته لعنة"، لأن شخصاً كهذا يتعرّض لظن الناس في أن قصده تزيين أمر سيء، فشدّة انفعاله لا تؤاتيه إلا العاقبة الوخيمة. وكذلك من يستيقظ باكراً ويشتم جاره بصوت جهير، (أي ليس عديم المبالاة بالأمر، بل مشتداً في الحماسة واللجاجة)، فإنه يعتبر مادحاً إياه. لأن الناس لا يصدقونه بل يتّهمونه بالبغضاء والقلب الشرير، فهو يسيء إلى قضيته ويحسن إلى قضية جاره. وعلى سبيل ذلك  الاعتقاد أن عبادة الله هي القائمة على الكلام الكثير والصراخ الشديد، إنما حقيقة هذا التصرّف هو اعتباره أطرش وجاهلاً، وينبغي علينا إيقاظه وتعليمه. إن هذا الاعتقاد الباطل يؤدّي إلى معيبة الله وعدم احترامه بدل عبادته. أما من تفكّر في أعمال الله في أعماق القلب ورمقها رمق التعجّب الشديد وأقصى الامتنان، فإنه يهبّ يزفر متأوهاً لا يكاد ينطق من شدة التلهّب، فتدفق الكلمات دفقاً بدون رويّة وتنميق، وتجيش معها الروح فيّاضة، فترى الكلمات حيّة كأنها اتخذت أيدي وأرجل، أجل، كأن الجسم بل الحياة مع كل الأعضاء تبذل الجهد والمجهود في الإعراب عن نفسها. إن هذا هو بالفعل عبادة الله بالروح والحق، لأن هذه الكلمات جميعها نار ونور وحياة. كما يقول داود في (المزمور 119: 140 ): "يا رب أقوالك ممحّصة جداً" (أي كمحص الذهب بالنار)، وأيضاً يقول في المزمور (119: 171): "تفيض شفتاي بالتسبيح"، كما تفور الماء وتغلي لأنها لا تتمالك عن حبس نفسها في القدر من شدّة الحرارة. إن كلمات العذراء المباركة في أنشودتها هذه جميعها من هذا النوع، إنها قليلة العدد لكنها عميقة وقوية المعنى. ويسمي بولس أولئك الناس (رو 12: 11): "حارّين في الروح"، فهم يفورون ويزبدون، ويعلّمنا أن نكون كذلك.

 

ليست "العظائم" إلاّ أنها قد أصبحت والدة الإله، وبقيامها بهذا العمل أسبغ عليها العطايا الجزيلة العظيمة التي تفوق الفهم البشري، إذ ينتج من ذلك بلوغ الغاية في المجد والسعادة، ومكانتها الفريدة في الجنس البشري قاطبة، فلا يعادلها أحد سموّاً وقدراً، لأنها حملت من الآب السماوي، وكان حملها طفلاً هو هذا الطفل السامي. وها هي نفسها عاجزة عن أن تجد اسماً لهذا العمل المتناهي في العظمة، فكل ما تقدر أن تفعله هو أن تصرخ من أعماق قلبها: "إنها عظائم"، التي لا يمكن وصفها أو سبر غورها. لذلك أجمل الناس تمجيدها كله في عبارة واحدة، فإنهم سمّوها "بوالدة الإله". إن أحداً لا يسعه أن يقول عنها أو لها أعظم من هذه العبارة، ولو كان يملك ألسنة بعدد أوراق  الشجر أو عشب الحقل، أو نجوم السماء أو الرمل الذي على شاطئ البحر. إن هذه العبارة "والدة الإله" وما تشتمل عليه من معاني جديرة بالتفكير فيها تفكيراً قلبياً وبكل رويّة.

 

(إن تسمية العذراء  بدقّة بالغة "بوالدة الإله"، وليس بعبارة "أم الإله" المستعملة في اللغة الألمانية،  تقررت بصورة رسمية في مجمع افسس عام 431 م. واستمر لوتر في كل أعماله اللاهوتية وطيلة حياته على إسناد هذا اللقب إليها وعلى تسميتها "المباركة" بكل معنى الكلمة. وقد دلّت دراسات المواقف الإنجيلية وخاصة مواقف المصلح اللاهوتية تجاه العذراء على التوقير المريمي. وتري الفقرات التالية بعضاً من هذه الدلائل. ملاحظة المترجم.)

 

وتنسب مريم أيضاً كل ذلك وبكل صراحة إلى نعمة الله، وليس إلى استحقاقها. فإنها وإن كانت بدون خطية، كانت تلك النعمة أعظم جداً من أن تكون أهلاً بها ولا على أي نحو من الأنحاء. لأنه كيف يتاح للمخلوق أن يصبح "والدة الإله"؟ ولكن هناك بعض ضعفاء الكتّاب ممن يخلطون في الكلام الكثير ويثيرون اللجّة والجلبة في نسبة هذه الأهليّة لها. أما أنا فإني أفضّل أن أصدقها على أن أصدّقهم. فهي تقول أن الله وجّه نظره إلى اتّضاعها وأنه لم يكافئها على أي عمل تولّته، بل "صنع بي عظائم" أي أنه فعل ذلك بمحض إرادته دون قيامها بأي عمل من ناحيتها. إنها لم تكن لتفكّر طيلة حياتها في أن تصبح "والدة الإله"، أو حتى أن تهيّئ نفسها أو تحاول طلب اللياقة لنفسها لهذا الأمر. فقد أتتها البشارة على غفلة تامة كما يروي لوقا ذلك (لو1: 29). أما الاستئهال  فيكون على  استعداد للجزاء بل هو يتقصّده ويتوقّعه.

 

ليس في كلمات الترتيلة الفصحيّة "إفرحي يا ملكة السماء لأنك استأهلتِ أن تحملي.." Regina coeli laetare ، أو كلمات الترتيلة الأخرى "لقد كنتِ جديرة لأن تضعي مولودك"، أيّ تناقض لما سلف من القول. لأن هذه الكلمات ذاتها يُترنّم بها أيضاً في مدح الصليب المقدّس، الذي لم يكن سوى خشب عاجز عن أي استحقاق. لذلك ينبغي فهم كلام هذه التراتيل كالتالي: "كي تصبح والدة الإله يجب أن تكون امرأة، وعذراء، ومن سبط يهوذا، وعليها أن تؤمن ببشارة الملاك، حتى تصير ذات أهليّة، كما سبق وذكرته نبوّات الكتاب المقدس. (ربما قصد لوتر اشعياء 7: 14 أو حزقيال 44: 2، وهما المرجعان اللذان اتخذهما آباء الكنيسة ولاهوتيو القرون الوسطى حجّة على بتوليتها الدائمة. ملاحظة المترجم). وكما أن الخشب لم تكن له أية قيمة أو جدارة سوى ملاءمته لصنع صليب، وقدّر الله له هذا الغرض، كذلك يرجع استحقاقها أن تصبح والدة الإله إلى ملاءمتها ذلك القصد وتعيينها له، فلا يعدو الأمر مجرّد نعمة فهو ليس جزاءً، لذلك ننقص نعمة الله وكرامته إذا كنا ننسب إليها الأمور البالغة العظمة. إنه خير لنا أن ننتقص الكثير منها من أن ننتقص نعمة الله، وإن كنا على أي حال لا نقدر أن ننكرها حقّها أكثر مما ينبغي لأنها خُلقت من  العدم كباقي المخلوقات، ولكن يسهل علينا جحد الكثير من نعمة الله وهذا الأمر فيه المخاطر، وهي نفسها لا ترغب فيه. وبات من الضروري أن نغالي في تسميتها "ملكة السماء" وإن كانت هذه التسمية صحيحة كل الصحة، ولكن لا ينبغي لنا أن نتجاوز الحدّ فنجعل منها آلهة يلجأون ويبتهلون إليها بدل أن يدعوا الله ويلجأوا إليه. إنها في الحقيقة لا تعطي شيئاً، بل الله وحده هو المعطي، كما نراه في كلماتها التالية:

 

"لأن القدير": ليس هناك إشكال في أنها أزالت بهاتين الكلمتين كل قدرة وقوّة عن كل الخلائق وأعطتهما لله وحده. أيّة جرأة وأيّ تطاول يصدران من هذه الفتاة الصغيرة السّنّ والرقيقة القلب! لقد تجاسرت بعبارة واحدة أن تجعل جميع الأقوياء ضعفاء، وجميع ذوي الشأن عواجز، وجميع الحكماء جهّالاً، وجميع الشهيرين محتقرين، وتعطي لله من دون سواه كل قوّة ومقدرة وحكمة ومجد، فإن كلمة "القدير" تعني هذا: أنه ليس هناك أحد يفعل شيئاً بل كما يقول القديس بولس في (أف1: 11و23): "الله الذي يعمل كل شيء وفي كل شيء"، وان أعمال الخلائق جميعها أعمال الله. وكما نقرّ أيضاً في قانون الإيمان: "أنا أومن بالله الآب القادر على كل شيء". أجل، إنه لقادر على كل شيء لأن قدرته وحدها هي العاملة في الكل وبالكل وفوق الكل. وعلى مثال ذلك تترنّم القديسة حنّة أم صموئيل (1صمو2: 9): "لا يغلب إنسان بقوته". ويقول القديس بولس (2كو 3: 5): "لا أنّا فينا كفاءة لأن نفكّر فكراً بأنفسنا، بل كفاءتنا من الله". هذا الأقنوم من أقانيم إقرار الإيمان بالغ الأهمية ويتضمّن الكثير، إنه يحطّ حطّاً كل كبرياء وتعظّم وتجديف وشهرة واعتماد باطل، ويعلو بالله وحده إلى الذروة، ويدلّ على سبب إعلاء الله وحده، إذ هو يعمل كل الأشياء. إن هذا الأمر سهل القول ولكنه عسير الإيمان والترجمة بالحياة، لأن الذين يمارسونه في حياتهم مسالمون جداً وهم ذوو السكينة وبساطة القلب، ولا يدّعون بحق أي شيء بل يوقنون أن ذلك الحق لله وليس لهم.

 

معنى كلمات والدة الإله هذه إذاً "أن ليس شيء من هذه الأشياء القيّمة ذات الشأن خاصاً بي، إنما الصانع الكل وذو القوة العاملة في كل الأشياء هو وحده قد صنع بي هذه العظائم". لأن كلمة "القدير" لا تعني هنا القوة الراكدة، كأن يقال عن ملك أرضي أنه صاحب قوة شديدة حتى وإن كان جالساً لا يعمل شيئاً، لكنها تعني قوة ناشطة وعملاً مستمراً، فإن الله لا يستريح بل يعمل بلا انقطاع كما يقول المسيح (يو5: 17): "إن أبي حتى الآن يعمل وأنا أيضاً أعمل". ويقول القديس بولس بالمعنى ذاته (أف3: 20): "هو القادر أن يفعل فوق كل شيء أكثر جداً مما نطلب"، أي إنه يعمل بحيث يفوق ما نسأله، فهذه طريقته وعلى هذا المنوال تعمل قدرته. لذلك قلتُ أن مريم لا ترغب في أن تكون صنماً يُعبد، لأنها لا تعمل شيئاً بل الله يعمل كل شيء. وينبغي لنا مناشدتها في أن يمنّ الله علينا بأن يعمل ما نطلبه كرامة لها. وعلى مثال ذلك يجب الاستعانة بجميع القديسين حتى يكون العمل على جميع الأوجه ودائماً هو عمل الله وحده.

 

ولذلك تضيف قائلة: "واسمه قدوس". وعنت بما قالته أنه :"كما أنا لا أدّعي العمل هكذا لا أدّعي الاسم والسمعة، لأن الذي يعمل العمل هو وحده حُقّ بالاسم والسمعة، إذ لا يليق بأن ينسب ذلك العمل إلى آخر ليصيب من الاسم والشهرة. إني لست إلاّ المعمل الذي يؤدّي فيه الله عمله، ولا يد لي على ذلك العمل، ولذلك يجب أن لا يمدحني أحد أو ينسبني إلى المجد لأنني أصبحت والدة الإله، إنما يجب تقديم الحمد والمجد بما يتعلّق بي لله وعمله فحسب. كفاني بأن الناس يغبطونني ويدعونني مباركة لأن الله اتخذني عتاداً لصنائعه التي صنعها بي". لاحظ أنها تتقصص أثر الأمور بكاملها إلى الله ولا تدّعي أنها حقّ بأي عمل أو شرف أو صيت حسن. لكنها تستمر في سلوكها على ذات الطريقة التي كانت قبل أن تحصل على أي شيء من هذا كله، ولا تطلب شرفاً أعلى من ذي قبل، ولا تنتفخ ولا تتباهى ولا تذيع بصوت عالٍ أنها أصبحت والدة الإله. إنها لا تسعى للعزّ والفخر بل تزاول أعمالها المنزلية كالمعتاد، تحلب البقر، وتطبخ وتغسل الصحاف وتكنس، وتؤدّي الأعمال المتواضعة المحتقرة كأيّة خادمة أو ربّة بيت. وكأنها لا تبالي أبداً بمثل هذه العطايا والنعم العظيمة. كما أن النساء الأخريات والجيران أيضاً لم يولوها اعتباراً أعلى من ذي قبل ولم تكن هي لترغب في ذلك، بل بقيت إحدى مواطنات البلدة الفقيرات في المجتمع الكبير. آه، أيّ قلب هذا القلب البسيط النقي، وأيّة نفس هذه النفس العجيبة. كم من الأمور العظيمة تحجبها هذه الهيئة الوضيعة! كم من الناس كانوا يلمسونها ويتكلمون ويأكلون ويشربون معها، وربما كانوا يحتقرونها ويعدّونها إحدى الفتيات العاديات الفقيرات البسيطات، وإنهم لو عرفوا لهربوا منها فزعاً!

 

هذا إذاً معنى "أن ندعو اسمه قدوس". لأن كلمة "قدوس" تعنى "المميّز" و"المكرّس لله، فلا ينبغي لأحد أن يمسّه أو يدنّسه بل يصونه كريماً. وكلمة "الاسم" تعني حسن السمعة والصيت والثناء والشرف. لذلك يجب على كل واحد أن يترك اسم الله وشأنه ولا يمسّه بضرر ولا يحتازه لنفسه. وإن ما نقرأه في سفر الخروج (30: 25-32) هو بمثابة رمز إلى ذلك، إذ صنع موسى دهناً مقدساً للمسحة كما أوصاه الرب ومنعه بشدّة أن يدهن به بدن إنسان، أي أن لا ينسب أحد اسم الله إلى نفسه، فإننا ندنّس اسمه إذا تمدّحنا إلى الناس وطلبنا تشريفهم إيانا، وإذا أعجبنا بأنفسنا وتفاخرنا بمفاخر أعمالنا وأملاكنا، كما يفعل العالم الذي يدنّس اسمه تعالى ويسيء إليه باستمرار. وبما أن الأعمال هي أعمال الله، فإن الاسم أيضاً له وحده. وإن جميع الذين يقدّسون اسمه على هذا النحو ويزهدون في كل شرف وشهرة يقدّسون اسمه بحق ويتقدسون أيضاً به، كما نقرأ في (خروج 30: 29): بأن دهن المسحة النفيس كان غاية في القداسة حتى أن كل ما مسّه يكون مقدساً. كذلك إذا كنا نريد نحن أن نقدّس اسم الله فلا ندّعي بإنجاز عمل من الأعمال او بالصيت الحسن ولا نُعجب بأنفسنا، وهكذا  نقدس اسمه حق التقديس وبالتالي هو يمسّنا ويقدّسنا.

 

لذا يجب أن نكون متيقّظين، لأنه لا غنى لنا عن عطايا الله الجيّدة في حياتنا الأرضية ولا بدّ إذاً من أن يكون لنا شرف واسم حسن. فعندما يثني علينا الناس ويكرّموننا علينا أن نتسلّح بهذا العدد دائماً وأن نقتدي بوالدة الإله في أن نحسن الجواب ونسلك الطريق الصحيح في استعمال الثناء والتكريم، وذلك بأن نصرّح علانية أو على  الأقل نفكّر بالقلب: "أيها الرب الإله، إن العمل الذي يُثنى عليه ويُحتفى به هو عملك، ليكن التكريم أيضاً تكريم اسمك. لست أنا الذي صنعته بل أنت المقتدر على كل الأشياء، وقدوس هو اسمك".لا ينبغي لنا أن نرفض هذا المدح والتكريم كأنهما من المسائل التي يغلط فيها، ولا أن نحتقرهما كأنهما لا شيء، بل أن نأبى أن نُقبل عليهما ونلزمهما وعلينا أن ننسبهما إلى ذلك الذي في السماء إذ يخصّانه دون غيره، ولأن كونهما في مبلغ النفاسة والبهاء. هذا أحد الدروس التي يتناولها هذا العدد القيّم. إنه أيضاً يعطينا الجواب على السؤال الذي قد يسأله بعضهم وهو: "هل من غير الجائز أن يكرم أحد الآخر؟" بلى، يقول القديس بولس (رو12: 10): "ليبادر بعضكم بعضاً بالإكرام (مقدمين بعضكم بعضاً في الكرامة)". ولكن يجب أن لا يقبل أحد التكريم كأنه شرف أوليه، ولا أن يتحفّظ به، بل أن يقدّسه ويردّه إلى صاحبه وهو الله، مؤاتياً إياه كل عمل صالح وكل ما يُعتزّ ويُتشرّف به. لأنه لا ينبغي لأحد أن يحيا حياة سوء خلق خالية من الشرف، فإذا أراد حياة كريمة فلا بد من أن يكون ذا كرامة وشرف. وبما أن الحياة الكريمة هي هبة من هبات الله وعمل من أعماله، كذلك الاسم الحسن يجب أن يكون له وحده لا يلوّثه العجب بالنفس. هذه هي طلبتنا في الصلاة الربانية: "ليتقدّس اسمك".

 

ورحمته إلى أجيال وأجيال للذين يتقونه

 

يجب أن نعتاد ما تدلّ عليه كلمة "جيل" في الكتاب المقدس. وكما ذكرنا آنفاً تعني الأعقاب بالولادة

الطبيعية وتناسل الناس بعضهم من بعض، لذلك لم تكن الكلمة التي نقلتها إلى الألمانية Geschlechter لتفي المعنى حقّه التام، لأنني لا أعرف كلمة أفضل منها. لأن هذه الكلمة الألمانية يقصد بها ذوو العشيرة الواحدة وصلة القرب في الرحم. ولكن المقصود بالكلمة هنا التعاقب أي الولد وولد الولد، ويطلق على أهل الزمان الواحد. ورأيي أن الترجمة التالية ليست غلطاً وهي: "ورحمته تدوم إلى ولد الولد للذين يتقونه". إن الكتاب المقدس يكثر استعمال هذه العبارة ومنشؤها كلام الله الذي وجّهه إلى موسى وكل الشعب إذ يقول في الوصية الأولى (خروج 20: 5و6): "أنا الرب إلهك، إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحساناً (رحمة) إلى ألوف الأجيال من محبيّ وحافظي وصاياي".

 

بعد أن بلغت مريم نهاية التغنّي بنفسها وبما حباها الله من العطايا الجيّدة، وبعد أن أحسنت الثناء عليه، تأخذ الآن تعدّد أعمال الله لبني البشر عامة وتحمده عليها أيضاً، معلّمةً إيانا أن نفهم عمل الله وأسلوبه وطبيعته وإرادته الفهم الصحيح. لقد حاول عديد من الفلاسفة وأصحاب الفطنة جادّين في أن يتبيّنوا كنه الله وطبيعته، وكتبوا عنه الكثير، فنهج الواحد منهم هذه الطريق والآخر تلك، ولكن جميعهم عميت قلوبهم وضلّت بصائرهم. إنه لحق اليقين أن ليس هناك أمر في السماء وعلى الأرض أعظم من معرفة الله المعرفة الحقّة، هذا إذا أتيحت هذه المعرفة لأحد من الناس. وها والدة الإله تعلّم هذا الأمر بعينه كل من يريد الإصغاء إليها بأسلوبها الرائع، تماماً كما سبقت وعلّمتنا إياه آنفاً لنعتبر بها وبخبرتها. فهل هناك سبيل إلى معرفة الله أفضل من أعماله الخاصة به؟ لأن الذي يعلم أعماله ويفهمها جيّداً لا يخيب سعيه بل يظفر بمعرفة طبيعته ومشيئته وقلبه وقصده، لذلك كان إدراك أعماله فنّاً ومهارة. وكي نتعلّم ذلك تعدد مريم في الأعداد الأربعة التالية ستة أعمال من أعمال الله يعملها لستّ فئات من الناس. وهي تقسم العالم كلّه إلى قسمين وتخصص لكل منهما ثلاثة أعمال وثلاث فئات من الناس حتى  يقابل كلّ جانب نظيره على الجانب الآخر. وتبيّن ما يقوم به الله من الأعمال على كل جانب من الجانبين وتصوّره تصويراً رائعاً لا تفوقه روعة.

 

إن هذا التقسيم حسن الصيغة وصحيح البنية، ويستند إلى عدّة مواضع في الكتاب المقدس، فمثلاً على ذلك: إرميا 9: 23 و24 حيث يقول: "لا يفتخر الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبار بجبروته، ولا يفتخر الغني بغناه. بل بهذا فليفتخر المفتخر بأنه يفهم ويعرفني أني أنا الرب، المجري الرحمة والقضاء والبرّ  في الأرض. لأني بهذه ارتضيت يقول الرب." إن هذا النص من الكلام لهو نبيل وكريم ويتفق مع أنشودة والدة الإله. فإنه يرينا أن الله يقسم كل ما في العالم أيضاً إلى ثلاثة أقسام هي: الحكمة والقوة والغنى، ويجعلها كلها وضيعة خسيسة بقوله أن لا يفاخر بها أحد، لأن الله ليس فيها وأنه لا يسرّ بها. ولكنه يضع مقابلها ثلاثة أقسام أخرى مخالفة لها وهي الرحمة والقضاء والبرّ، ويقول: "إني أوجد في هذه الثلاثة، نعم وإني بالفعل أعمل هذه الأعمال كلها، وها أنا قريب على قاب قوسين إذ أنا لا أجريها في السماء بل على الأرض حيث الناس يجدونني. وأيّ منهم عرفني بهذه الصورة كان جديراً بأن يفتخر بهذه المعرفة ويتوثّق فيها، لأنه إن لم يكن حكيماً بل مسكيناً بالروح فإن رحمتي تحيطه، وإن كان فاقد القدرة مقهوراً ومغلوباً على أمره، فها حكمي ينصره وينجّيه، وإن لم يكن غنياً، بل فقيراً محتاجاً، فإني أغمره وأجزل عليه العطاء من برّي وعدلي."

 

إنه يجمع في الحكمة كل الأملاك والهبات الروحية التي تمكّن الإنسان من المكانة الشعبية والشهرة والصيت الحسن، مما يدلّ على ذلك العدد التالي، فمنها العقل والمنطق والذكاء والمعرفة والتقوى والفضيلة والحياة النقيّة، وباختصار كل ما تحويه النفس مما يسمّيه الناس ربّانياً وروحياً، لكن أيّاً من هذه الصفات ليست الله مهما كانت منزلتها عظيمة ورفيعة. وأما القدرة فيضمّنها كل سلطة وكل الأشراف والأقارب وكرم المنصب والشرف، إن كانت تتعلّق بالأمور الزمنية أو الروحية أو بالشعب، (مع أن الكتاب المقدس ليس فيه حكومة وسلطة روحية بل خدام ورعايا فقط)، ومع كل ما يتبعها من حقوق وحرّيّات وامتيازات. وأما الغنى فيشمل الصحة والجمال والفرح والقوة وكل ما يتمتّع به الجسد من خير ظاهر. ومقابل هذه الثلاثة أمور هناك ثلاثة أخر: المساكين بالروح، والمضطهدون والذين حرموا ضروريات الحياة. لنتأمّل الستة أعمال هذه، الواحد تلو الآخر.

 

 

عمل الله الأول:  الرحمة

 

يقول هذا العدد عن الرحمة: "ورحمته إلى جيل  الأجيال للذين يتقونه". إنها تبدأ قبل كل شيء بأسمى الأمور وأعظمها، أي بالخصال الروحية النفسية، التي ينشأ منها أكثر الناس غروراً وكبرياءً ومعاندةً على وجه الأرض. فإنه ليس بين الأغنياء والأشدّاء مستجرئ ومتكبر أكثر من ذلك المتكلّف الفصاحة الذي يشعر ويظن أن الحق إلى جانبه وأنه شديد الإدراك وملمّ بجميع جوانب الأمور، وأنه أحكم من الناس الآخرين. ولا سيّما إذا كان حاله يقتضي التراجع والاعتراف بالخطأ، فيضطرب وقاحة ويصير مجرّداً من مخافة الله إلى أقصى الحدود، حتى إنه يتطاول ويتجاسر على الافتخار بأنه معتصم من الخطأ وأن الله إلى جانبه وأن الشيطان إلى جانب الآخرين، وتحمله جراءته الوقحة على الاستشهاد بحكم الله. ولو أوتي هذا الرجل السلطة الكافية، لكان يركب هواه ويسارع إلى كل من يخاصمه فيضطهده ويحكم عليه ويفتري عليه الكذب ويفتك به ويبعده ويدمّره، ولكان يقول فيما بعد أنه فعل كل ذلك لتمجيد الله وإكراماً له . وإن لديه الثقة من نفسه والتأكيد من ثواب الله وتقديره حتى ان ملائكة السماء لا تماثله بهذه الثقة وهذا التأكيد. إنه فقاعة كبيرة وأية فقاعة!‍ كم من مرّة يتعرّض الكتاب المقدّس لمثل هؤلاء ويتهددهم أشدّ تهديد، لكنهم لا يشعرون به، هم كالسندان لا يشعر بمطرقة الحداد. إن هذا الشر عظيم ومنتشر بين الناس. 

 

يقول  المسيح عن هؤلاء (يو16: 2): "ستأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم ويطردكم أنه يقدّم خدمة لله". وعن الجماعة ذاتها يقول المزمور (10: 5و6): "يستخفّ بجميع اضداده ويقول في قلبه إني لا أتزعزع". كأنه عنى بما قاله إني صاحب الحق وما أفعله هو الصواب وسيجزيني الله خير جزاء. وكان شعب مؤآب كهذه الجماعة من الناس، وهو الذي كتب عنه النبي اشعياء (16: 6) وكذلك كتب عنه النبي إرميا بنفس المعنى (ار 48: 29 و 30): "قد سمعنا بكبرياء مؤآب. هو متكبّر جداً. بعظمته وكبريائه وصلفه وبكل افتخاره". وهكذا نرى أن هذه الطائفة من الناس في بغيها وغطرستها تودّ أن تفعل أكثر مما تقدر عليه. ومثلها مثل الشعب اليهودي في معاملته المسيح والرسل، ومثل أصدقاء القديس أيوب الذين كانوا يحاجّونه بحكمة مدهشة ويأتون بأبلغ عبارات حمد الله والوعظ. هؤلاء الناس لا ينصتون لك ولا يستمعون إلى أي حديث، فمن المستحيل أن يكونوا على خطأ أو أن يتراجعوا ويذعنوا بالحق، بل ينحون منحاهم الخاص ولو خرب العالم كله. ليس في وسع الكتاب المقدس أن يجد كلمات الذمّ الكافية التي يستاهلها هذا القوم، فتارة يسمّيهم الأفعى الصمّاء التي تسدّ أذنها فلا تسمع، وتارة الثور الوحشي الذي لا يُراض، وتارة أخرى الأسد الهائج، والصخر الصلب، والتنين الخ (مز58: 4و5،  مز22: 21،  مز7: 2، إر5 : 3، مز 74: 13). لكن ليس بين صورهم الشّتى أفضل من تلك التي جعلها لهم سفر أيوب (40: 15 و41: 1) (الترجمة اليسوعية 40: 10 و20) حيث يدعوهم بهيموت، أي قطيعاً من حيوان البرّ. (بالعربية بهائم والمفرد بهيمة).أي شعب من وحش الناس وقلبهم حيواني، ويتكرّهون الانقياد بروح الله. ويصف الله هذا الحيوان في هاذين الأصحاحين أنّ "عينيه كأجفان الفجر" (41: 18) (اليسوعية 41: 9)، لأنهما حذران منتهى الحذر، "وجلده قاسٍ جداً فإنه يضحك على السهم والحربة" (41: 26 – 28 واليسوعية 18 – 20)، أي عندما يجيئهم الوعظ يهزأون به، لأن حقهم لا نزاع فيه، وأيضاً "حراشفه كل منها ملتصقة بالأخرى فلا تسلك بينها الريح"، (41: 16و17 اليسوعية 6 –8)، أي يتضامّون بعضهم إلى بعض فلا يقدر روح الله أن يدخل بينهم، وعن قلبه يقول الرب أنه "صلب كالرحى السفلى أو سندان الحدادين" (41: 24 اليسوعية 15)، إنه جسم الشيطان. لذلك ينسب هذه الأمور عينها إلى الشيطان في هذه النبذة من الكتاب. هناك مثيل هؤلاء في وقتنا الحاضر  الذين كانوا لمدة طويلة خلت ولا يزالون يأتون كل هذه الأفعال وشرّاً منها، فلا إصغاء ولا مساهلة، ولا نفع من كلام أو نصح أو توسّل أو تهديد، بل كل ما هناك "الحق بيدنا، وهذا نهاية الأمر، على رغم كل الآخرين ولو كانوا العالم أجمع".

 

ربّ قائل يقول: "كيف يمكن أن يكون هذا؟ ألا نستلزم الدفاع عن الحق والصواب؟ هل ينبغي أن يفلت الحق منا؟ ألسنا مأمورين بأن نموت في سبيل الحق والصواب؟ ألم يكابد الشهداء الأبرار الآلام في سبيل الإنجيل؟ والمسيح نفسه، ألم يرغب هو في أن يتّضح الحق؟ وبالفعل يكون هؤلاء الناس على حق أحياناً أمام الناس الآخرين (كما أنهم أيضاً يهذرون في كلامهم أمام الله)، وان تصرفهم يكون بحكمة واستقامة". وجوابي هو: لقد حان لنا بل يتحتّم علينا أن نتيقّظ وأن تنفتح عيوننا، لأن صميم المعضلة كامن هنا، ويتوقّف الأمر كله على فهم المرء فهماً صحيحاً ذلك الحق الذي يدّعي به. ولا شك أيضاً في أنه يتوجّب علينا أن نتحمل كل شيء في سبيل  الحق والصواب، وأن لا نجحدهما مهما كانا زهيدين. وقد يكون الحق بيد هؤلاء الناس في بعض الأحيان، لكنهم يفسدون كل شيء لأنهم لا يطالبون حقّهم بالعدل وعلى الوجه الصحيح، فلا يتّقون الله أو يضعون مخافته أمام عيونهم، بل يعدّون وجود الحق كافياً ويرغبون في أن يستوثقوا منه ويتشددون ويبالغون في التحفّظ عليه بقوّتهم، وهكذا يجعلون حقّهم باطلاً وإن كان حقاً بذاته. والخطر الذي يفوق ذلك جداً عندما يظنون أنهم على حق ولكنهم غير واثقين من ذلك، كما هي الحال فيما يتعلق بالأمور الأكثر أهمية الخاصة بالله وحقّه. وإنما نودّ قبل كل شيء أن نتناول الحقوق البشرية السهلة الفهم، ونعطي مثلاً ملموساً واضحاً للجميع.

 

أليس صحيحاً أن المال والملك والسمعة الحسنة والزوجة والأولاد والأقارب أيضاً من الأمور الصالحة وأن الله قد أعطاها هو بنفسه؟ بما أنها عطايا الله وليست خاصتك من أصلها، فإذا أراد أن يمتحنك ليعرف إذا كنت على استعداد للاستغناء عنها إكراماً له، وأن تتمسّك به وحده وان لا تتمسّك بعطاياه هذه، وافرض أنه يرسل إليك بعدوّ يفقدك إياها كلها أو بعضها، أو انك تخسرها بالموت أو بعارض سوء آخر، فهل كنت إذاً تحسب أنك بحق تحتدم وتغضب حتى تستردّها، أو تحرد إلى أن تعاد إليك؟ وإن كنت لتزعم أنها من الخيرات والمخلوقات من صنع يدي الله نفسه، وبما أن الكتاب المقدس كله يدعو هذه الأشياء جيدة فإنك لذلك عازم على أن تعمل بموجب كلمة الله وتدافع عما هو صالح أو تستردّه وأن تضحّي في سبيل ذلك حتى بالنفس والنفيس، وانك لا تطيق أبداً  أن تخسرها عن رضىً أو تتخلّى عنها صابراً . ألا يكون زعمك هذا رياءً وتظاهراً باطلاً؟ أمّا أنت فإذا اردت أن تتصرّف بالصواب فلا تركب رأسك بل عليك أن تخاف الله وتقول: "أللهم الرب الودود، إن هذه الأشياء التي هي حقاً جيدة وهي هباتك بحسب كلمتك وكتابك، فإنني مع ذلك لا أعرف إذا كنت تجيز لي الاحتفاظ بها. ولو عرفت أن حيازتها لا تسوغ لي فإني لا أحرّك ساكناً لاستردادها. وأما لو عرفت أنك تؤثر بقاءها في حوزتي لا في حوزة الآخرين، فإني كنت أمتثل مشيئتك مخاطراً بما لي وبنفسي في سبيل استرجاعها. وبما إني  أجهل أيّ هذين الأمرين هو الصواب، وأرى أنك تسمح بأخذها مني في الوقت الحاضر، فإني أستودعك الأمر، وها إني منتظر ما ينبغي لي أن أفعله، وإني مستعدّ للحصول عليها أو الاستغناء عنها".

 

أنظر! إن هذه النفس هي في الحقيقة نفس مستقيمة وخائفة الله. إننا هنا نجد الرحمة التي تترنم بها والدة الإله. ومن ثم ندرك لماذا كان ابراهيم وداود والشعب الإسرائيلي في الأزمنة الماضية يحاربون ويقتلون الكثيرين. فقد أقدموا على ذلك حسب مشيئة الله وكانوا يقاتلون والخوف مستولٍ عليهم لا في سبيل متاع الدنيا بل تلبية لأمر الله. كما يروي التاريخ هذه الحوادث وعادةً  يذكر أمر الله في مقدمتها. ولاحظ أن ليس هناك إنكار الحقيقة القائلة أن الأشياء هي صالحة وأن الله أوجدها، ولكن الحقيقة هذه أيضاً تقول وتعلّم أنه عليك أن تتخلّى عن هذه الصالحات وأن تكون على استعداد لتستغني عنها في أي وقت إذا شاء الله ذلك، وأن تتمسك به وحده. أما قول الحقيقة أن الأشياء صالحة، فلا يلزمك بأن تستردّها ولا يلزمك أيضاً بأن تقول عنها غير صالحة، لكنه يلزمك بأن تقف تجاهها موقف التسامح وسهل الخلق وأن تعترف بأنها صالحة وليست سيّئة.

 

وعلى مثال ذلك يجب أن نتصرّف في الأمور المتعلّقة بالحق والمواهب المتعددة مما يقرّه المنطق والحكمة.

فالحق الذي أوجبه العدل من الأمور الجيدة وهبة من هبات الله مما يلزم المرء الدفاع عنه، وهل يشكّ أحد في ذلك؟ فإن كلمة الله نفسها تبيّن ذلك ولا يتسنّى لأحد من الناس أن يسلّم بأن قضيته الصالحة العادلة هي قضية ظلم وأن لا حق له فيها، بل الأحرى بأن يكون الموت أفضل إليه في سبيلها وبأن يتخلّى عن كل ما هو ليس لله. أما خلاف ذلك فيعني إنكار الله وكلمته، لأنه هو الذي قال بأن الحق صالح وليس باطلاً. ولكن إذا اختطف منك هذا الحق أو إنك صُرفتَ عنه قهراً، فهل تضج وتهيج وتحتدم غيظاً وتقتل العالم كله بطشاً؟ فهناك البعض يفعلون هذا، ويصل صياحهم السماء، ويرتكبون كل أنواع الإثم ويجلبون الخراب على الأرض والناس، ويملأون العالم حرباً وسفك الدماء. فكيف تعرف إذا كان الله يشاء أو لا يشاء أن تحتفظ بمثل هذه الهبة وهذا الحق؟ إنهما خاصته وهو قادر أن ينزعهما منك اليوم أو غداً، ظاهراً أو باطناً بوساطة عدوّ أو صديق، حسبما يشاء. إنما يمتحنك ليعلم إن كنت تنزل عن حقك إكراماً له، وتتحمّل اللوم والظلم والعار من أجله، وتتمسّك به وحده. فإذا كنت تخاف الله وتفكّر في نفسك: "أيها الرب، إنه خاصتك أنت، وإني لا أريد أن أتحفّظ به إلاّ إذا كنت تسمح لي به، فليفنَ كل شيء ويذهب في طريقه. إنما إبقَ أنت وحدك إلهي"، فعندئذِ يتمّ ما جاء في هذا العدد: "إن رحمته للذين يتقونه"، وهم الذين يأبون أن يفعلوا شيئاً يخالف إرادته، وعندئذٍ تُراعى كلمة الله بشقّيها، الأول انك تعترف قاطعاً بأن الحق وبأن منطقك ومعرفتك وحكمتك وجميع أفكارك صائبة وحسنة بحسب تعليم كلمة الله ذاتها، والشق  الثاني هو أنك على استعداد لأن تستغني عن هذه الصالحات كرامة لله، فيُسلب مالك قهراً وتكون مزدراً ومخذولاً من الناس أمام العالم، ولكن ذلك أيضاً بحسب تعليم كلمة الله.

 

إن الإقرار بصحة أحد الأمور وعدالته شيء، وإحرازه شيء آخر. إنه ليكفيك الاعتراف بعدالة قضيتك وحقك بها، فإذا لم تستطع الإحراز فلتستودع الله القضية. لأن الإقرار قد عهد إليك. أما الإحراز فقد احتفط به الله لنفسه. وإذا شاء أن تحصل أنت عليه أيضاً، فإنه يعطيك إياه بنفسه، أو يحضره أمامك دون أن يكون لك فكر في ذلك، ولا يكفّك شيء عنه وعن فوزك به، الأمر الذي يفوق جداً كل ما تسأله أو تتصوّره (أف3: 20). أما إذا لم يرغب لك في الحصول عليه، فاجعل رحمته كافية لك (2كو 12: 9). فإن فاتك انتصار الحق لن يفوتك الإقرار به. إذاً علينا أن لا نمتنع عن عطايا الله الصالحة بل عن التعلّق بها شراً وبطلاناً. فإن أتيح لنا العمل بها أو إن حُرمناها، فعلينا بسهولة الخُلق واتساعه، وبالتمسّك بحبل الله وحده مهما يكن الأمر.

 

لا بدّ من أن يدرك هذا الأمر جميع الأمراء والحكام، الذين لا يكتفون بإقرار الحق بل يريدون أن يبلغوا إليه وأن ينتصروا من فوره غير مبالين مخافة الله. إنهم يعيثون في الأرض فساداً ويملأون العالم شقاء وسفك الدماء، معتقدين أن أفعالهم هذه حق وصواب، وأن الحق بجانبهم، أو إنهم يظنون ذلك. وما شأنهم إلاّ شأن مؤآب المتكبّر والمتعجرف الذي يدّعي الحق وأنه جدير بهذه الهبة الإلهية السامية، ولو رأى نفسه على ما هي عليه في نظر الله لما كان أهلاً ليعيش على وجه الأرض، أو أن يأكل ولو قشرة الخبز بسبب خطاياه. يا للعمى! ما أعمى هذا القلب! هل يوجد أحد ممن يستحق حتى أصغر مخلوقات الله؟ بيد أننا نبتغي لا الحصول على أعظم مخلوقاته فحسب، وهي الحق والحكمة والشرف، بل التحفّظ بها أو استرجاعها بالاضطرام وسفك الدماء وكل مجلبة الويلات. ونذهب بعد ذلك نصلّي ونصوم ونسمع القداس ونؤسس الكنائس وقفاً لله، وقلوبنا ملطّخة بالدماء ومشتعلة غيظاً ومشحونة غضباً وعربدة. فعجباً من ان الحجارة لا تتفجّر بعضها عن بعض في وجوهنا!

 

وبالمناسبة، قد يسأل أحدهم إذا كان الحاكم لا يدافع عن أرضه ورعاياه، ولا يحميهم من الظلم ولا يضطرب له، بل يجعل كل شيء يذهب نهباً، فما المصير الذي ينتهي إليه العالم ياترى؟ ورأيي في الموضوع هو هذا وسأقوله بإيجاز: على السلطة الدنيوية أن تلتزم حماية رعاياها كما قلت ذلك مراراً فإنها لا تتقلّد السيف عبثاً، بل تجعل الذين لا يبالون بهذه التعاليم الإلهية يخافون فلا يزعجون الآخرين. وإنها تقوم بهذا العمل لا لمنفعتها الخاصة بل لمنفعة القريب ولمجد الله. وقد كانت السلطة لترضى وبطيبة بأن تحجم عن ذلك وتترك السيف ويعلوه الصدأ لو لم يكن الله قد أمر به ردعاً للأشرار. بيد أن دفاعها عن رعاياها يجب أن لا يصاحبه أذىً أشرّ من الذنب، (كمن يكسر القدر كله لأجل أن يغرف ملعقة واحدة، أو يقتل الفراخ ليحيي البيض، أي يحتفظ بالصغير ليضيع الكبير). وإذا كان الدفاع عن شخص واحد يعرّض مدينة بأكملها للخطر، فإن هذا الدفاع باطل، كذلك إذا كان يجازف بالبلاد كلها من أجل قرية واحدة أو قلعة واحدة، إلاّ إذا أمر الله أمراً خاصً بذلك كتلك التوصيات التي كان يوعز بها في الزمان الماضي. فلو اغتصب أحد الفرسان اللصوص مُلك مواطن من مواطنيك، وحملت أنت يا سيدي عليه بجيشك لتعاقبه على ذنبه، وبفعلك هذا حوّلت الأرض كلها خراباً يباباً، فأيّ الاثنين جلب الضرر الأكبر، أألفارس اللص أم الأمير؟ كان داود يتغاضى عن أمور كثيرة إذا كان لم يستطع إنزال العقاب دون أن يصيب الآخرين بالأذى. فعلى جميع الحكام أن يقتدوا ويتشبّهوا به، وكذلك على المواطن أيضاً أن يتحمّل بعض الألم من أجل المجتمع فلا يطالب بجلب الأذى الأكبر على كل الناس من أجل نفسه. كذلك لم يشأ المسيح أن يُجمع الزّوان لئلاّ تقلع الحنطة معه (متى 13: 29). ولو أخذ الناس في القتال عندما يتعرّضون لأيّة استثارة، ولولم يتغاضوا عن أيّة إساءة، لما استتبّ سلام وما كان هناك سوى الدمار. لذلك ليس الحق أو الضيم أبداً سبباً كافياً للعقاب وإثارة الحرب بلا تمييز. أما العقاب ضمن المحدود ودون إلحاق الدمار بالآخرين فإنه فعل سائغ. والأولى بالحاكم أو الحكومة بأن تتوخّى دائماً مصلحة الرعايا عامة، بدلاً من مراعاة الفرد الواحد. فإنه لن يصبح رب البيت من  الأغنياء أبداً إذا كان يقذف بوزّته ذاك الذي نتف ريشة واحدة من ريشها. وليس الآن هو وقت الخوض في الحديث عن الحروب.

 

وعلى مثال ذلك علينا أن نتصرّف في الأمور الإلهية كالإيمان والإنجيل وهما أعظم كل ذي قيمة، ولا يحق لأحد أن يتخلّى عنهما. ويجب علينا التريّث في ما قد نكسب بهما من حق ورضى واستحسان ونفوّض هذا الأمر إلى الله، فلا مهمّة لنا بالمكسب بل بالاعتراف. ولنتحمّل عن رضى إذا عيّرنا الناس أمام الخلق كله، واضطهدونا أو نفونا أو أحرقونا أو ألحقوا بنا غير ذلك من أصناف القتل، حاسبين إيانا ظالمين ومضلّين وكافرين ومرتدّين عن الدين ومجدّفين وما أشبه. لأن رحمة الله تحلّ علينا في تلك الساعة. إنهم لا يستطيعون أن ينزعوا منّا الإيمان والحق، ولو اعدمونا حياتنا، مع أنّه ليس هناك العديدون ممن يبذلون الجهد ويأتون بالمعجزات في سبيل الفوز بالنصر في هذه القضايا كما يفعل الناس في سبيل الأمور ذات القيمة الزمنية وحقوقها، لأن القليلين هم الذين يعترفون اعتراف الحق والمبدأ. وجدير بالمرء بأن يحزن ويرثي لحال الآخرين الذين يعيقهم هزم حق الإنجيل عن خلاص نفوسهم، وأن يتألّم ويرثي (أمام أعين الله طبعاً) لمصاب النفوس هذا أكثر جداً من المؤآبيين الذين كانوا يجدّون ويهتمون في سبيل ممتلكاتهم وحقوقهم الزمنية، كما سبق وذكر فوق. فمما يؤسف عليه أن كلمة الله لا تفوز بالنصر، لكننا لا نأسف ونتحسّر لأجل المعترف بالكلمة بل لأجل الذين كان بالودّ لو حصلوا بها على الخلاص وثبات الإيمان. من أجل ذلك نرى الأنبياء والمسيح والرسل ينتابهم الحزن الشديد ويتوجّعون لقمع كلمة الله ومنع انتشارها، مع أنهم كانوا على استعداد ليتحمّلوا بفرح كل ما يصيبهم من إساءة وظلم. لأن الداعية للفوز بالنصر هنا تختلف اختلافاً كلياً عن دواعي الفوز بالأمور القيّمة الأخرى. ولكن ليحجم كل واحد عن استخدام القوة بالثوران وعدم التعقّل باغياً التحفّظ بحق الإنجيل أو استعادته، بل ليتواضع تحت يد الله حاسباً نفسه غير أهل لإنجاز عظيم وسامٍ كهذا الإنجاز، وليستودع الكل بالدعاء والرثاء إلى رحمة الإله.

 

هذا إذاً أول عمل من أعمال الله، إن رحمته على جميع الذين يقبلون بفرح سلبهم الرأي والحق والحكمة وكل ذي قيمة روحية، ويقنعون طوعاً بأن يكونوا مساكين بالروح. وهم الذين يخافون الله مخافة حقيقية، ويعتبرون أنفسهم غير مؤهّلين لأي شيء مهما كان صغيراً، وهم يفرحون بأنهم عراة ولا يملكون شيئاً أمام الله والناس، ويُعزون ما حصلوا عليه إلى مجرّد نعمته التي أسبغها عليهم هم غير المستحقين ويستعملونه بالاعتراف لجوده وبحمده وشكره، كأن الأمر ليس ملك يمينهم بل ملك الآخرين، وإنهم لا يسعون إلى تحقيق إرادتهم ورغبتهم وتكريمهم هم بل إلى تكريم ذاك الذي له الملك وحده وإلى تحقيق إرادته. وتشير مريم إلى مقدار سرور الله بشمله رحمته التي هي أسمى أعماله، الذي يفوق جداً سروره بقوته التي هي نقيض الرحمة. فها هي تقول أن عمل الرحمة هذا يدوم ولا ينقطع إلى جيل الأجيال، بينما قوته تدوم إلى الجيل الثالث والرابع فقط. بيد أن العدد التالي لا يجعل لهذه القوة حدّاً ولا زمناً.

 

 

 

 


 

عمل الله الثاني: تحطيم الكبرياء الروحية.

 

"صنع قوةً بذراعه، وشتّت المتكبّرين بأفكار قلوبهم"

 

لا يكن لأحد التباس في ترجمتي. فقد نقلت هذا العدد إلى الألمانية سابقاً : أن "يصنع قوة"، أما ترجمتي بها هنا فهي "صنع قوة". (هذه التعليقة من الشرح تشير إلى إحدى ترجمات لوتر الأولى للكتاب المقدس. ملاحظة المترجم). وقصدت بذلك أن نفهم هذه الكلمات خير فهم، فهي غير مرتبطة بزمان واحد بل تبيّن أعمال الله عامة، إذ هو قد عملها دائماً وإنه يعملها وسيعملها دائماً. وبناءً عليه قد تؤدّي الترجمة التالية إلى المعنى نفسه: "إن الله هو رب من شأن أعماله أنه يشتت المستكبرين بقدرته ويشمل خائفيه برحمته".

 

أما ذراع الرب فتعني في الكتاب المقدس قوّته الذاتية يعمل بها بلا واسطة أية خليقة من الخلائق. ويجري هذا العمل على طريقة الهدوء والكتمان فلا يفطن له أحد إلاّ عند تمام قضائه. ولذا لا يمكن إدراك هذه القوة أو هذه الذراع إلاّ بالإيمان. مما جعل اشعياء يشكو قلّة الذين يؤمنون بهذه الذراع فيقول (اش53: 1): "مَن آمن بما سمع منا، ولمن أُعلنت ذراع الرب؟" وسبب كل ذلك (كما يشير إليه في العدد الثاني وما يليه) هو سرّيّة العمل وبدون أية ظاهرة من ظواهر القوة. ونقرأ أيضاً في نبوّة حبقوق (3: 4): "إن له من يده قرنان(شعاع)"، إشارة إلى قوته العظيمة، ولكنه يكمل: "وهناك استتارُ قدرته".

 

معنى هذا كالآتي: عندما يعمل الله بواسطة المخلوقات يظهر بوضوح أين القوة وأين الضعف، ولهذا يقول المثل: "عون الله لمن يعين نفسه، (المثل الألماني "يد الله مع الأقوى"). فمثلاُ على ذلك، إن ربح أحد الأمراء المعركة يتّضح أن الله هزم الآخرين بواسطته. وإن وقع أحدهم فريسة للذئب أو نزلت به إحدى هذه النازلات كان من الجلي أن ما لحق به كان باستخدام إحدى الخلائق. وهكذا يجعل الله خليقة تقوم أو تنحطم بواسطة خليقة أخرى. فمن وقع وقع، ومن قام قام. لكن الأمر يختلف عندما يعمل الله بنفسه وبذراعه الخاصة. عندها يُبنى البناء أو يُهدم قبل أن يدري أحد بذلك أو يراه. بيد أن الله يجري أعماله هذه لقسمي البشر فقط وهما الصالحون والطالحون. إنه يجعل الصالحين عديمي القوة أذلاّء فيظن كل واحد من الناس أن لا رجاء لهم وأنهم يوشكون أن ينتهوا. لكنه حاضر بكل قوته في  هذه الأمور عينها، إنما حضوره يكون خافياً وفي سرّ كاتم فلا يشعر به أحد حتى أولئك الذين تحت الاضطهاد أنفسهم، ولكنهم يؤمنون به فقط. أما قوة الله فإنها حاضرة هنا إلى تمامها وذراع الرب بكمالها. لأنه حيث نهاية قوة الإنسان هناك تبتدئ قوة الله بفعلها، شريطة أن يكون هناك الإيمان المنتظر الله والراجي له. أما عند زوال الاضطهاد فتنجلي الحقيقة وتظهر تلك القوة، وأيّة قوّة هائلة كانت مستترة تحت الضعف. هكذا كان المسيح فاقد القوة على الصليب، لكنه أتمّ هناك أعظم أعماله متنطّقاً غاية القدرة، فانتصر على الخطية والموت والعالم والهاوية والشيطان وكلّ شرّ. وعلى مثاله كان جميع الشهداء، فقد كانوا أقوياء وفازوا بالنصر، وكذلك كانت الغلبة لجميع المتألمين والمظلومين. ومن هنا يقول يوئيل النبي (3: 10): "ليقل الضعيف بطلٌ أنا"، إنما بالإيمان وعدم الشعور بذلك حتى تمام الإنجاز.

 

ويقابل هؤلاء القسم الثاني من البشر، الذين يجعلهم الله يرتفعون كي يتكبّروا ويتجبّروا، وينزع قوّته منهم ويتركهم ينتفخون بقوّتهم الخاصة وحدها. لأنه حيث تبدأ قوة الإنسان هناك تنتهي قوة الله. وعندما تبلغ فقاعتهم اقصى حد الانتفاخ، وعندما يظنهم الجميع غالبين منتصرين، وأيضاً عندما يثقون بأنفسهم ويُعجبون بإنجازهم ونجاح مسعاهم، يخز الله الفقاعة وخزة واحدة، وهكذا ينتهي أمرهم بكامله. إنّ هؤلاء المغفلين لا يعرفون أنهم لمّا كانوا بعد ينتفخون ويقوون كان الله قد تركهم وأنّ ذراعه لم تكن معهم، فأصبح نجاحهم في خبر كان وتلاشى كالفقاعة كأنه لم يكن موجوداً قط. هذا يشير إليه صاحب المزمور (73: 16 – 20)، وقد أخذه العجب من الأشرار إذ هم أغنياء وفي دعة ومقتدرين، وأخيراً  يقول: "فلمّا قصدت معرفة هذا إذا هو عسر في عيني. حتى دخلت مقادس الله واطّلعت على أسراره، وانتبهت إلى أخرتهم. فأدركت أنهم لم يكونوا في استعلائهم إلاّ خادعين نفوسهم، وآلوا إلى البوار في تعظّمهم، كيف صاروا إلى الخراب في لحظة، اضمحلّوا وفنوا من الدواهي. كأنهم لم يكونوا قط، كحلم عند الاستيقاظ". وكذلك المزمور (37: 35و36): "رأيت الشرير شارقاً مثل شجرة الأرز الناضرة على جبل لبنان، ثم اجتزت فلم يكن، والتمسته فلم يوجد".

 

إن ما نفتقر إليه هو الإيمان وليس غيره، فقلما نقدر على أن نصبر وإلاّ كنا نحن أيضاً نرى بعين جليّة رحمة الله حالّة على خائفيه بكل اقتداره ونرى ذراع الرب ضد المستكبرين ببالغ الشدة والقوة. تبّاً لعدم إيماننا، نتلمّس بأيدينا رحمة الرب وذراعه، وإذ أننا لا نحسّ بشيء نحسب قضيتنا الخاسرة وقضية أعدائنا الرابحة، كأن تخلّت عنا نعمة الله ورحمته وانقلبت ضدّنا ذراعه. وسبب تظنّننا هذا هو جهلنا خصائص أفعاله مما يجعلنا أن لا نعرف رحمته ولا ذراعه، لأن معرفته يجب أن تُدرك بالإيمان كما يشاء ذلك هو أيضاً، فإنه لا بدّ من أن يُغلق على حواسنا وعقولنا ويطمس بصرها لأن عينها تشككنا وتعثرنا، ويجب أن نقلعها ونلقيها عنا (متى5: 29). إذن كان هاذان عملي الله المتعارضين، نتعلم منهما أنه ميّال إلى البعد عن الحكماء والفهماء، والقرب من الجهّال ومَن فرض عليهم الظلم. مما يجعله حريّاً بمحبتنا وتسبيحنا، ومما يؤاتينا عزاء النفس والجسد وجميع القوى.

 

لننتقل الآن إلى الكلمات: "وشتّت المتكبّرين بأفكار قلوبهم"، كما ذكرنا سابقاً، يتشتت شملهم عندما تبلغ حصافتهم حدّ التناهي وعندما يضيق صدرهم بحكمتهم الخاصة لوفرها، فلا بد أن حكمة الله ليست حاضرة فيهم. وهل هناك سبيل إلى تشتيتهم خير من تجريدهم من حكمته الأبدية ومن جعلهم يمتلئون بحكمتهم الذاتية الزمنية وقصيرة الأجل وسريعة الزوال؟ إن العذراء تقول: ""المتكبّرون بأفكار قلوبهم"، أي الذين ترتاح نفوسهم إلى آرائهم وأفكارهم وإدراكهم، التي ليست من إلهام الله بل من تسويلات نفوسهم هم، والتي يعتبرونها وحدها الأصوب والأفضل والأحكم. وزيادة على ذلك يستعلون فوق خائفي الله، ويُخزون ويحطّون من قدر رأي الآخرين وحقّهم، ويبلغون المدى في اضطهادهم لتكون قضيّتهم حتماً ناجحة مصونة. وعندما يصلون إلى مأربهم هذا يتباجحون ويتمدّحون بأعلى صوتهم كما فعل اليهود في مضادّتهم المسيح، الذين لم يكونوا يدرون بأن عملهم هذا أدّى إلى هلاك قضيتهم وخيبة سعيهم، بينما رُفع المسيح إلى المجد. إننا نلاحظ إذاً أن هذا العدد يتكلم عن الخواصّ الروحية وأنه يمكن من خلالها التعرّف على عمل الله بنوعيه: أي ينبغي لنا أن نكون مساكين بالروح بطيبة ورضىً، وأن يضلّ الحق عنا ليكون لخصومنا. إلاّ أنهم لن يستمروا طويلاً على حالهم لأنّ الوعد عهده مؤكّد، فما لهم من ذراع الرب فلت، ولا محالة من هبوطهم بمقدار ما كانوا مرتفعين بالأمس. ذلك إذا كنا من أبناء الإيمان، لأنه حيث يفقد الإيمان لا يعمل الله أعمالاً كهذه، بل يردّ ذراعه ويأخذ يعمل بواسطة المخلوقات علانية. كما ذكرنا سابقاً، لكن مثل هذه الأعمال ليست أعماله الحقيقية التي يمكن أن يعرف بها، فقد تداخلتها قوة الخلائق ولم تعد أعماله المحضة الخاصة به التي يجب أن لا يشاركه فيها أحد بل أن يقوم بها لوحده. وذلك يتم حين نكون عديمي القوة ويجحد حقنا وتطمس آراؤنا، وحين نتيح لقوّة الله أن تعمل فينا. إن هذه الأعمال هي أعمال كريمة ونفيسة.

 

بأية براعة فائقة تكشف مريم المرائين المنافقين! فهي لا تنظر إلى أيديهم أو إلى عيونهم، بل إلى قلوبهم، وتقول: "المتكبرون بفكر قلوبهم"، وتخص بذلك أعداء الحق الإلهي، كما كان اليهود في مقاومتهم المسيح، وكما هي الحال في يومنا هذا. إن هؤلاء العلماء القديسين لا يفتخرون بلباسهم وظاهر سلوكهم بل يصلون كثيراً ويصومون كثيراً ويعظون ويدرسون كثيرا، كما يقيمون القداس ويحنون رؤوسهم في مشيتهم تواضعاً، ويتحاشون عن الثياب الفاخرة. وفي اعتقادهم ليس هناك خصم للكبرياء والظلم والمراءاة أشدّ عداوة منهم، وليس هناك صديق للحق والله أوفى منهم. وهل كان يمكنهم جلب الضرر على الحق لو لم يكونوا على هذا النحو من الصلاح والقداسة والعلم؟ إن حالهم وأعمالهم هذه تظهر من خارجها حسنة باهرة ويكون لها عند عامة الناس تأثير حسن. ألويل لهم! أيّ صفاء النوى هذا؟ وأية استقامة القلب هذه؟ فإنهم يدعون إلى الله وتأخذهم الشفقة من يسوع المسكين، الذي لم يأتِ الأعمال الصالحة وكان متكبّراً ولم يكن مثلهم تقياً. أما هو فيقول عنهم في (متى11: 29): "تبرّأت الحكمة من بنيها"، أي "إنهم يفوقونني برّاً وحكمة، وأنا هو الحكمة بعينها. فمهما أفعل يكن خطأ وإنهم المسيطرون عليّ".

 

هؤلاء شرّ الناس سمّاً وخبثاً على الأرض قاطبةً، فقلوبهم هوايا سحيقة مشحونة كبرياءً شيطانياً، وليس لدائهم دواء ولا هم يستمعون إلى النصح فهو لا يعنيهم بل يتركونه ليُعنى به الخطاة المساكين الذين يحتاجون إلى مثل هذا التعليم. أما هم فلا يحتاجون إليه ويسمي يوحنا المعمدان هؤلاء "أولاد الأفاعي" (متى 3: 7). ويسميهم المسيح أيضاً بهذا الاسم (متى12: 34). إنهم المجرمون الحقيقيون الذين لا يخافون الله ولا يستاهلون إلاً أن يشتتهم الله في كبريائهم لأن ليس بين الناس من يضطهد الحق والحكمة شرّاً منهم، مع أنهم يدّعون بأن ذلك من أجل الله والبرّ، كما سبق وذكرنا. إنهم لا محالة أوائل أعداء الله الثلاثة أي هؤلاء الأعداء القائمين صفاً على هذه الجهة وفي مقدمتهم. لأن الأغنياء أقلّهم عداءً، والأقوياء الأعزّاء أشدّ عداءً بكثير، لكن أولئك المدّعين الحكمة المتحذلقين فإنهم شرّ الجميع بسبب تأثيرهم في الآخرين. الأغنياء يقضون على الحق فيما بينهم، والأعزّاء يطردونه عن الآخرين، أما الحكماء إيّاهم فيمحون الحق ذاته ويستبدلونه بأمور أخرى أي بتصوّرات قلوبهم، وهكذا يحولون دون أن ينشأ الحق من جديد. وبقدر ما كان الحق ذاته أفضل من الناس الذين يسكن فيهم، بهذا القدر كان الحكماء أسوأ من الأقوياء والأغنياء. ويلهم من عداء الله فهو أشدّ خصومهم، وإنهم يستاهلون ذلك.

 

العمل الثالث: حطّ  المقتدرين.

 

أنزل الأعزّاء (حطّ المقتدرين) عن الكراسي

 

   من السهل فهم هذا العمل والأعمال التالية من خلال العملين السابقين. فكما أنّ الله يشتت المدّعين من الحكماء والفهماء الملازمين عنادهم وتخيّلات آرائهم التي يعتمدون عليها في إنزال غائلة كبريائهم في خائفي الله، الذين لا حيلة لهم من أن يكونوا على خطأ وأن يُجحد حقّهم ويُنكر، الأمر الذي يحدث في الغالب من أجل كلمة الله. كذلك أيضاً يدمّر الله الأشدّاء والعظماء ويحطّهم هم وجبروتهم واستعلاءهم اللذين يعتمدون عليهما في إنزال غائلة تطاولهم في من هم دونهم من المتواضعين الصالحين، الذين لا حيلة لهم من أن يُساموا على أيدي هؤلاء الإذلال ويصيبهم الأذى والقهر ويذوقوا الموت وشتّى أنواع الشرّ. وكما أنه يعزّي الذين حتّم عليهم مقاساة الظلم والعار في سبيل عدالة قضيّتهم وسبيل الحق والكلمة، هكذا يعزّي أيضاً الذين حتّم عليهم الوقوع في العذاب والمساءة. وإنه بقدر ما يُعزّي الفئة الأخيرة هذه، فإنه بذلك القدر يخيف الفئة السابقة المعتدية. لكن لا بد أيضاً من الإيمان لمعرفة هذا كله ولا بدّ من انتظاره. لأنه لا يدمّر الأقوياء العتاة سريعاً كما يستاهلون، بل يُمهلهم إلى حين حتى يصل بأسهم الذروة، وعندها لا يساند الله البأس، ولا يقدر البأس أن يحتفظ بقوته ويعتمد على ذاته، فينهار تحت وطأة ثقله، دون أي صخب أو ضجيج. أما المظلومون فيترقى بهم الأمر، وهذا أيضاً يتم بدون أي صخب، لأن قوة الله في داخلهم، وهي وحدها الباقية بعد أن سقطت قوة المتجبّرين.

 

أما ما هو جدير بانتباهك فهو أن مريم لا تقول أنه يحطم الكراسي، بل ينزل الأعزّاء عنها، وأيضاً لا تقول أنه يترك المتضعين على حالهم الوضيع، بل يرفعهم. فإنه ما دام العالم قائماً فالسلطة والحكم والقوة والكراسي يجب أن تبقى. لكن الله لا يسمح لهم بأن يتمادوا في سوء استعمالها، بأن يقاوموه وينزلوا الظلم والبطش بخائفيه، وأن يختاروا التمتّع والتفاخر بها على استعمالها بالتقوى وفي سبيل حمده والدفاع عن البرّ. ويُعلّمنا التاريخ وكذلك ما نعرفه عن تجربة بأنه يقيم مملكة ويُذهب بأخرى، ويرفع إمارة ويحطّ أخرى، ويُكثّر شعباً ويُهلك آخر. هكذا كانت فعاله مع أشور وبابل والفرس واليونان وروما، مع أنهم كانوا يظنون أنهم سيجلسون على كراسيهم مدى الدهر. وعلى مثال ذلك فهو لا يقضي على المنطق والحكمة العدل، لأن دوام العالم مُرتهن ببقائها. إنما يلاشي الكبرياء والمتكبّرين الذين يستغلون هذه الأمور مجرّدين من تقوى الله ولمآربهم الشخصية والتمتع بها، فيضطهدون بواسطتها الصالحين والحق الإلهي، وهكذا يسيئون استعمال خيرات الله ويديرونها ضدّه.

 

أمّا من جهة الأمور الإلهية فإن من شأن المتفلسفين ومدّعي الفهم ألمتكبّرين محالفة ذوي البأس، وحملهم على الانحياز إليهم ضدّ الحق، كما قال صاحب المزمور (2: 2): "قام ملوك الأرض والعظماء، إئتمروا معاً على الرب وعلى مسيحه". لأن الحق والعدل يقفان ضدهم، ويعتدي عليهما  دائماً الحكماء والأشدّاء والأغنياء أي العالم بأعظم إمكانياته وأعزّها. لذلك يعزّيهما الروح القدس على لسان هذه الأم المباركة ويدعوهما إلى ألا يقعا في الرّيب أو ينتابهما الخوف. هب أولئك كانوا من الحكمة والقدرة والغنى بمكان، فالزمن لن يطول عليهم. لأن أولئك القديسين والعلماء مع ذوي السيادة والسلطة والأغنياء معاً، لو لم يكونوا ضدّ العدل والحق بل كانوا يناصرونهما، فأين كان الظلم؟ هل كان أحد يصيبه شرّ من الشرور؟ كلا، ليس الحال كذلك أبداً. أما الآن فإن العلماء والقديسين المرائين وأصحاب القدرة والعظماء والأغنياء والخيرة من العالم يجب أن يحاربوا الله والعدل ويكونوا خاصة إبليس، كما يقول النبي حبقوق (1: 16): "سمن نصيبها ودسم طعامها"، أي أن الروح الشريرة تتمتع بحاسة ذوق شديدة للغاية، وهي ولعة بالنخبة من ألوان الطعام وأطيبها وأفخرها، كولع الدبّ بالعسل. ومن هنا كان العلماء والقديسون المراؤون والسادة العظام والأغنياء من المطايب لإبليس وطبقه المفضّل. ومن جهة أخرى يُقابل هؤلاء بمن رفضهم العالم أي بالفقراء والأدنياء والجهّال والمزدرى بهم والذين لا يعدّون شيئاً، كما يقول بولس الرسول (1كو1: 28)، لأن الله اختارهم. مما يجعل القسم الأفضل من البشر أن ينزلوا الأذى بالقسم الدون، كي يعرف الناس أن خلاصنا ليس عملاً تأتيه قدرة البشر وأعمالهم بل هو عمل الله وحده، كما يقول القديس بولس أيضاً (1كو 3: 7). لذلك أتت الأقوال المأثورة بالصواب، مثلاً على ذلك: "العلماء أسوأ الفهماء"،  و"الأمراء من نوادر سكان السماء"، و "الغني هنا – فقير هناك". لأن العلماء لن يتنازلوا عن تكبّر قلوبهم، ولا الأعزّاء عن تسلّطهم، ولا الأغنياء عن تمتّعهم بمالهم، وهكذا دواليك.

 

 

 

 

العمل الرابع:  رفع المتّضعين

 

إن ترجمة هذه العبارة بالألمانية هي "رفع وطيئي القدر". ويقول المؤلف ليس: المعنى المتواضعين، بل جميع المحتقرين والذين لا يُعدّون شيئاً في أعين العالم، وهي العبارة ذاتها التي وصفت بها العذراء المباركة نفسها في مستهلّ الأنشودة إذ قالت: "أنه نظر إلى اتضاع أمته (وطوءة قدرها)".ومع ذلك يحق القول بأن الذين يرضون بطيبة أن يكونوا هابطين وأن يساووا العدم وهم لا يسعون للعظمة، انهم بالحقيقة متواضعون. وأما الرفع فلا يقصد به أنه يجلسهم على كراسي أولئك الذين أنزلهم عنها، كما أن الرحمة التي صنعها إلى خائفيه لا تقتضي أنه يحلّهم مكان المدّعين بالعلم المتكبّرين. لكنه يهبهم أكثر جداّ من ذلك إذ يجعلهم يرفّعون بالله والروح فوق كل الكراسي وكل سلطان وعلم ويدينونها هنا في هذا العالم وهناك في السماء. لأن معرفتهم تفوق معرفة كل العلماء وشديدي البأس. وأما كيف يكون ذلك فقد سبق توضيحه في ما ذُكر فوق عن العمل الأول، ولا حاجة لإعادته. وهذا القول كله قد جاء تعزية للمتألمين وإرعاباً للطغاة، حبّذا لو كان لنا قدر كافٍ من الإيمان فنصدّق به!.


 

العمل الخامس والسادس:

 

أشبع الجياع خيرات، وصرف الأغنياء فارغين.

 

ذكرت آنفاً أن المتّضعين ذوي المنزلة الواطئة لا يُقصد بهم المحتقرون والذين ظاهر حالهم منعدمون، بل المقصود أولئك الراضون عن طيب قلب بمثل هذه الحال، وخاصة إذا أُكرهوا عليها من أجل كلمة الله أو الحق. ومثلهم تماماً الجياع، فلا يُقصد بهم من ليس لهم من الطعام إلاّ القليل أو لا شيء منه، بل الذين يقاسون شدّة العوز عن طيب قلب وخاصة إذا أجبرهم عليه الآخرون في سبيل الله والحق. هل هناك أحطّ وأحقر وأفقر من إبليس والذين عاقبتهم الهلاك، وهم ممن يُعذّبون ويجوعون ويُقتلون بسبب أعمالهم الشريرة،  أو ممن هم في حالة العوز والانحطاط ضد إرادتهم؟ فإنه لا ينفع معهم شيء ولا تتغيّر حالهم، إنما تنقلب من سيّء إلى أسوأ. إن والدة الإله لا تتكلم عن هؤلاء، بل عمّن هم واحد في الله والله فيهم، الذين يؤمنون به ويضعون اتكالهم عليه.

 

ومقابلة بهؤلاء، ما المانع الذي كان هناك ليكفّ الآباء القديسين إبراهيم وإسحق ويعقوب عن غناهم؟ ما العائق الذي كان ليشغل داود عن سريره الملوكي، أو دانيال عن سلطته في بابل، وكذلك جميع الذين كانوا أو لا يزالون في منصب أو غنىً واسع عن مراتبهم وثروتهم، إذا لم تتعلّق قلوبهم بهذه الأمور ولم يبتغوا وراءها مآربهم الشخصية؟ يقول سليمان في (أمثال16: 2): "الرب وازن الأرواح"، أي لا يحكم بحسب الشكل والمظهر الخارجي، أكان المرء غنياً أو فقيراً، أو كان عالي المقام أو دنيّه، بل بحسب الروح وطريقتها في التصرف في هذه الحالات. لأنه ما دامت الأرض وهذه الحياة فلا بدّ من هذه الاختلافات بين الأشخاص والمراكز، لكن يجب أن لا يولع القلب بها أو يهرب منها، وأن لا يتعلّق بالرفيعة والغنيّة منها، ويعتزل الوضيعة والفقيرة. وهذا ما يقوله أيضاً المزمور (7: 9 و11): "الله فاحص القلوب والكلى، لذلك هو قاضٍ عادل". إنما الناس ينظرون إلى الوجوه ويحكمون حسب الظاهر، لذلك يخطئون في حكمهم مراراً.

 

تجري هذه الأعمال أيضاً في سرّ مكتوم كتلك التي ورد ذكرها آنفاً، فلا يدري بها أحد إلاّ عندما تبلغ النهاية. فلا يدرك الغني حقيقة افتقاره وبؤسه إلاّ عند موته أو إذا عرض له أحد عوارض الضياع. وعند ذلك يرى أن جميع أمواله لم تكن بشيء أصلاً، كما يقول صاحب المزمور (76: 5): "سُلب أشدّاء القلب، ناموا سنتهم (أي ماتوا)، كل رجال البأس لم يجدوا أيديهم (كل الأغنياء لم يجدوا شيئاً ملك أيديهم)". وقبالة هؤلاء لا يعرف الجياع والعطاش كم هم ممتلئون من وفير الخيرات إلاّ عندما يبلغون النهاية، وعندها يجدون قول المسيح قول صدق (لو6: 21): "طوبى لكم أيها الجياع والعطاش الآن فإنكم ستشبعون". وكذلك يجدون العزاء هنا في وعد والدة الإله: "أشبع الجياع خيرات". إنه من المحال الذي لا استثناء فيه أن يترك الله واحداً من المتكلين عليه يهلك جوعاً، بل لا بدّ من أن جميع الملائكة تجيء وتعوله. كانت الغربان تأتي إيليا بالطعام، وقد أكل هو وأرملة صرفة أياماً عديدة من ملء راحة دقيقاً وقليل من الزيت (1ملو 17: 6 و15)، لأن الله يضيق صدره بالتخلّي عن المعتمدين عليه. لذلك يقول داود (مز37: 25 أو الترجمة اليسوعية مز 36): "كنت فتىً وقد شخت ولم أرَ صدّيقاً تُخلّي عنه ولا ذرّيّة له تلتمس خبزاً"، أما الصديق فهو المتكل على الله. والمزمور (34: 10) يقول أيضاً: "الأشبال (الأغنياء) احتاجت وجاعت، وأما طالبو الرب فلا يعوزهم شيء من الخير". وتقول القديسة حنّة أم صموئيل: "الشباعى آجروا أنفسهم بالخبز، والجياع استغنوا"، (1صمو2: 5).

 

إنما عدم الإيمان البغيض هو الذي يحول دائماً دون عمل الله فينا ودون اختبارنا إياه وعلمنا به. فلسان حالنا الرغبة في أن نشبع وأن نجمع الكفاية من كل شيء قبل أن يجيء الجوع والعوز، ونخزن ما يلزم من المؤونة ونتهيّأ ليوم الجوع والشدّة حتى لا يكون لنا حاجة إلى الله وأعماله. أو هكذا يكون إيمان الاتكال على الله، يوم تشعر وتعرف أن لك خيرات تسعفك بحاجتك؟ إنه  بسبب عدم إيماننا تهزم كلمة الله والحق والعدل أمام عيوننا، فينتصر الشرّ ونحن نغضي على الأمر ولا ننهر ولا نرفع صوتاً بالكلام أو نعمل على منعه بل نرخي له الحبل فيسير على ما يريد. ولماذا؟ لأننا نخاف من أن نُهاجم نحن أيضاً فنصبح فقراء ونصير عرضةً للهلاك جوعاً والإذلال الدائم. هذا هو الدليل على اعتبارنا متاع الدنيا الذي لا بقاء له أكثر من اعتبارنا لله واتخاذه معبوداً بدلاً من الله. وإن فعلنا ذلك لن نكون أهلاً لأن نسمع ما يعد الله من عزاء ولا أن نفهمه، أي إنه يرفع المتضعين ويُنزل الأعزّاء، ويُشبع الفقراء، ويجعل الأغنياء فارغين، وأيضاً لن نكون أبداً أهلاً لمعرفة أفعاله التي ليس بغيرها الخلاص. ولذلك يكون مصيرنا الهلاك الأبدي، كما يقول المزمور (28 والترجمة اليسوعية 27: 5): "إنهم لم بعقلوا أفعال الرب ولا صنع يديه فهو يدمّرهم ولا يبنيهم".

 

إن ذلك عدل وإنصاف لأنهم لا يثقون بوعوده بل يعتبرونه إلهاً طائشاً كاذباً. فلا يعتمدون على قوّة كلامه أو يركنون إليها، لأنهم لا يقيمون أيّ اعتبار لمصداقيته. فإنه لا بدّ لنا من أن نحاول ونُقدم على منهاج كلامه بجدّ ويقين. لأن مريم لا تقول أنه أشبع الشباعى ورفع الأعزّاء، لكنه "أشبع الجياع ورفع المتواضعين". فمن المحتّم عليك أن تلتذع بلاذع الجوع الشديد وأن يسوءك احتمال الفقر المدقع وأن تعلم الجوع والفقر بحقيقتهما وكنههما، عندما تنعدم كل مؤونة وعندما لا يكون لك في نفسك أو في أيّ من الناس ما ترجوه بل تؤمّل في  الله وحده، كي لا يكون العمل إلاّ عمله فحسب، ويكون من المستحيل أن يقوم به أحد سواه. لا يكفيك أن تفكّر وتتكلم عن الاتضاع بل لا بدّ من أن يلحق بك الانحطاط ويستحوذ عليك كلياً وتكون متروكاً بدون أيّة مساعدة، كي يتمكن الله منفرداً من إجراء العمل بنفسه. وإن تعذّر ذلك كان ينبغي لك على أي حال أن ترجوه وأن لا تنكمش على نفسك. إننا مسيحيون وعندنا الإنجيل الذي لا يقدر ابليس ولا الناس أن يحتملوه، إذ به يمكننا الوصول إلى الفقر والضعة، حتى يقدر الله على أن يؤاتينا فعاله. فكّر أنت بنفسك، لو أشبعك الله قبل أن تجوع أو رفعك قبل أن تتضع، لانحطّ إلى منزلة الساحر أو المهرّج، ولعجز عن القيام بما وعد به، ولأصبحت كل أعماله هذياناً في حين يقول صاحب المزمور (111: 7): "أعمال يديه حق وأمانة، وحكم وصدق"، حتى لو أجرى أفعاله في مستهلّ شعورك بالضيق والانحطاط، أو مدّ لك يد المساعدة في حالة احتياج يسير، لكانت كل هذه الأعمال غير لائقة بقدرته الإلهية وبجلاله، اللذين يقول عنهما المزمور (111 ,اليسوعية 110: 2): "أعمال الرب عظيمة مدبّرة طبقاً لكل مراده بها".

 

لنفرض هذه الحال معكوسة، لو كان ليحطّ الأغنياء وأصحاب المناصب قبل أن يصبحوا أغنياء أو عالين، فكيف كان ليتصرّف في الأمر؟ إنما يجب أولاً أن يصلوا إلى العلوّ ويدركوا الغنى الوافر حتى يظنوا هم أنفسهم وجميع الناس – بل إن ذلك يحصل فعلاً – أن أحداً لا يستطيع أن يهزمهم أو يصدّهم عن سبيلهم، وحتى يكونوا واثقين من أنفسهم ولسان حالهم قول اشعياء النبي فيهم وفي بابل (اش47: 8و9): "فالآن اسمعي هذا أيتها المتنعّمة الجالسة بالطمأنينة القائلة في قلبها أنا وليس غيري، لا أقعد أرملة ولا أعرف الثكل،( أي أكون بدون قوة أو سند)، سيأتي عليك كلا الأمرين بغتة في يوم واحد: الثكل والترمّل". عندئذٍ يستطيع الله أن يجري فيهم أفعاله. وجعل هكذا فرعون يعتو ويستكبر على بني اسرائيل ويتسلّط عليهم كما قال ا لرب نفسه عنه (خروج 9: 16): "لأجل هذا أقمتك لكي أريك قوتي ولكي يخبر باسمي في كل الأرض". والكتاب المقدس ملآن بهذه الأمثلة التي لا تعلّم إلاّ أعمال الله وكلامه، أما أعمال الناس وكلامهم فترفضها.

 

أنظر هنا! كم هذا العزاء قويّ! إنه ليس واحد من الناس بل الله نفسه هو المعطي الجياع وإنه لا يعطيهم شيئاً ما فحسب لكنه يملؤهم ويشبعهم إشباعاً تاماً وشافياً. وفوق هذا تقول مريم أنه يُشبع "خيرات"، أي أن الإشباع غير مضرّ بل ناجع ويجعل الإنسان سعيداً إذ يؤاتي إلى كل من الجسد والنفس وكلّ قواهما اليمنَ والعافية. لكن قولها يدلّ أيضاً على أن الجياع كانوا قبلاً خالين من كل خير ومتمرّسين بالعوز الشديد. وكما ذكر آنفاً يشتمل الغنى هنا على كل أنواع الممتلكات الزمنية التي تزوّد الجسد حاجاته والتي تفرح النفس أيضاً. وكذلك معنى الجوع هنا ليس فقدان الطعام فحسب بل كل الاحتياجات الزمنية، وسبب هذا المعنى كون الإنسان قادراً على أن يستغني عن كل شيء إلاّ عن الطعام، وتكاد الممتلكات جميعها تقريباً لا تهدف إلاّ إلى تزويده بالطعام الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يحيى حتى وإن أمكنه ان يعيش بدون الثياب والبيت والنقود والممتلكات والناس. ولذلك اتّخذ الكتاب المقدس أحد الممتلكات الزمنية وهو الأكثر نفعاً للإنسان والأقلّ طاقةً له بالاستغناء عنه وجعله معرّفاً لهذه الممتلكات لتُعرف به دون غيره. فمثلاً يقول الكتاب عن البخلاء وذوي الشهوة للمتلكات الأرضية أنهم "يخدمون بطونهم (رو16: 18)، ويسمي بولس "بطنهم إلههم"(فيلبي 4: 19). هل توجد كلمات تحمل المرء على الشوق إلى الجوع والفقر طوعاً أروع وأشدّ عزاءً من كلمات والدة الإله هذه؟: أن الله سيشبع الجياع خيرات. فإن وُجد بعد أحد لا تؤثّر فيه هذه الكلمات ولا يستميله شرف الفقر هذا والفخار به، لكان بلا شك عديم الإيمان والثقة وكان كأحد الوثنيين.

 

وخلاف ذلك، هل هناك اتهام للغنى ورعب للأغنياء أبرح واشدّ من القول بأن الله يصرفهم فارغين؟ ما أعظم عملي الله هاتين، تملئته وتخلّيه، أي إشباعه ودفعه، وما أكبر هولهما! إن أياً من المخلوقات يحاول عبثاً أن يسدي نفعاً أو مشورةً إزاءهما. يفزع المرء إذا سمع أن أباه تبرّأ منه أو أن سيده سخط عليه، أمّا نحن الأغنياء وذوو المناصب فلا نفزع عندما نسمع أن الله براء منا، وليس براءً فحسب، بل يهدد بأن يدمّرنا ويذلّنا ويصرفنا فارغين! وكذلك من الناحية الأخرى، ممّا يدعو إلى السرور أن يكون الأب صالحاً والسيد كريماً، وكثيرون هم الذين يقدّرون ذلك حق قدره مما يجعلهم مستعدّين لبذل حياتهم ومالهم في سبيله. ولدينا هنا وعد إلهي لا يفوقه وعد، وعزاء قوي لا يوازيه عزاء، - ومع ذلك ليس في مقدورنا أن نستفيد من هذا الوعد ولا أن نتسلّى بهذا العزاء، وليس في مقدورنا أن نشكر له نعمته هذه ولا أن نفرح بها. يا لك يا عدم الإيمان البغيض!. يا لشدّتك الصوّانيّة! وقساوتك الصخريّة! لأنك لا تشعر بهذه الأمور العظيمة! يكفي هذا القدر من الكلام في أعمال الله الستّة.

 

 


 

عضد إسرائيل فتاه، فذكر رحمته

 

بعد أن عدّدت مريم أعمال الله التي يعملها معها ومع جميع الناس عادت إلى الأمر الأول والأهمّ، فتنهي "تعظّم" بذكر أعظم أعمال الله، ألا وهو تجسّد ابن الله. إنها تقرّ من غير حرج أنها أمة العالم أجمع وخادمته، وتسلّم بأن هذا العمل الذي تمّ إنجازه فيها لم يكن من أجلها وحدها، بل من أجل اسرائيل كله. إنما تقسم اسرائيل إلى قسمين وتشير إلى ذلك القسم فقط الذي هو فتى الله أو خادمه. ولكن أحداً لا يخدم الله إلاّ الذي يتّخذه إلهه ويجعله يجري فيه أعماله، كما ذكر آنفاً. وللأسف قد اتخذت عبارة "الخدمة الإلهيّة" معنىً غريباً في يومنا هذا، حتى صار كل من يسمعها لا يفكر في أعمال الله هذه إنما كل ما يخطر له قرع الأجراس وخشب الكنائس وحجارتها، والمبخرة وبريق الأنوار وجمجمة الكلام في الكنائس، والذهب والحرير والحجارة الكريمة التي تزيّن برانس جوقة المرتلين وأردية الكهنة، والكؤوس وآنية المذبح الأخرى، والموكب والذهاب إلى الكنيسة، وأكثر ما يلوح في فكر المرء التمتمة في الكلام وخشخشة المسابح. هذا للأسف ما تعنيه خدمة الله اليوم، التي لا يطّلع الله عليها بتاتاً. لكننا نحن لا نعرف سواها. إننا ننشد "تعظّم" يومياً بجهارة الصوت وبالغ الروعة، ولكن كلما طال إنشادنا كلما كتمنا معناها الأصيل وموسيقاها ورونقها أكثر فأكثر. أما النص فيبقى راسخاً في معناه لا ضعف فيه، فإذا لم نتعلّم أعمال الله هذه ونختبرها لن تكون هناك خدمة إلهية ولا اسرائيل ولا نعمة الله ولا رحمته، حتى ولو قتلنا أنفسنا من فرط الترتيل في الكنائس ودقّ أجراسها وإدخالنا فيها جميع ممتلكات العالم. لأنه لم يوصِ بأيّ من هذه الأمور ولا شك في أنه لا يسرّ بها.

 

أما اسرائيل فتى الله والذي يخدم الله فهو الذي يُفيد من تجسّد المسيح. فإنه شعبه الخاص الذي من أجله أيضاً صار إنساناً ليفديه من سلطة الشيطان والخطيّة والموت والهاوية، وليهديه إلى البرّ والحياة الأبدية والخلاص. هذا هو العضد والنصر والعون الذي تترنم به مريم، كما يقول بولس في رسالته إلى تيطس (2: 14): "المسيح بذل نفسه لأجلنا ليطهّر لنفسه شعباً خاصاً"، والقديس بطرس في (1بط2: 9): "أنتم أمّة مقدّسة وشعب مقتنى اقتناء الله نفسه، وكهنوت ملوكيّ". وهذا هو غنى رحمة الله التي لا حدّ لها، والتي أنالنا إياها ليس لأي استحقاق بل من محض النعمة. ولذلك تنشد "ذكر رحمته" ولا تقول "ذكر استحقاقنا وأهليّتنا". لا شك في أننا كنا محتاجين ولكننا لم نكن أبداً مستاهلين. وعلى هذا الأساس يقوم حمده ومجده مما يقتضي صمت تفاخرنا وادّعائنا. لم يكن فينا شيء جدير بمبالاته فيحرّك منه القلب إلاّ رحمته فحسب، وشاء أن يخرج هذا الذكر وهذه الرحمة إلى الظاهر ليكونا معروفين. ولكن لماذا قولها: "ذكر رحمته" بدل قولها "نظر إلى رحمته"؟  ذلك لأنه كان قد وعد بهذه الرحمة كما يبيّن العدد التالي. إنما حفظها وأخّر إعطاءها مدة طويلة حتى بدا ظاهر الأمر بأنه نسيها – كما أن كل أعماله تبدو حسب الظاهر بأنه ينسانا – ولكن لما جاء كان جليّاً أنه لم ينسَ بل كان دائماً عاقداً قلبه على الوفاء بوعده.

 

إن كلمة "اسرائيل" تعني في الحقيقة اليهود وحدهم ولا يوجد فيها ما يدلّ علينا نحن الأمم. وبما أنهم لم يقبلوه اختار بعضاً منهم ليوفوا الإسم "اسرائيل" حقّه ويجعل منهم اسرائيل الروحي، وبيان ذلك في سفر التكوين (32: 24 – 28) عندما صارع يعقوب، (وهو أحد الآباء القديسين)، الملاك الذي خلع حقه، إشارة إلى أن أولاده لا ينبغي لهم أن يفتخروا بولادتهم حسب الجسد، كما يفتخر اليهود. ولذلك أعطي اسماً جديدا فأصبح فيما بعد "اسرائيل" ولم يعد أب الأولاد الجسديين فحسب بل أب الروحانيين أيضاً، لأن كلمة "اسرائيل" تصادف موافقةً للمراد إذ تعني "الرئيس عند الله". هذا اسم بالغ الرفعة والقداسة وفي ضمنه العجيبة التي جاوزت حدّ العجب انّ إنساناً من البشر قد قدر بنعمة الله أن يرؤس ويكون ذا طائل مع الله حتى صار الله يعمل ما يريده الإنسان. كما نرى الأمر عينه في العلاقة بين المسيحية والله، فقد أصبحت بواسطة المسيح علاقة اتحاد العروسة بعريسها، مما يخوّل العروسة الحق والسلطة على جسد عريسها وكل أملاكه. ويتم هذا كله بواسطة الإيمان. وهكذا فإن معنى "اسرائيل" هو الإنسان الذي فيه شبه بالله والمقتدر عليه وأنه في الله ومع الله وبالله سيّد يمكن له كل شيء ويقدر على عمل كل شيء.

 

إذاً هذا هو معنى "اسرائيل"، لأن كلمة (صار) بالعبرية تعني الرئيس أو السيد أو الأمير، وكلمة (إيل) تعني الله، فكلتاهما معاً تصبحان "اسرائيل" على الطريقة العبرية. وإن الله طالب مثل اسرائيل هذا، ولهذا السبب قال الملاك ليعقوب بعدما صارعه (تك32: 28): "يكون اسمك فيما بعد اسرائيل، لأنك إذ رؤست عند الله فعلى الناس أيضاً تستظهر". وهناك الكثير مما يمكن القول في هذا الموضوع لأن "اسرائيل" سرّ غامض ولغز مبهم.


 

كما كلّم آباءنا، لإبراهيم ونسله إلى الأبد

 

هنا الدلالة الواضحة إلى انحطاط قدر كل استحقاق وادّعاء، وإلى محض رفعة مقام نعمة الله ورحمته، لأن الله لم يتعهّد بالإسداء والإحسان إلى اسرائيل بسبب استحقاقهم بل بسبب وعده هو. فإنه أعطى الموعد بالنعمة المجرّدة ووفى به بالنعمة المجرّدة. لذلك يقول القديس بولس (غل3 : 17): "إن الله أعطى ابراهيم الموعد أربعماية سنة قبل أن يعطي موسى الناموس"، حتى لا يفخر أحد ويقول أنه قد استأهل هذه النعمة وهذا الموعد وحصل عليهما بالناموس أو أعمال الناموس. وها هي والدة الإله تعظّم هنا هذا الموعد عينه، وتثني عليه وترفعه فوق كل شيء، فإنها تنسب عمل التجسّد الإلهي هذا إلى وعد الله لإبراهيم القائم على النعمة الإلهية فقط، لا على أيّ  استحقاق.

 

أما وعد الله لإبراهيم فقد أورده بنوع خاص سفر التكوين (ص12: 3 وص22: 18)، كما تشير إليه مواضع أخرى كثيرة، ونصّه كالآتي: بذاتي أقسمت أن في نسلك تتبارك جميع أمم الأرض". وقد أولى القديس بولس هذه الكلمات الإلهية كل إجلال وتعظيم (غل3: 16)، ومثله أيضاً جميع الأنبياء، وإن ذلك عين الصواب والحق. لأن ابراهيم وأيضاً نسله كانوا دائماً محفوظين ومخلّصين في هذه الكلمات، وبهذه الكلمات انحتم شمولنا وخلاصنا نحن جميعاً، إذ فيها إشارة ضمنيّة إلى المسيح الموعود مخلّصاً لجميع العالم. هذا هو حضن ابراهيم (لو16: 22) الذي ضمّ جميع الذين خلصوا قبل ولادة المسيح. فإنّ أحداً لم يخلص بدون هذه الكلمات، حتى ولو أدّى جميع الأعمال الصالحة. وسنتبيّن هذا في التأمّل الاتي:

 

أولاً، يستنتج من كلمات الله هذه أن العالم بدون المسيح ساقط كلّيّاً في الخطية ومحكوم عليه، وأنه تحت اللعنة هو وكل أفعاله ومعرفته. وأما قوله أنه ليس بعض الأمم بل جميعها تتبارك في نسل ابراهيم، فلن يكون هناك خلاص لأيّة امّة من الأمم بدون نسل ابراهيم هذا. وهل كانت هناك حاجة تدفع الله إلى أن يقطع هذا الوعد الجدّيّ المشفوع بهذا القسم الخطير على أن ينيلهم البركة، لو كانوا قد حصلوا عليها ولم يكونوا بالأحرى تحت اللعنة؟ إن الأنبياء استخرجت النتائج العديدة من هذا القول، وعلى سبيل المثال إن جميع الناس خطأة وبطالون ومنافقون وعمي وبالاختصار إنهم بدون الله، حتى أصبح التسمّي "بالإنسان" في اصطلاح الكتاب المقدس ليس بالشرف العظيم، فإن هذا الاسم "الإنسان" لا يعدو في عيني الله عن التسمية "كذاب أو جاحد الذمام" في أعين العالم. إنه إلى هذا الحدّ من الفساد قد أدّى سقوط آدم في الخطية بالإنسان حتى صارت اللعنة سجيّة جُبل عليها وكأنها طبيعته وكيانه.

 

ويستنتج ثانياً أنه لا يمكن لنسل ابراهيم هذا أن يولد على الطريقة الطبيعية من رجل وامرأة، لأن هذه الولادة من شأنها أن تكون تحت اللعنة وليس عاقبتها إلاّ اللعنة كما قلنا آنفاً. أما إذا كان ينبغي للعالم أن يخلص من اللعنة بواسطة نسل ابراهيم حتى ينال البركة، كما جاء في كلمة الله وقسمه، فيجب أن يكون النسل ذاته مباركاً أولاً ولم تمسّه شائبة تلك اللعنة، بل يكون بركة محضاً مملوءاً نعمة وحقاً (يو1: 14). ومن الجهة الأخرى، بما أنّ الله وهو المنزّه عن الكذب قد صرّح وأقسم على أن يكون النسل نسل ابراهيم الطبيعي أو ولداً من صلب ابراهيم ومن لحمه ودمه الحقيقيين، فيقتضي أن يكون هذا النسل انساناً حقيقياً طبيعياً من لحم ابراهيم ودمه. وهنا أمران نقيضان، الأول لحم ابراهيم ودمه الطبيعيان والثاني أن لا تكون الولادة على المنهاج الطبيعي من رجل وامرأة. ولذلك استعمل كلمة "نسلك" وليس "ولدك"، ليؤكّد بكل وضوح على أنه سيكون من لحمه ودمه كما ان النسل من اللحم والدم. ومن المعروف لدى الجميع أن الولد لا يقتضي أن يكون الولد الطبيعي الخاص بالرجل. من يستطيع إذاً أن يجد السبيل إلى التوفيق بين هذين النقيضين فيثبت كلمة الله وقسمه ويحققهما؟

 

 الله نفسه أوجد السبيل. فهو قادر على أن ينجز وعده مع أنّ أحداً لا يدرك ذلك قبل أن يحدث، لأن كلمته وعمله لا يطالبان بالبرهان المنطقي بل بالإيمان المطلق الخالص. هلمّ وانظر كيف جمع بين الإثنين. إنه يقيم لإبراهيم نسلاً من ابن طبيعي لإحدى بناته ومن عذراء طاهرة، هي مريم، وذلك بواسطة الروح القدس بدون أن تعرف رجلاً. ولم يكن هناك الحَبَل الطبيعي المشوب باللعنة، ولم يكن باستطاعة هذه اللعنة أن تمسّ هذا النسل، ومع ذلك فإنه نسل ابراهيم الطبيعي حقاً كأي ولد من أولاده الآخرين. هذا هو نسل ابراهيم المبارك الذي يتحرر به العالم كله من اللعنة التي وقعت عليه لأن كل من يؤمن بهذا النسل ويعترف به ويثبت فيه تُغفر له كل اللعنات ويؤاتى كل البركات، كما هو صريح في كلمة الله ووعده وقسمه: "بنسلك تتبارك جميع أمم الأرض". وهذا يعنى أن كل ما من شأنه أن يبارك لا يتبارك إلاّ بهذا النسل وليس بطريقة أخرى أبداً. هذا هو نسل ابراهيم، لم ينجبه أحد أبنائه كما كان اليهود يرجونه ويرتقبونه دائماً بل ولدته مريم هذه وهي إحدى بناته وليس سواها.

 

هذا ما عنت بما قالته أمّ هذا النسل وهي  السامية الرقيقة المعاني "أنه عضد اسرائيل فتاه بحسب وعده ابراهيم وكل نسله"،وإذ وجدت أن الوفاء بالوعد قد تم بواسطتها، فإنها تقول "لقد أُكمل وقد أدّى المساعدة وحافظ على وعده ولم يستدعه إلى ذلك إلاّ أنه ذكر رحمته". إننا نجد هنا الأساس الذي يقوم عليه الإنجيل والنهج الذي يسلكه في كل تعليمه ووعظه حاثّاً الناس على الاتجاه إلى ا لإيمان بالمسيح وإلى حضن ابراهيم. لأنه إن لم يكن هذا الإيمان موجوداً فلا حول ولا قدرة على الظفر بهذا النسل المبارك. ومن المحقق الذي لا شك فيه أن الكتاب المقدس بأكمله يعتمد على هذا الوعد الإلهي، فكل ما يعزم عليه الكتاب المقدس هو المسيح وليس أمراً آخر. وبالإضافة إلى ذلك نرى آباء العهد القديم وجميع الأنبياء القديسين كان لهم هذا الإيمان وهذا الإنجيل اللذان لنا أيضاً، كما يقول القديس بولس في (1كو10: 1 – 4)، لأنهم كانوا ثابتين ومتمسكين بهذا القسم الإلهي وبحضن ابراهيم، وهكذا بقوا محفوظين بالإيمان الراسخ ونالوا الخلاص. والفرق الوحيد بيننا وبينهم أنهم كانوا يؤمنون بمجيء النسل الموعود مستقبلاً، أما نحن  فنؤمن بالنسل الذي قد جاء وأُعطي. ولكننا جميعاً تجمعنا وحدة الحق الواحد وهو الوعد الواحد الذي منه أيضاً إيمان واحد وروح واحد ومسيح واحد ورب واحد (أف4: 5)، كما هو اليوم وكما كان بالأمس وكما سيكون إلى مدى الدهر حسب قول القديس بولس في رسالة العبرانيين 13: 8.

 

أما إعطاء اليهود الناموس فيما بعد فلا يعادل هذا الوعد. لقد أُعطوا الناموس كي يتعرّفوا به حالتهم اللعينة تعرّفاً أفضل، مستضيئين بنوره، وكي يرغبوا في النسل المبارك باشتياق أشدّ واشتهاء أحرّ، مما جعلهم يمتازون عن العالم الوثني بأكمله. ولكنهم حوّلوا ميزة الفضل هذه إلى خلّة الخسران. فقد حاولوا أن يتمموا الناموس باجتهادهم الخاص وأخفقوا في أن يروا من خلاله حالة اللعنة التي يقاسونها والتي هي من البركة خلاء. وهكذا أغلقوا الباب على أنفسهم فاضطر النسل أن يعبر عنهم. إنهم لا يزالون على هذه الحالة وإن شاء الله لا يستمرّون عليها طويلاً – آمين. هذا الأمر كان سبب نزاع جميع الأنبياء معهم الذين كانوا يفهمون معنى الناموس ومدلوله فهماً جيداً، أي أن يتعرّف به الناس طبيعتهم اللعينة ويتعلّموا أن يتّجهوا إلى المسيح ويدعوه. لذلك أنكر الأنبياء على اليهود كلّ أعمالهم وحياتهم الصالحة حسب اعتقادهم، والتي لم تتفق مع هذه الغاية. لذلك غضب اليهود عليهم وقتلوهم فإنهم رافضو خدمة الله والأعمال الصالحة والحياة النقيّة، شأنهم شأن المرائين والقديسين الخلاء من النعمة الذين يقومون بهذه الأفعال دائماً. ويمكن أن يُقال الكثير في هذا الموضوع.

 

أما قولها "نسله إلى الأبد" فعلينا أن نفهم أنّ المقصود "بالأبد" استمرار هذه النعمة في سلالة ابراهيم (أي اليهود) من ذلك الزمان فصاعداً في جميع الأزمنة حتى اليوم الأخير. ومع أن أكثرهم قساة القلب (رو9 – 11)، غير أن هناك دائماً بعضاً، ولو قلّةً، يهتدون إلى المسيح ويؤمنون به. فإن وعد الله لا يكذب، لأنه أُعطي لإبراهيم ونسله لا لسنة واحدة ولا لألف سنة بل للعصور المتلاحقة، أي من جيل إلى جيل بدون انقضاء. لذلك لا ينبغي لنا أن نعامل اليهود معاملة قسوة وغير عطف لأن من بينهم مسيحيين مستقبلين، ويقبلون إلى الإيمان يومياً، وفضلاً عن ذلك قد أُعطوا وحدهم هذا الموعد ولم ننله نحن الأمم، لكي يكون هناك دائماً مسيحيون من بين نسل ابراهيم دلالةً على النسل المبارك. من يَدري يا ترى كيف ومتى سيهتدي اليهود؟ أما بالنسبة إلى قضيتنا فإنها تتعلق بنعمة الله المجرّدة، لأنه ليس  هناك وعد إلهي. فإن كنا نحيى الحياة المسيحية ونرشدهم باللطف إلى المسيح كان ذلك هو الطريق الصواب. من ذا الذي يرغب في أن يصير مسيحياً ويرى المسيحيين يعاملون الناس معاملة غير مسيحية؟ ليس الأمر هكذا أيها المسيحيون الأعزاء! إنما أنبئوهم بالحق بكل لطف فإن أعرضوا عنه فاتركوهم وشأنهم. كم هناك من مسيحيين لا يبالون بالمسيح ولا يسمعون كلامه بل هم أسوأ من اليهود والوثنيين! ومع ذلك نتركهم ولا نزعجهم بل نلقي بأنفسنا عند أقدامهم ونكاد نعبدهم عبادة. الآلهة. لنكتفِ بهذا القدر الآن. إننا ندعو الله أن يعطينا أن نفهم أنشودة "تعظّم" هذه فهماً صحيحاً ليس قوامه الكلمات البراقة فحسب، بل الحياة المتّقدة بالإيمان جسداً وروحاً، وليهبنا المسيح ذلك بشفاعة أمّه العزيزة مريم وبمشيئتها، وإكراماً لها. آمين.  


 

فصل الختام

 

في النهاية أعود وأتوجّه إلى سموّكم راجياً العفو عن جراءتي. إني لواثق بأن سموّكم وإن كان حدثاً فإنه يتلقّى يومياً الإرشاد والنصح الناجعين. غير أنه لا يسعني أن أتوانى في أداء واجبي نحو سموّكم وقد أخضعني إلى ذلك ولائي كفرد من أفراد الرعية، ولن أمنع ضميري من أن يممنعي عن الاهتمام والتفكير في سموّكم. لأننا جميعاً نرجو الله أن يمنّ على إمارة سكسونيا فتكون بنعمته في  المستقبل تحت ولاية سموّكم، وهذا أمر مآله خير يُعتزّ به إذا قام على الصلاح، أو هو يكون عرضةً للخطر والشقاء إذا قام على الفساد. ويتوجّب علينا في كل حال أن نرفع قلوبنا إلى الله بالرجاء والدعاء من أجل الأفضل، ومع ذلك فإننا نستوقع الأسوأ ونتخوّف منه. وإن سموّكم لجدير بأن يتأمّل في أن الله لم يسمح بالثناء على أي من ملوك الأرض وأمرائها في طولها وعرضها، كما جاء في الكتاب المقدس، بل عكس ذلك سمح بمعاقبته والاقتصاص منه. هذه الحقيقة مثال ذو شأن ورهيب أُعطي لجميع الحكّام عبرةً ليعتبروا بها. وحتى في اسرائيل شعبه المختار لم يجد ملكاً واحداً أهلاً للثواب بل الاحرى مستوجباً العقاب. ثم أن مملكة يهوذا التي كانت عظمى فئات الجنس البشري والتي رفّعها الله واحبّها فوق سائر الفئات الأخرى لم يوجد في ملوكها إلاّ العدد الضئيل الذي لم يزد عن ستة ملوك ممن استحقوا المدح والثناء. حتى أن داود الذي كان أفخرهم وفاقهم بالفضل والأمانة والذي لم يكن له نظير بين الحكام الدنيويين، لا قبله ولا في عصره ولا بعده، وإن كان مملوءاً تقوى وحكمةً إلهيةً، وكان يتصرّف في كل أموره وحكمه لا وفق مشيئته وبرأي نفسه بل يفصل فيها بموجب أمر الله وحده، فإنه مع ذلك تعثّر هو أيضاً بضع مرات. وكانت هناك المصيبة العظيمة التي حلّت بالشعب بسببه هو لا بسبب الشعب، ولكن بما أن الكتاب المقدس لم يتمكن من أن ينحي باللاّئمة على حكمه، التزم رواية المصيبة فقط، ولم يوجّه اللوم إلى داود بل وجّهه إلى الشعب. يقول الكتاب بأن غضب الله اشتدّ على الشعب فجعل داود الرجل الصالح أن يغريه الشيطان فأمر بأن يُحصى الشعب، مما كان السبب في موت سبعين ألف رجل من رعاياه هلكوا بالوباء (2صمو24: 1 – 15).

 

كل هذه الأمور قد سبق وعيّنها الله إخافة للسلطة ليجعلها دائمة الحذر وينذرها بالتعرّض للخطر. لأن الحظ الوافر من الأملاك والعزّ والقدرة والمكانة، وأيضاً هناك ذوي المداهنة والإطراء، مما لا  يمكن لأي ذي منصب أن يخلوهم، كل هذه تحيط بقلب الأمير وتستحوذ عليه فتحمله على الكبرياء ونسيان الله وإهمال الشعب والصلاح العام، وعلى الانهماك في إرضاء الشهوات، وعلى التجديف والتكبّر والكسل، وبالاختصار على الوقوع في كل رذيلة وخطأ. وحق اليقين ليس هناك قلعة أو مدينة محاصرة بمثل هذا الحصار، ويقع عليها هجوم مثل هذا الهجوم. لذلك من لم يتّخذ هذه الأمثلة حصناً يتحصّن فيه، ومخافة الله متراساً يستتر به، فكيف يثبت؟ وإذا لم يكن الأمير محباً لرعاياه ولم يكن جلّ اهتمامه رفع مستوى شعبه وتحسين وضعه، بل كان يسعى إلى رغادة عيشه الشخصي، فقد قطع منه الرجاء وانتهى أمره، ولن ينتهي به حكمه إلاّ إلى هلاك نفسه، ولن يجديه نفعاً إن هو أقام القداديس التذكارية الحافلة أو شاد الأديرة والمذابح الكنسية الكبيرة أو غير ذلك من التصدّق والأوقاف طلباً الفداء عن نفسه، لأن الله يطلب منه حساباً عن توليه منصبه وعمله ولن يرتضي بأي أمر آخر.

 

ومن ثم يا سيدي وأميري صاحب السمو، أوكل إلى عنايتكم "تعظم" ولا سيما العددين الخامس والسادس اللذين يشتملان على أهم مضمونها. إني أستحثّ وأناشد سموّكم في أن لا تهابوا شيئاً طول حياتكم وحتى لا الجحيم ذاته كهيبتكم هذا الشيء الذي تدعوه والدة الإله "تصوّرات القلب" (لو1: 51)، التي هي الدّ أعداء الناس جميعاً وأقربها وأقدرها وأشدّها فتكاً وخاصة بالحكام. فإنها كناية عن الإدراك والعقل المحكم والرأي الجيد وهي مصدر كل مشورات وكل حكم. ولن يأمنها سموّكم أبداً إلاّ إذا كان دائماً يتفحّصها ويتفكّر في عواقبها وينقاد لها في خوف الله. وإني لا أقصد مشورات سموّكم فحسب بل جميع أعضاء مجلسكم الشوري أيضاً. لا تُزدرَ مشورة أحد، ولا يُركن إلى مشورة أحد! فأين السبيل إلى ذلك؟

 

ليس السبيل أن يَعهد سموّكم في الصلاة إلى الرهبان والكهنة كما هي العادة الباطلة الآن، ويكتفي سموّكم بذلك ويترك الصلاة، إنما يتوجّب على سموّكم أن يتشدد قلبه ويتشجّع وأن يطرح عنه التهيّب والقنوط فيتكلم مع الله في قلبه أو سراً في الخفاء. وإذ يطرح المفاتيح عند قدميه في جراءة يتمسك بترتيببه الإلهي ويلحّ عليه كقوله مثلاً: "أيها الرب إلهي وأبتِ، ها إني وُلدتُ وخلقتُ لأتولّى هذا المنصب وذلك بفعلك وتدبيرك وإنّ أحداً لا يستطيع إنكار ذلك، وإنك لعارف أن ذلك يطابق الواقع، فأنا ما أنا كما تراني وكما يراني الجميع، أكنتُ أهلاً أم لم أكن، لذلك اللهم وأبتِ هبني أن أقوم بالولاية على شعبك لمجدك ولمنفعته، ولا تدعني أن أنقاد لفكري ورأيي، كن أنت فكري ورأيي!"

 

وإذا وجدت هناك هذه النيّة فلا بأس أن تسير الأمور نحو ما شاءت على اسم ا لله. يبيّن الله نفسه مقدار رضاه عن هذه الصلاة وهذه الروح، وذلك في قصة سليمان الذي صلّى أيضاً مثل هذه الصلاة، وقد ترجمتها هنا في الملحق عسى أن تكون مثالاً في خاتمة هذه العظة يقتدي به سموّكم فيوقظ فيه الثقة بنعمة الله المعزّية، فتثبت معاً مخافة الله ورحمته كما يترنم بها العدد الخامس. وبهذا أفوّض أمري إلى سموّكم وأفوّض أمر سموّكم إلى عناية الله. لينعم الله على سموّكم بحكم مبارك. آمين.


 

كيف صلّى الملك سليمان صلاةً أميريّة

مثالاً حسناً يقتدي به كل الأمراء ومَن تولّى أمرَ قوم.

(سفر الملوك الأول 3: 5 – 14 ، والترجمة اليسوعية سفر الملوك الثالث)

 

في جبعون تراءى الرب لسليمان في حلم ليلاً. وقال له اسأل ماذا أعطيك. فقال سليمان إنك قد فعلت مع عبدك داود أبي رحمة عظيمة حسبما سار أمامك بأمانة وبرٍّ واستقامة قلب معك فحفظت له هذه الرحمة العظيمة وأعطيته ابناً يجلس على كرسيّه كهذا اليوم. والآن أيها الرب إلهي أنت ملّكت عبدك مكان داود أبي وأنا فتىً صغير لا أعلم الخروج والدخول. وعبدك في وسط شعبك الذي اخترته شعب كثير لا يُحصى ولا يُعدّ من الكثرة. فأعطِ عبدك قلباً فهيماً لأحكم على شعبك وأميّز بين الخير والشر لأنه مَن يقدر أن يحكم على شعبك العظيم هذا. فحسن الكلام في عيني الرب لأن سليمان سأل هذا الأمر. فقال له الله من أجل أنك قد سألت هذا الأمر ولم تسأل لنفسك أياماً كثيرة ولا سألت لنفسك غِنىً ولا سألت أنفس أعدائك بل سألت لنفسك تمييزاً لتفهم الحكم. هوذا قد فعلت حسب كلامك. هوذا قد أعطيتك قلباً حكيماً ومميّزاً حتى إنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك. وقد أعطيتك أيضاً ما لم تسأله غنىً وكرامة حتى إنه لا يكون رجل مثلك في الملوك كل أيامك. فإن سلكت في طريقي وحفظت فرائضي ووصاياي كما سلك داود أبوك فإني أطيل أيامك.

 

تم